إبل الإمارات: ركيزة مستدامة للتراث والمجتمع
سرديات ومرويات تراثية وحكائية عن الإبل (الحيوان للجاحظ، وفقه اللغة للثعالبي، والمخصص لابن سيده، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء للراغب الأصبهاني، وعجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزويني)
حال الإبل، لا تكون الإبل هي المحور الرئيسي، إنما ذاك الذي رعاها وامتلكها واستفاد منها أو سخرها في خدمة حاجاته وتأملاته كذلك. كما لو أن الإبل بما تميزت به من أوصاف وهيئات، تقرّّبنا من حالات نفسية وعقلية ووجدانية وسواها لدى الإنسان نفسه، إنها حقل استقطاب لقيم ومشاعر، مثلما أنها شك ََّلت قنوات لتمرير مؤثرات اجتماعية وذوقية ونفسية ونقدية وحِِجاجية. ففي خانة «الإبل» نقرأ مثلاًً: تأويلها بمعنى السحاب، أو زعم قرابتها للجن أو هي الإبل الوحشية أما في خانة «البعير» فنقرأ، مثلاًً: تسميته بالأعلم، أو شبه النعامة به وذكر مخالفة دمه لدم سائر الحيوان وقبح سباحته وتغلب الذباب على جلده، وغرزالريش والخرق في سنامه كما ذكرأنه من مراكب الأنبياء. وفي خانة «الجمل» تحدث عن لين أرساغه وطول عنقه وشبه خطم الزرافة بخطمه، ولا يدع جملا ولا إنسانا يدنو من هجمته زمن الهيج، أما في باب «الناقة»، فنقرأ: علاقة الناقة بالوحشية
د محمد فاتح صالح زغل إن تلك المصن ََّفات التي خص ّّصت للحيوان في التاريخ العربي الإسلامي، أو أفردت أقساما وأبوابا له، ومن زوايا مختلفة، تمثّّل غواية بحثية لنا حول الإبل تضاعف من غواية التحرّّي في أصولها، في التعدد الأسمائي، أعني في الفصل والوصل بين الجمل والناقة، البعيروالأنعام، أعني كذلك الكم الهائل من الأسماء وتلك الألقاب التي تترجم ثراء في المواقع والأنساب بالذات، حيث إن لغتنا لما تزل تحتفظ بالكثير مما هو إ ِِبلي ٌٌّ.
بالزرافة، وسقب ناقة صالح، وكبرها بعد اللقاح، والعجب من خروج ولدها من بطنها، وخوفها من الغراب، ذخيرة من المعارف التي تكوّّن مجتمع الإبل والذين عايشوا الإبل. هـ» في كتابه الأثير (فقه اللغة وسر 429 ويأتي الثعالبي «ت العربية) حيث إن البحث عن الإبل وما يتفرع عنها من أسماء وصفات
هـ» 255 يعد (كتاب الحيوان) للجاحظ «ت أهم كتاب موسوعي ومعجمي بأجزائه السبعة متصدار الكتب التي أحاطت بالحيوان، وقد خصص للإبل بحثا وافيا عنها، والكتاب شيق باعتباره يقدم معلومات لم تعدم قيمتها حتى اللحظة، ويتوزع الحديث عن أي حيوان بين أجزاء الكتاب السبعة، سواء من خلال عناوين فرعية، أو ضمن عناوين أخرى تتعلق ببقية الحيوانات، وهذا يتطلب جهدا وصب ار وقدرة على الربط والانتظام للمعلومات. الجاحظ سعى، كما يبدو من خلال هذا الجهد البحثي الذي غطى سنوات طويلة من عمره، إلى أن يودعه خبرة حياة، حيث لا يعود الكتاب «كتاب الحيوان»، إنما ما يلقي الضوء على حياة الإنسان والطبيعة واختلاف الأذواق والشعوب والأمم بتعا لديناميكية أحداث عصره ومجتمعه، وفي
79 2024 مايو 295 / العدد
78 سرديات ومرويات تراثية وحكائية عن الإبل
Made with FlippingBook - Share PDF online