torath 295 - May - 2024

إبل الإمارات: ركيزة مستدامة للتراث والمجتمع

إرث متجدد واستدامة للمستقبل ... الإبل

مريم سلطان المزروعي خلق الله سبحانه وتعالى الإبل وأمرنا أن نُُمعن النظر إليها لنتفكر بعظيم قدرته الجليلة، قال تعالى: (أفلا ينظ ُُرُُون إلى ، وهذه دعوة من الله سبحانه وتعالى ) 1 ( الإْْبل كيف خُُلِِقََتْْ) للتأمل في خلق الإبل لما فيها من أسرار عجيبة، تنبئ عن عظمة الخالق - عز وجل - وفائق قدرته، ويذكرنا بمنافعها من ركب لظهورها وأكل للحومها والتدفئة بجلودها وأوبارها، ومن شرب لألبانها، والتداوي بما ينتج عنها من موادّّ، ولبن الإبل أعجوبة من الأعاجيب التي خص ّّها الله سبحانه وتعالى ، ولعل أجمل أبيات فيها عندما وصف الشاعر عايد ) 2 ( بها رغيان الشراري الذلول قائلاًً: يــــــــــــــــــــا راكبــــــــــا مــــــــــن فـــوق بنــــــــــت العمانـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي حول الربــــــــــــــــــــاع وتو ماشق ّّــــــــــــــــــــت النــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب فيهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا من العيــــرات وقــــــــــــــــــــــــــــــم الثمانـــــــــــــــــــــــي محفوظــــــــــــــــــــة التاريــــــــــــــــــــــــــــــخ ميلاد واضــــــــــــــــــــــــــــــراب

بنت القعـــــود اللي يفك القرانـــي مرباه شط النيـــل مرتع ومشراب نالت الإبل عند العرب مكانة مرموقة في نفوسهم، وكانت قوتهم تقاس بعدد الإبل وما يملكونه منها، وقد اربتطت الإبل بالصحراء التي علّّمت الإنسان كيف يعيش فيها بحكمة واستدامة، فكان البدوي يعيش مكافحا مع إبله، فهو يعتمد كليا لما تتميز به صبر وجلد وتحمّّلها وهي ا � عليها اعتماد تجوب الصحراء الجوع والعطش وبقدرتها وقوة حاستها للانجذاب نحو الماء، وتتبع أثره، فالناقة صديقة البدوي في السفر والحل والترحال، ورفيقته في مواسم الحج إلى الديار المقدسة، فأصبح بينهما انسجام وتناغم مع الطبيعة، كما وقد لعبت دوار اقتصاديا مهما في حياة البدوي لما لها من قيمة وفوائد متعددة الجوانب، وهي قديمة قدم التاريخ وهذا ما تم اكتشافه في حفريات أم النار أي إنها ع ُُرفت منذ ستة آلاف سنة. ووجدت في الإمارات سلالات عريقة من الإبل العربية الأصيلة، امتازت بجمال الشكل والمنظر والقدرة على الجري والرشاقة إضافة إلى تحم ّّلها للظروف البيئية، ومن أشهر هذه

السلالات: ظبيان، وصوغان، والوري، ومصيحان، وهملول، والأصيفر،.. وغيرها الكثير التي لا تزال موجودة إلى اليوم، وقد حظيت هذه السلالات الأصيلة بمكانة عظيمة اربتطت بميادين سباقات الهجن على مدارالعام، لذلك تم رصد البرامج لتحسين إكثارها واستدامتها وتطوير سلالتها، فالاستدامة في جوهرها لا تقتصرعلى جانب دون جانب آخر، بل تمتد لتشمل الحفاظ عليها بحكم أنها مجال استثماري واعد للمستقبل، لذلك أقُُيمت سباقات الهجن التي لها طعم ونكهة خاصة وخصوصية متفردة، وهذه السباقات يتم التنسيق والاستعداد لها قبل موعدها بفترة كبيرة تستغرق شهوارًً. وللذاكرة المروية حديث وشجون، يقول الوالد سلطان سعيد المزروعي: (أذكر أول سباق رسمي أقيم في الدولة كان في فترات الخمسينيات، وبعدها بدأت السباقات تتتابع مع استلام المغفور له - رحمه الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - مقاليد الحكم، وكانت الجوائز في الماضي بسيطة، لكنها اليوم أصبحت متنوعة تقدر بالملايين، وأصبح للناقة مكانة

وقيمة عالية، وتغيرت ميادين السباقات فهي اليوم مفخرة وعلى درجة عالية من النظافة والهندسة وشاشات العرض، ولا يمكن أن أنسى عندما كان يقول الشيخ زايد لنا: «اصبروا ولا تتركوا البوش، واحتفظوا بها وحافظوا عليها»، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حكمة هذا الرجل القائد). وللنساء رواية، تقول السيدة فاطمة علي بالركيز الهاملي، أول مالكة إبل في الإمارات وكذلك مروضة لها: «الإبل بالنسبة لي هي رمز تراثي إماراتي خالص، وأيقونة البيئة الصحراوية، فقد اربتطت بتاريخ هذه الأرض منذ القدم، حصلنا منها على الحليب الذي يغنينا عن الماء لفترات طويلة، ولحمها كنا نقتات منه، وهي وسيلة لنقلنا من مكان إلى آخر، وسباقات الهجن أقيمت مع الأعياد والأفراح والمناسبات، وعشقت الإبل منذ طفولتي فهي فزتُُ 2011 الصديقة المؤنسة والقريبة لقلبي، كما أنني عام في مزاد الوثبة وانتزعت المركز الأول وبجدارة، وبعدها فزت في سباقات مدينة زايد وسويحان من خلال بكرتي «الطيارة»، و«زعفرانة»، يقول الشاعر أحمد علي الكندي - رحمه الله -:

59

58

2024 مايو 295 / العدد

الإبل... إرث متجدد واستدامة للمستقبل

Made with FlippingBook - Share PDF online