torath 295 - May - 2024

إبل الإمارات: ركيزة مستدامة للتراث والمجتمع

دراسة تاريخية الإبل في الإمارات وأماكن أخرى:

الجمل أو على الأقل فإن الحفريات تشير إلى أن الجمل العربي سواء تم اصطياده أو استئناسه كان موجودا في هذه المواقع ويستخدم كمصدر للغذاء. والأكثر أهمية هي النتائج الأخرى التي تشير إلى وجود الجمال المستأنسة منذ نحو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد في المناطق الساحلية في جنوب شرق الجزيرة العربية لأغراض تتعلق بإنتاج الألبان. لقد د ُُجن الجمل العربي بعدما انقرض سلفه البري خلال الألفية الأولى قبل الميلاد، وتم استئناس الإبل بعد مرور خمسة آلاف عام على تدجين الثيران ومرور ألفي عام على تدجين الحمير. في بداية الألفية الثالثة قبل الميلاد دُُجنت الإبل في جنوب شرق الجزيرة العربية بشكل متزامن تقريبًا مع استئناس الإبل ذات السنامين في جنوب غرب آسيا الوسطى، وتمت عمليات

التدجين في بيئاتها الطبيعية. لقد دُُجنت الإبل للاستفادة من لحومها وجلودها وصوفها وألبانها علاوة على استخدامها في النقل وفي الحروب. ومع بداية الألفية الأولى قبل الميلاد أدى إدخال أنواع جديدة من السروج وتقنيات التهجين إلى تعزيز التفوق المتزايد للإبل كوسيلة نقل في جميع المناطق القاحلة في أفريقيا وأوراسيا واستخدمت الإبل بدلا من الجياد في سلاح الفرسان. لقد حدث التدجين في موائل الإبل الأصلية بين القبائل الرعوية على الحدود القاحلة للحضارات القديمة وفي المناطق الساحلية لشبه الجزيرة العربية وفي جنوب غرب آسيا الوسطى. كان تدجين الإبل مفضلا بسبب قدرات الجمال على الحياة في الصحاري. وعلى عكس الأنواع المستأنسة الأخرى من الحيوانات في المناطق القاحلة استفاد الإنسان من حليب

صديق جوهر كانت الإبل هي سفائن الصحراء التي ركبها أبناء قبيلة قريش في رحلة الشتاء إلى اليمن وبلاد ح ِِمي ََروفي رحلة الصيف إلى الشام. علاوة على الأهمية التجارية والاستراتيجية للإبل فقد عشقها العرب منذ فجر التاريخ ونظموا فيها الأشعار والقصائد. وقد ورد ذكر الإبل في القرآن بطرق مختلفة وفي سياقات متعددة: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)، و(حتى يلج الجمل في س ََم الخياط)، و(من الإبل اثنين)، و(آتينا ثمود الناقة مبصرة)، و(هذه ناقة الله لكم آية) و(ناقة الله وسقياها)، و(إنا مرسلو الناقة فتنة لهم)، و(نزداد كيل بعير)، و(لمن جاء به حِِمل بعير). وتاريخيا اهتم سكان الإمارات منذ الأزل بتربية الإبل لأن الجمل حيوان قوي وسهل الانقياد ويستطيع تحمل زمهرير الصحراء في الشتاء وقيظها في الصيف، ويمكن للجمل العربي السيرلأكثرمن مئة كيلومترفي اليوم دون شرب للماء وبطعام أقل مرتين من طعام الحصان. علاوة على ذلك يستطيع الجمل السفر بسهولة في الطرق الوعرة بسرعة تصل إلى أربعين كيلومتار في الساعة ويمكن ركوب الجمل وتحميله للبضائع في آن معا ًً.

غير أنها كانت أقل انتشا ار في منطقة الشرق الأدنى وكانت نادرة الوجود في الشرق الأوسط. لكن الإبل أصبحت معروفة قبل الميلاد كما يشهد على ذلك نص 1600 بالفعل نحو عام سومري من الفترة البابلية القديمة أشار إلى حليب الإبل. ومما لا ريب فيه أن الإبل أصبحت موجودة بكثافة في بداية الألفية الأولى قبل الميلاد وفقا للبحوث الأثرية والحفريات التي أثبتت وجود قطعان كبيرة منها، آنذاك، في تل أبرق في الإمارات. في السياق ذاته تشير الحفريات الأثرية التي تمت في منطقة أم النار في إمارة أبوظبي إلى وجود عظام مئتي جمل في هذه المنطقة ترجع للألفية الثالثة قبل الميلاد. وقد تم تعزيز هذا الاكتشاف من خلال تحليلات الحمض النووي للعينات المأخوذة من بقايا الإبل في العصورالقديمة وفي الوقت الراهن والتي تشير إلى تدجين الإبل بالقرب من الساحل الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية خلال الفترة نفسها. من ناحية أخرى تم العثور في موقع أثري في منطقة البحيص في إمارة الشارقة على عظام إبل عربية يعود تاريخها إلى ما بين خمسة آلاف وأربعة آلاف سنة قبل الميلاد. وتعتبر البقايا البيولوجية ًًا للإبل المكتشفة في طبقات الأرض في مواقع متعددة شاهد مباش ار على وجود الإبل في هذه المنطقة، ليس بسبب الصيد ولكن لأسباب تتعلق بالاستئناس والتدجين؛ لأن ما ع ُُثر عليه عبارة عن روث وحبال مصنوعة من صوف وجلود الإبل وما شابه ذلك، مما يدل على الاستخدام المنتظم لمنتجات جسم

وفق الدراسات الأثرية كانت الإبل المستأنسة منتشرة في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية خلال العصر البرونزي المتأخر،

75 2024 مايو 295 / العدد

74

الإبل في الإمارات وأماكن أخرى: دراسة تاريخية

Made with FlippingBook - Share PDF online