torath 297 - July - 2024

مسرح

وكثرة الأنهاروالثمار، وعجيب الصناعة، وطيب الأشجار، ودقيق الحساب، وكثرة العدد)، ولدى الصين من: (اجتماعها وكثرة صناعات أيديها في آلة الحرب، وصناعة الحديد، وفروسيتها وهمتهما، وأن لها ملكا يجمعها). وما هو مستقبح لدى العرب كما يقول به كسرى: (لم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة، ومما يدل على مهانتها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة، وقد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها، أفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل، التي يعافها الكثير من السباع، لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها، وإن قرى أحدهم ضيفا عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم وتفتخربذلك رجالهم). وإذ تذهب نظرته لما هو جميل بالمادية ِ النعمان بن المنذر ملك الحيرة �ِّ أكثر من الروحية، نجد في رد على ما جاء به كسرى الفرس ما يناقض نظرته لما هو جميل، إذ فض ّّل أمة العرب على غيرها من الأمم بالشيء نفسه الذي عد ّّه كسرى قبيحا ومرذولاًً: (بعزها ومنعتها، وحسن وجوهها، وبأسها وسخائها، وحكمة ألسنتها، وشدة عقولها وأنفتها ووفائها. مجاورون لكسرى ولم يستطع احتلالهم، لم يطمع بهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء، وسلاح ُُهم السيوف وعدتهم الصبر). أما غيرها من الأمم إنما عزها الحجارة والطين، وجزائرالطين/ وأما حسن وجوههم وألوانهم فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.

أما أنسابها وأحسابها، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها كثيارًً، حتى أن أحدهم يُُسأل عما وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا فأباًً. ومن سخائهم إذا كان لأحدهم ناقة وحيدة وأتاه الزائر ليلا ًً، فيعقر له ناقته، ويرضى أن يخرج عن الدنيا كلها فيما يكسبه من حسن ما يتحدث به الناس عنه وطيب الذكر. ولهم في ألسنتهم حكمة، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس. خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد قََفْْر. متمس ّّكون بدينهم وشريعتهم، لهم أشهر حرم وبلد حرام، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثأره فيمنعه كرمه، ويمنعه دينه عن أذاه. إضافة إلى الوفاء بالعهد، وحسن الاستجارة في إغاثة الملهوف، وسوى ذلك من الصفات والخصال الحميدة التي تفتقرلها أي ََّة أمة أخرى). وفي هاتين الرؤيتين تناقض حاد في إبرازما هو جميل أو قبيح، ومن موقع الناظر، فإن ما هوجميل لدى كسرى قبيح لدى النعمان؛ أي لدى العرب، والعكس صحيح، والموضوع الخاضع للتقييم الجمالي (العرب وسواهم من الأمم) بين جميل وقبيح، لا يمكن ِمات المادية الطبيعية التي قال بها كسرى، إذ �ِّ بناؤُُه على الس ِ، مما يعني �ِّ ِ في التََّقييم الجمالي �ِّ لا يمكن إغفال البعد الرُُّوحي .ِ �ِّ ِس للفهم الجمالي �ِّ أن علاقة الإنسان بالموضوع هي الّّتي تؤس وتتفق رؤية كسرى لما هوجميل بالنفعية أوالفائدة التي قال بها سقراط، فالجميل لدى سقراط هو المفيد، فوجود ملك ودين وعمارة وصناعة يعود بالفائدة على المجتمع، وفي هذا قيمة

الجمالية التي يُُحد ِِّدها علم الجمال بـ القيم (الجميل، والجليل، والتراجيدي، والكوميدي، والمعذ ّّب، إضافة إلى القبيح)، لم تظهر جميعها في المسرحية؛ إنما هناك قيمتان جماليتان تنازعتا الحضور فيها: (الجميل والقبيح)

عليا تعني الخير، إضافة إلى اهتمامه بالجميل طبيعيا كالأنهار والأشجار ذات الثمار، بما يتفق مع رؤية تشيرنيشيفسكي من أن الجميل في الطبيعة هو الأهم. فيما تجنح رؤية النعمان بن المنذرلما هوجميل لأن تنسجم مع ما جاءت به الأفلاطونية التي حددت نظرتها للجميل بالروحية فقط، وبما ذهب إليه كانط من نفي الفائدة عن الجميل نفيا قاطعا أيضا ًً. فالجميل؛ عربيا ًً، تتحدد فائدته بالروحية أكثرمن أي فائدة أخرى، فالسخاء وإغاثة الملهوف، ومعرفة الأنساب والأصول، والهمة، والوفاء بالوعد، والتعايش مع القفار، جميع هذه الخصال لا يمكن تلمس النفعية فيها إلا من وجهة نظر أخلاقية وإنسانية بعامة، لذلك: الجميل عربيا أخلاقي ٌٌّ. أضف إلى تلك القيمة الأخلاقية، القيمة الجمالية التي تضطلع بها اللغة، فالمنذر؛ حين ابتدر وفدا من العرب للذهاب إلى ِ: (ومن يُُؤتى �ِّ كسرى اختار من العرب حكماءها، وفي النص كثيارًً)، وغاية المنذر أن الحكمة ا � الحكمة فقد أوتي خير المبنيّّة على اللغة التي تضطلع بخصائص بلاغية كان قد ذكرها المنذر سابقا ًً: (ولهم في ألسنتهم حكمة ٌٌ؛ فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحُُسنِِه وونزِِه وقوافِِيه، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس)، تؤسس لاستجابة جمالية غايتها الخير ُُ، بما يد أر عن أمة العرب

غضب كسرى ويجنبّّهم حربا ربما. لكن مقالة وفد العرب عند ملك الفرس، ابتداء بما قاله أكثم بن صيفي: (إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعاًً، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها، الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء. آفة الرأي الهوى، والعجزمفتاح الفقر، وخيرالأمورالصبر، وحسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة،... إلخ)، وما قاله حاجب بن وزارة التميمي: من أن (العرب أمة قد غلظت أكبادها، نحن وفودها إليك، وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة،...)، وما قاله الحارث بن عباد البكري: (من طال ثناؤه كثر متحه، ومن ذهب ماله قل منحه، نحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمة، وجيوشنا ضخمة، إن استنجدتنا فغير ربض، وإن استطرقتنا فغيرجهض، وإن طلبتنا فغيرغمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر، رماحنا طوال، وأعمارنا قصار، ... ). هذه المقالات تستند إلى القيمة الجمالية الأخلاقية التي يعيش بها العرب، والتي بموجبها يتحدد وجودهم، لكن هذه القيمة الرُُّوحية لا تنسجم مع تصو ُُّرات كسرى عما هو جميل في الوجود فقط؛ والذي يتحدََّد بالنفعية والطبيعية، فكانت استجابة كسرى

101

100

2024 يوليو 297 / العدد

القيم الجمالية في مسرحية (مجلس الحيرة)

Made with FlippingBook Digital Publishing Software