torath 295 - May - 2024

برزة تراث

الأم وطن ولغة

درجات، بتدأ أولى هذه الدرجات مع الولادة، ومنها اسم الأمومة الوالدة، التي تلد الطفل أو الطفلة، ثم تأتي درجات الاهتمام، والرعاية، والحب والحنان لأبنائها، ثم تعلو إلى تطوير مهارات الأطفال الدراسية ومواهبهم. لكن هناك أمهات لديهن مهارات وقدرات أعلى من غيرهن، حتى إن فضلهن يرتفع إلى حفظ اللغة وحمايتها. والوصول إلى هذه القمة، لا يتأتى لأي امرأة، بل لمن هي متميزة باختلافها؛ نظار لاختلاف المهارات والقدرات، إضافة إلى القوة النفسية الاحتياطية الداخلية، التي تملأ هذه الأم صبارًً، وتحدياًً، وصموداًً؛ لأنها صاحبة فكر عميق، ورؤية واضحة لما تريده لنفسها ولأبنائها. وحتى بتلغ الأم أفضل ما عندها، فلابد لها أن تتمتع بالقوة الداخلية، التي تراكمها التجارب، وقوام هذه القوة؛ الثقة بالنفس والتفاؤل والعزيمة والإيجابية، وبوصلتها تشير إلى طريق السعادة والحب والسلام النفسي، هذه القوة هي التي تعزز المناعة النفسية وتساعد على تحويل التحديات إلى فرص للنجاح. أما نموذج الأم التي أثرت على اللغة، فأعادت إليها حياتها، فهي «ميغيلينا بيلون» من الأرجنتين، التي دأبت على الغناء لابنها بلغتها شديدة المحلية، وحكت له القصص بها، ثم أوصته بأن يحمي لغة «تشانا»، وهي إحدى اللغات الدارجة في الأرجنتين، حتى لا تندثر. العجيب أن ابنها «بلاس جايمي» بدأ في عمر السبعين، بجمع هذه اللغة لمدة عشرين عاماًً، والبحث عمن يتحدثونها؛ وجعل شغفه بالأمرابنته تسهم معه، ثم تواصل مع أحد علماء اللغات «بيدرو فيجاس باروس»؛ ليضع معه معارفه والقصص التي ورثها عن أمه، داخل قاموس يحوي ألف كلمة. جهده هذا حظي باهتمام «اليونسكو» ودعمها، وكان محرك ذلك كله أم أوصلت لابنها اللغة بالأغاني والقصص والفولكلور. لقد آمنت بدورها؛ في حماية لغة أسلافها، فأكمل ابنها وحفيدتها أداء هذه الرسالة. لقد صدق المثل الروسي الأم تصنع الأمة، وقد حافظت هذه الأم عن طريق ما أوصلته لابنها عندما كان طفلا على الأمة، وساعدت جهودها على عودة لغة «التشانا» إلى شجرة اللغات. لقد ظل حنين الابن للأغاني والحكايات التي سمعها من أمه مشتعلاًً، وهو ما دفعه في النهاية لجمع اللغة؛ وهذا دليل

فاطمة حمد المزروعي كاتبة وباحثة من الإمارات

هيئة أبوظبي للتراث خُُطّّة لرفد المشهد الثقافي الإماراتي بإصدارات متنوعة تََخُُص تراث الإمارات وََض ََعت وتاريخها؛ قََص ْْد إغناء المكتبة التراثية الإماراتية، وفََتْْح منافذ معرفية جديدة أمام الباحثين، وتدعوهم إلى طباعة ِف الكتاب مكافأة مالية تتراوح �ِّ ِم لملؤ �ِّ كتبهم وتسهيل نشرها، ليشارك بها في المعارض والفعاليات الثقافية. ويُُقد درهم إماراتي). 15000 - 10000 بين ( شروط النشر: أن يََتّّصف موضوع الكتاب بالج ِِد ّّة، والموضوعية، وشمول المعالجة، والفائدة المعرفية. • ألا يكون الكتاب منشو ار سابقا ًً، أو م ُُقد ََّما للنشر في جهة أخرى. • أن تكون لغة الكتاب العربيّّة الفصيحة الـمُُصح ََّحة لغوياًً. • ألا يكون الكتاب مترج ََماًً. • أن يلتزم الكتاب بالمنهجية العلمية في التأليف، والأمانة العلمية، والنه ْْل من المصادرالأصيلة، وتدوين الهوامش • ِ صفحة. �ِّ أسفل كل أن ت ُُدو ََّن المصادر والمراجع في نهاية كل كتاب. • أن يُُرس ََل الكتاب بصيغة الوورد، مرف ََقا بملخ ََّص من نحو مئتي كلمة باللغة العربية، وبنبذة مختصرة عن سيرة • ِف العلمية. �ِّ الم لؤ ألف كلمة. 70 و 30 أن يكون عدد كلمات الكتاب بين • ت ََت ََول ّّى هيئة تحكيم مختصة مراجعة الكتاب وتقييم ََه وإصدار قرار نهائي بشأن طباعته خلال شهرين من تاريخ • إرساله. وفي حال الموافقة، يلتزم الكاتُب بإجراء التعديلات المقترحة. مدة العقد خمس سنوات. • torathbook@ehcl.ae : إلى الإيميل التالي PDF و Word تُُرس ََل الكتب بصيغتََـي • إعلان طباعة كتب

على أن الأغاني الشعبية تحظى بمكانة حميمة وتقدير لدى الشعوب؛ لأنها تعبرعن الذاكرة الجمعية، فهي جزء أساسي من تراث أي دولة؛ تشمل المشترك بين أغلب الناس؛ لهذا توصف بكلمة الشعبية أي تعبر عن عموم الشعب، عن دورة حياتهم من الميلاد، إلى التعلم، والعمل، والزواج، وانتهاء بالوفاة، كما ت ُُعبرعن أفكارهم وعواطفهم، وتسجل أهم الأحداث التي عبرت بهم فعبروا عنها بأشكال مختلفة، من شعر وأهازيج وحكايات وأمثال، أي إنّّها ميراث ثقافي وذاكرة حية نابضة بالحنين إلى الماضي، تتناقله الأجيال مشافهة، وتعيشه عن طريق الممارسة الحياتية والتنشئة الاجتماعية. إن الأغنية حتى توصف بالشعبية لابد أن تكون منتشرة، مجهولة المؤلف، يتناقلها الناس شفاهة على مدار عقود من الزمن، يترتب على هذا أن النص يصبح متغي ار حسب الراوي. وللأغاني أهداف تربوية واجتماعية وعاطفية، فهي تنمي في الطفل الحس الفني، لأن لحنها هو الموسيقى الأولى التي يسمعها، فإذا اقترن بأغاني الأم، بكلماتها المتوارثة عبرالأجيال، فإنها تنقل به عواطفها، ومشاعرها؛ لتؤثر في عواطف الطفل ودماغه، من خلال الغناء، ثم تصنع ذكرياته وتجاربه في هذه المرحلة، ومعظم الأطفال قد لا يتذكرون ذلك، لكنها تنطبع داخلهم، لتبقى مدى العمر، ومنها أغاني الطفولة المبكرة مثل أغاني النوم، والطعام، وأغاني الملاعبة والترقيص. للأمهات فضل كبير علينا جميعاًً، لكن مساهمات بعضهن مؤثرة، تمتد من بيتها إلى المجتمع

130 الأم وطن ولغة

Made with FlippingBook - Share PDF online