torath 295 - May - 2024

إبل الإمارات: ركيزة مستدامة للتراث والمجتمع

قضى معه شط ار من عمره ما بين كروفر و(بلوسفر).. أجل يا نفسي.. شقاء السفر وداء الإبل أشياء تعكر مزاج العلاقة بين الطرفين.. ربما تذكرين كيف كان العرب يفردون البعير إذا ما أصيب بأمراض طفيلية من (القمل) المزيل للوبر بعد إرهاق الإبل بالحكة وشراسة السلوك، بل إن (الذباب) القارص يسبب إزعاجا للإبل، بالإضافة إلى امتصاصه الدم وهنا ينصح بعدم الرعي في المناطق الرطبة.. وأمراض الإبل كثيرة منها: (الجدري)، و(داء السعار)، و(الجمرة)، وداء آخرهو(البروسيلا)، ناهيك يا نفسي عن لدغات الحشرات. فكم يقلق رعاة الإبل توقف الناقة عن الطعام فجأة أو ظهور حبيبات على الشفتين وبين الأرجل الخلفية والرقبة والبطن.. التقيحات ليست سهلة.. المهم.. التدخل العلاجي لا يقل أهمية عن العمل الوقائي.. قالت نفسي: سمعت عن داء السعار الشبيه بداء الكلب، صحيح أنه قليل الحدوث لكن عضة الإبل المسعورة مرفقة بفيروسات تحتاج إلى تطعيمات... والبدو بخبرتهم يعرفون أن حالات من الحك والعض والخمول والاستلقاء الجانبي للناقة أو الجمل قد تزهق الأرواح في غضون أيّّام معدودات مع إمكانية استمرار بعض أمراض الإبل لسنوات بسبب ميكروبات تجهض أجنة وتلوث حليبًا ولحما وأدوات. قالت نفسي: تعني أن تربية الإبل ليست عشوائية.. قلت، نظار لهذه الهيئات المخيفة الناتجة عن أمراض الإبل.. كان لابد أن نجد في موروثنا الشعري أبياتًا تدل على ذلك: قال زهير بن أبي س ُُلمى: رأيت المنايا (خبط عشــــــــــــــــــواء) مــــن تـــــــــصب تمتـــــــــــــــــــــــــــه ومن تخطــــــــــــــــــــــــــــــــــــــئ يعمر فيهــــــــــــــــــــــــــــــــــــرم والعشواء هي الناقة التي تعمى لمرضها في الجدري فتشكل خط ار على البشر إذا كانت سائبة. أما شاعرنا طرفة بن العبد فقد شبه حالته في قومه بحال البعير الأجرب المدهون بالقطران لمنع العدوى خاصة إذا بلغ الجرب (السنام) يقول الشاعر: ِِإلى أن تحامتنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي العشيــــــــــــــــــــــــــــــــــــرة كلهــــــــــــــــــا وأفـــــــــــــــــــــــــــردت إفـــــــــــــــــــــــــــراد البعــــــــــــــــــير المعب ّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــد قالت نفسي.. ما أصعب أن يعيش ابن الصحراء في وحدة وضياع فتصبح حياته بلا معنى.. لكن لا يأس مع الحياة، أنت كناقد في الشعر قادر على توضيح هذا البيت الرائع الذي يتحدث عن عبورالصحراء بأعناق المطي، قلت: القول الجميل يسلط الضوء على حالة السفر للحج على متون الإبل بل لاستعادة حكاية خالد بن الوليد وهو يعبرالصحراء من العراق

إلى الشام فيقوم بنحر بعض الجمال لتكون لهم زادا في وعر المسالك.

قال الشاعر يصف المطايا والأشواق إلى الأهل: ولمــــــــــــــــــــــــــــــــــــا قضينـــــــــــــــــــــــــــا من منى كل حاجــــــــــــــــــة

ومـــــــــسح بالأركـــــــــــــــــــــــــــان مــــــــــــــــــن هــــــــــــــــــو ماســـــــــــــــــــــــــــح

أخذنــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بأطراف الأحـــــــــــــــــــــــــــاديث بيننــــــــــــــــــــــــــــــــا

وسالت بأعنـــــــــــــــــــــــــــاق المطـــــــــــــــــــــــــــي الأباطــــــــــــــــــــــــــــــــــــح ألاحظت يا نفسي هذه الاستعارة اللطيفة في سيل الكلمات والأباطح وأعناق المطي.. قالت نفسي: وما العجب فالإبل رمزية هوية خالدة. قلت: أراد الشاعر أن يبين حب المطي لبلادها فسارت القافلة مسرعة متلهفة في امتداد الأعناق بالأشواق هذه الصورة الشعرية استشهد بها (أسامة بن منقذ في كتابه البديع في نقد الشعر) حيث اللفظ أوسع من معناه في قول الشاعر (كثير عزة) في طريقه عودته إلى وادي القرى ليحط رحاله متناسيا وعثاء السفر. قالت نفسي: ولأيقونة الشعر النبطي في الإمارات الماجدي بن ظاهر قصائد ملحمية في توصيف الإبل في مشاهد مسرحية رائعة حيث يقول: حسيــــــــــــــــــن التهــــــــــــــــــادي بالاظعـــــــــــــــــــــــــــان شـــــــــــــادي والى سمـــــــــــــــــــــــــــع حادي تعـــــــــــــــــــــــــــدى المجيـــــــــــــــــــــــــــل مديـــــــــــــــــــــــــــح براســـــــــــــــــــــــــــه صلـــــــــــــــــــــــــــيل اليراســـــــــــــــــــــــــــه ولا فــــــــــــــــــــــــــــــي باســـــــــــــــــــــــــــه لمـــــــــــــــــــــــــــت الجديــــــــــــــــــــــــــــــــــــل وحـــــــــــــــــــــــــي الجـــــــــــــــــــــــــــمل والذي يــــــــــــــــــــــــــــــــــــا عليـــــــــــــــــــــــــــه ) 5 ( ولو كـــــــــــــــــــــــــــان مــــــــــــــــــــــــــــــــــــا نالنـــــــــــــــــــــــــــي منه نيــــــــــــــــــــل وللحكاية مضاميرها في التراث الإماراتي ثم يا نفسي قبل أن تفوتنا اربتاطات الجمل بالأساطير وولادة القوليات الخرافية، تذكرين يا نفسي خرافة (رأس الجمل) المقطوع ثم يبقى الجمل يركض ويضيف التراث الشعبي حطابا يسمع صوتًا يناديه من تحت السدرة وإذا به رأس جمل فحمله عائدا إلى بيته ليطلب الرأس أن يبقيه أهل البيت في الدار ليجدوا في فمه جوهرة، يطلب منه الرأس أخذها، ويسومها في السوق فإذا بها تشكل ثروة وتستمر الجواهر على الحطاب ليصير الحطاب ساكن سرايا، ليطلب الرأس من الحطاب أنه يريد عروسا هي بنت السلطان ويقدم مهرها جواهر مضاعفة، وكل ذلك من دون علم الأميرة ابنة السلطان هنا طلبت الأميرة رؤية العريس (رأس الجمل) ليتحول الرأس إلى شاب وسيم

فيقول لها أنا الأمير(حسن) وقد مسختني جنية إلى رأس جمل لأني رفضت الزواج منها.. فرحت الأميرة ليفاجأ الحطاب والأمير بالغاية والنهاية النبيلة وكان الخلاص من الخطر بسبب (رأس . قالت نفسي: القصة خيالية، قلت: ) 6 ( الجمل) ورمزيته العربية لِِم تستغربين، فالحكايات عن جمل عاشق أغرب ربما أسهم في صنعها ذلك الهديروكيس الخريطة الخارج من فمه، الجمل في موسم عشقه. وهناك خرافة الأميرشمس الدين مع الأميرة الشهباء.. والحديث يطول. أقول: صحيح أن مهر العروس كان معياره عدد الجمال، وصحيح أن قطارات أيّّام زمان كانت قوافل تجارية، وصحيح أن الجمال أحيانا كانت في مراع سائبة.. ليس لها حدود إلا وسم صاحبها.. لكن نحن اليوم نسينا قلق السير ليلا في البراري، فالمراعي مسيجة والزرائب مكيفة والتنافس في مهرجانات سباق الهجن ومزايين الإبل على قدم وساق وعشاق. لقد عادت الإبل إلى سياقها الاجتماعي ولا أحد منا يبالي بالمعتقدات المضحكة.. أجل يا نفسي: نحن في عصرنا كل شيء قابل لأن يكون نقطة صفر لمشروع اقتصادي، فلا شيء يفقد قيمته،

وهذا هو وعي ماهية الموروث الإنساني المستدام، فليت ما حملت رجلاك يا جمل مجرد أغنية، لقد تغيرّّنا لنقف على دكة حول مضامير.. هكذا تتضح الصورة من خلال كون الإبل قيمة مضافة لركائز التراث المستدام في مجتمع الإمارات العصري القائم على التلاحم والانسجام بين ما هو أصيل الهوية وما هو مستحدث في التنمية الثقافية والاجتماعية، نعني الربط والتأصيل والأيقونة لما هو في الجذور والفروع لتظل خيمة الوطن شاملة للجميع، وليبقى سنام الإبل ذخيرة في الوعي والرؤية والعمران في فهم محلي وإقليمي ودولي، حيث الجمل العربي أيقونة للتراث الإنساني في هجنه ومزايينه أديب وباحث فلسطيني الهوامش والمراجع: - للشاعر علي بن بخيت النعيمي - الجزء الثاني (المساجلات). 1 . 17 - سورة الغاشية الآية 2 . 4 - سورة التكوير الآية 3 - المعجم الوسيط (الفائدة اللغوية). 4 - ديوان ابن ظاهر (القصيدة اللامية). 5 - حكاية «ر‏أس الجمل» بتصرف من حكايات. عن التراث الإماراتي. 6

67

66

2024 مايو 295 / العدد

الإبل ركيزة مستدامة لفكرة وهوية

Made with FlippingBook - Share PDF online