إضاءة
عين الباب السرية
بالكرم وحسن القبول وبغض النظر عن الحالة الاجتماعية أو الاقتصادية لأهل الدار وأصحاب هذا الباب المفتوح. أما الآن فإغلاق الباب يعني تحلل هذه القيمة الاجتماعية وهذه الوشيجة على الأقل في الظاهر بإغلاق الباب أولا والذي أصبح يغلق خوفا من عدم الأمان ربما وهي أحدى السمات التي أصبحت موجودة في مجتمعات لا تطمئن على أمانها في ظل وجود أغراب أو عدم تعاون وتعارف وتعاضد وفي ظل انعزال فرضته المدينة الحديثة وقيم السلوك والتوحد الذي بات يؤمن به الإنسان المعاصر بعد أن تخلى عن قيم القبيلة والجماعة والناس الطيبين. ولذا فتحوّّط هذا الإنسان بالعين السرية كي يكشف مََن في الخارج ولا يسمح له بالدخول لأنه من حزب غير مرغوب فيه أو لانعدام قيمة الترحاب والكرم وحسن الضيافة. العين السرية: أداة من أدوات الحداثة تتماشى وتتماهى مع هذه القيم المادية التي قدمت مع التكنولوجيا ومع الآخر الذي اقتحم حياتنا بموروثات لا تتسق وعاداتنا، وسلوكيات لا تتفق وقيمنا: قيم الشهامة وكرم الضيافة واستقبال الآخرين والغرباء، والأساس هو الترحاب بهم واستيعابهم والانشغال
نطاق سلوكيات الربح والخسارة في المادة وفي الوقت.. سأنظر منها إلى القادم وأسأل نفسي وفق قيم الاستهلاك والمادة ماذا سأستفيد من فتح الباب للطارق القادم (الزائر)؟ ربما سأضيع معه وقتي حتى لو كان غير ثمين. هذا القياس الفاسد لعلاقات البشرخرجت عن نطاق علاقات الروح والإنسانيات التي أولا تعمرالوجدان وتثري النفس وتؤكد على بشريتنا وعلى أننا بشر بيننا علاقات إنسانية وعلاقات نسب ودم ومصاهرة وجوار وأبناء عشيرة وحي ومدينة ووطن، بيننا مشتركات وبيننا خير يقاربنا من بعضنا، ومقاربات دينية ودنيوية وجماعية ووطنية وروح تجمع شتاتنا لتكون لحمة ودم وعشيرة ويد واحد متعاضدة في الملمات وفي الثوابت والشدائد، وفي ساعة الرخاء واللين والهدوء أيضاًً، أما «عين الباب السرية» فإنها حدث مضاد لوعينا الجمعي ولقيمنا الدينية والعربية والاجتماعية.. إنها أحد رموز الزمن الذي هطل علينا معولما بقيم تحاول طمسنا وقتل كل ما هو جميل فينا وكل ما هو دافئ في علاقتنا الإنسانية فيما بيننا. إنها بعض أفكاروافدة تشيطن الأشياء وتجعلها في خدمة سلوكيات وافدة تنظر بعين غير راضية للآخر فتفرزه في خانات مرغوب أو غير
شيء في الحياة عيون.. العيون أداة التواصل مع المحيط لكل وكاميرا للتعرف على تضاريس المكان وخريطته والدروب ومسارب الحركة ومن يدب في الحول والزمان حتى الباب المصمت الأصم أصبح له عين يرى بها عين يقال لها «عين سرية» تأمل في التسمية كي تكتشف فداحة ما وراء ذلك من عمق القيم والسلوك التي باتت محيطة بنا وحولنا.. بالتأكيد الباب أصم ولن يرى ولكنه بهذه العين سيوفر الرؤية رغم أنه مغلق للآخر صاحبه أو الذي يقبع خلفه أو يتخفى في حمايته.. عين سرية غير مكشوفة للآخر الطارق أو على الأقل غير عالم إن كان من في الداخل يرصده أم لا .. يتلصص عليه ويكشف هيئته ومعلومه دون أن يكون الباب مفتوحاًً، أي إن العين السرية تقوم نيابة عن الباب بالانفتاح على الآخرالقادم ورؤيته من قبل الداخل دون أن يقوم الباب بوظيفة الفتح والانفتاح والكشف وتسهيل الرؤية حين ينزلق على مفصلاته ويدور مسافة معلومة لتتم في هذه المساحة مطلق الرؤية.. ولكن العين المبثوثة في الباب تنوب عن وظيفة الباب وينكشف ستر القادم لأهل الداخل دون حدوث وظيفة للباب أو تحرك يكشف عن وجود الداخل أساسا في المكان خلف الباب أم لا.. أي إن وظيفة العين السرية تتحول إلى أداة تكشف عمن في الخارج وهويته دون وعيه بأن هناك أحدا بالداخل هذا أولاًً، وثانيا وهذا الأهم أن هذا المتخفي في الداخل سينكر نفسه عن الظهور والبروز ويمارس فضيلة التخفي وعدم الإعلام أو الإعلان عن وجوده لأنه لا يرغب في التواصل مع القادم وهذا عين الفداحة في القيم الجديدة أحياناًً. وإمعانا في الكشف تكون العين السرية أكثر وقاحة في الكشف حين تكون مزودة بكاميرا تفضح من في الخارج وتوضحه وضوحا كاملا وحركاته وسكناته من خلال شاشة تكشف أبعاد المكان الأوسع وتفضح مشاعر الخارج أكثر. إذا بهذه العين السرية وتلك الكاميرات الكاشفة يتحول الباب إلى فاضح لسلوكيات الإنسان المعاصر، الذي بدأت سلوكياته وقيمه وقيم الجماعة في التحول من قيم كانت تشجع التواصل والتعاضد وتثمن قيم الكرم والقبول والترحيب بأي قادم سواء كان من الأهل والمعارف أو من الأغراب.. فربما
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
كان القادم مرحبًا به ويقدم له كرم الضيافة والقبول ما دام وطأ المكان وقصد أهله سواء كانوا سكان خيمة أو دار كبيرة أو صغيرة أو حتى قصر منيف .. كان للقادم شرف الاستقبال وطقوس الضيافة وتقديم كل غال ورخيص لضيافته وفق أصول مرعية يحافظ عليها الجميع في ظل تقاليد حميمة تنمي هذه الشعيرة وتثمنها.. القيم التي أثرت فيها حضارة البلاستيك والاستهلاك وقيم المادة والنفعية بتدلت بعض الشيء نحو نكران ما كان واستبدال هذه السلوكيات وتلك القيم الحميدة بأخرى تعظ ّّم العزلة والوحدة والنفور من الضيف أو القادم، هذه العين السرية أو الكاميرا الفاضحة جعلتنا نقسم الناس إلى فئات أو في هذا السياق إلى فئتين إحداهما غير مرغوب فيها ولا في لقائها وأخرى مرغوب فيها ومرحب بها وسيتم فتح الباب لها رغم أنف الجميع سواء في نظر القيم التي تعني التواصل والكرم وحسن الضيافة وجميل الاستقبال أو في ظل القيم الجديدة. في الزمن القديم والجميل كان الباب يعبّّـر عن سلوك الناس وقيمهم وأحوالهم وينبئ عن أخبارهم، يدلك على محتواهم وكرمهم وقيمهم وما يملكون من قيم وسلوك كبيرهم وصغيرهم لأنها قيم جامعة فكان الباب لا يوصد ولا يغلق في وجه قريب أو غريب بل كان الباب المفتوح يمثل طاقة التواصل بسلاسة وانسجام بين الداخل والخارج، وكان الباب المفتوح على مصراعيه - أو حتى الموارب - دليلا على كرم أهل الدار أو الأهل القاطنين في هذه الدار، وأن القادم مرحب به، والباب المفتوح عنوان على تلك النية المستدامة
بهم، أما الحداثة وآلياتها فقد قدمت لنا قيما مادية تتوافق ومنطلق الربح والخسارة والقيمة وماذا عن الكسب النهائي. هذه البراجماتية وواقعية التطرق في التعامل بين البشر.. الإنسان والإنسان يجب أن يخرج من سباق هذه الحسابات الضيقة التي بتحث عن المادة وتغفل قيمة الروح والتعامل الإنساني والفائدة الإنسانية الكبيرة التي تتوافق ومتطلبات النفس والشعور بالذات، وتعلية قيمة الإنسان وقيمة السلوك العالي الرفيع المستوى الذي يجب أن يتحلى به الإنسان كي يتعامل به مع ذاته ونفسه والآخرين. أما عين الباب السرية فإنها تدخل في
مرغوب.. مطلوب أم غيرمطلوب.. وقيمنا الإنسانية والجماعية تؤمن بأن الجميع واحد وأهل الديرة وأهل الحي أو الفريج أو المدينة أو الوطن واحد. فلا باب يغلق في وجه أي من كان. الباب المفتوح كان علامة من علامات الأمان ودليلا قويا على أن الجميع يحب الجميع ولا غريب إلا الشيطان.. أما الآن فالأبواب التي كانت في عزيمتها الترحيب والتهليل للجميع حولتها الحداثة إلى الإغلاق في وجه الجميع وجعلت من العين السرية عين شريرة للفرز والإنكار والتخفي عن الآخر القادم بحسن نية ربما للمؤانسة ولإثراء الوقت بسعادة ولقاء وود ومحبة
83 2024 مايو 295 / العدد
82 عين الباب السرية
Made with FlippingBook - Share PDF online