إبل الإمارات: ركيزة مستدامة للتراث والمجتمع
الآشورية إلى استخدام الجمال في الحروب قبل الميلاد بنحو ألف عام. وتُُبين الحفريات القديمة أن عددا كبي ار من العرب من راكبي الجمال كانوا يحاربون مع جيوش الملك الآشوري 190 (تغلث فلاسر) في القرن العاشر قبل الميلاد. وفي عام قبل الميلاد واجه الرومان في سوريا رماة سهام عربا يمتطون الجمال، وإبان العصور الوسطى كان راكبو الجمال المدرعة يشكلون القاعدة العسكرية الأساسية في جيوش الفتوحات الإسلامية. من ناحية أخرى ازدادت أهمية الإبل عندما أصبحت طرق مقارنة بالملاحة البحرية الأكثر ا � التجارة البرية آمنة نسبي خطورة، وار بتطت الإبل المستأنسة بظهور (طريق البخور) على طول الحافة الغربية للجزيرة العربية الذي يربط ساحل سبأ بمصر والدول المجاورة. كان (طريق البخور) مم ار تجاريا مهما ومعبار دوليا بين الشرق والغرب، امتد من بلاد اليمن جنوبا وأخذ مسارات في اتجاهات مختلفة، وقد نشأت على طوله مراكز تجارية مهمة كان لها الدور الكبير في انتعاش الحياة الاقتصادية في بلاد اليمن وفي مواطن القبائل العربية الواقعة على طرقاته. وكانت القوافل العابرة لطريق البخور محملة بالبخور والتوابل ومنتجات الشرق التي تصدّّر في النهاية إلى دول أوروبا أكاديمي وناقد ، خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية
الإبل وصوفها، كما استخدمها في تسيير القوافل مما عزز من أهمية الإبل بشكل تدريجي كوسيلة نقل ومواصلات، حيث وصلت إلى مراكز الحضارة خلال الألفية الثانية قبل الميلاد ثم انتشرت في جميع المناطق القاحلة في أفريقيا وأوراسيا. ومع بداية انتشار المسيحية منحت هذه العوامل لمربي الإبل من البدو احتكار وسائل النقل البرية الأفرو-أوراسية والسيطرة العسكرية على المناطق القاحلة والصحراوية بأكملها. وإذا كان الجمل ذا السنامين في المناطق الشمالية في آسيا، آنذاك، لا يزال يواجه منافسة الحصان في النواحي العسكرية فقد أصبح الجمل العربي في الجنوب هو سيد القوافل التجارية والحروب، مما زاد من قوة المجتمعات العربية منذ ذلك الحين حتى انتشار الإسلام وتأسيس دولة الخلافة الإسلامية. في هذا السياق بدأ “عصر الإبل” الذي استمر لبضعة قرون في بلدان شرق أوسطية شتى، حيث انتهى زمن العربات التي تجرها الدواب بعد ظهور الجمل (سفينة الصحراء) على الساحة، لأنه استخدم في القوافل وفي ساحات الوغى. في مطلع الألفية الأولى قبل الميلاد وقع اختراق حاسم في العلاقة بين الإنسان والجمل عندما أدى تصنيع سروج حديثة وتطوير طرق التهجين للأنواع الأقوى من الإبل إلى تعزيز أهمية الجمال على مستويات متعددة. مثلا أدت هذه التطورات إلى تفوق الجمل في نقل الأحمال على جميع أنواع النقل ذات الجر بالعجلات، خاصة في المناطق القاحلة المحرومة من البنية التحتية للطرق، مما أدى إلى نشر استخدام الجمل كوسيلة نقل أساسية في الشرق الأوسط بأكمله وفي الشبكات القارية من طرق القوافل. عسكريا فُُضلت الإبل على الجياد في سلاح الفرسان لقدرتها على السير في الرمال والسيطرة على مساحات شاسعة في
الصحراء. وعند مقارنتها بالخيول فإن الإبل أقل عدوانية، وقد استخدمت في الحروب منذ العصر البرونزي المتأخر بعد تطوير صناعة السروج التي أدت إلى زيادة قدرتها على المناورة في ميادين المعارك. عندئذ بدأت الجيوش تستخدم الإبل لحمل الرماة والرماح علاوة على حمل المؤن بدلا من الخيول والبغال لأنها أقل عصبية ولديها القدرة على العمل لفترة طويلة في المناطق القاحلة من دون ماء. في العصور اللاحقة تم استخدام الإبل على نطاق واسع في الحروب في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط، كما تشهد بذلك الروايات التاريخية والدلائل الأثرية. وفي سفر إشعياء بالكتاب المقدس وردت إشارات لاستخدام الإبل في الأعمال العسكرية، وتشيرالنقوش
77
76 الإبل في الإمارات وأماكن أخرى: دراسة تاريخية
2024 مايو 295 / العدد
Made with FlippingBook - Share PDF online