فنون
التشافي بالموسيقى عبر العصور
اهتمت الحضارات القديمة بالفنون عامة وبالموسيقا والرقص واحداًً، ونُُقشت كثير ا � والشعر والغناء خاصة وعدّّوها فن من النصوص التي تبين أهمية الفنون في المعابد والقصور والتوابيت، ونجدها كذلك محفوظة في أوراق البردي، واهتم ملوك الحضارات القديمة بفن الموسيقا وخُُصصت فرق موسيقية داخل القصور الملكية وعدّّت التربية الموسيقية علما أساسيا في المدارس والمعابد. وكما في عصرنا الذي نعيش فيه كان هناك بين الحضارات القديمة تبادل ثقافي وحركة انتقال للعلوم والفنون والتأثر بها والاستفادة منها، فانتقلت بالتمازج والتجارة والسفارات الدولية وأسهم هذا التبادل في إدخال آلات موسيقية لم تكن متداولة من قََبل لدى الحضارات القديمة مثل آلة «الهارب» الفرعونية التي اشتهرت في معظم حضارات جنوب أفريقيا، وآلة «الشاهرود» التي انتقلت من بلاد السند إلى بغداد وتطورت إلى أن أصبحت آلة القانون. آمنت الحضارات القديمة بفكرة خلود الروح وعودتها للجسد، فاستخدمت الفنون في مناجاة الأرواح، كما خصص الكهنة أناشيد وتراتيل تمجيدا لها. فاستخدمت الموسيقا في المعابد لمعالجة المرضى النفسيين فكان لها دور شفائي لدى الحضارات القديمة. وكانت الفرق الموسيقية تخضع لمراقبة كهنة المعابد حتى لا يجري استغلالها بطريقة تسيء لسمعة الملوك والشعوب. وتشترك الحضارات القديمة في رفض الموسيقا المستوردة التي لا تعبّّـر عن ثقافتها والتي
الموسيقية بحسب حالة المريض النفسية، وانتشرت كتب تشتمل على سير الفنانين وأخبارهم، مثل: كتاب الأغاني الكبير لأبي الفرج الأصفهاني، وأخبار عزة الميلاء، وكتاب أغاني معبد، وكتاب أخبار حنين الحيري، وكتاب أخبار طويس، وكتاب أخبار سعيد بن مسجح، وكتاب الرقص والزفن، وكتاب النغم والإيقاع، وكتاب قيان الحجاز،... إلخ. كذلك ازدهرت الفنون ًًا في الأندلس ازدها ار كبي ار ولاسيما في إشبيلية التي كانت مركز للفنون والثقافة، وبرز كثير من الملحنين والشعراء، واستعمل الأندلسيون آلتي العود والقانون (المستوردة من بغداد) اللتين تحتلان الصدارة بين جميع الآلات الموسيقية، وكانت إشبيلية مركاز لصناعة هذه الآلات. وجد الموسيقيون رعاية وحماية من الخلفاء، وأصبحوا ندماء لهم، كما أسسوا معاهد موسيقية وأهمها معهد إسحاق الموصلي الذي يُُعد من أهم المعاهد الفنية لتنمية المهارات وتدريب الكفاءات الفنية من تعليم الغناء والتلحين وتصميم الرقصات، وتخرّّج فنانون كثيرون من هذه المعاهد. وأنشأ زرياب أول معهد للموسيقى العربية في الأندلس عرف باسم «دار المدنيات» الذي اختص بالتربية الفنية، وكان له الأثر الكبير في تعزير التبادل الثقافي، ونشر ثقافة الفنون واستقبال البعثات الفنية. واستقبل المعهد طلابا من أنحاء الأندلس وخارجها من إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا،... إلخ، وأشهرها البعثة البريطانية التي كان على رأسها بنات الملوك وفيهن الأميرة دوبانت، ابنة أخ ملك إنجلترا جورج الثاني. ومن خريجي معهد زرياب، العالم عباس بن فرناس - صاحب أول محاولة طيران - والفنانة صبح البشكنجية وهي أم الخليفة هشام المؤيد بالله في قرطبة. وقد كان لتلك المعاهد صيت واسع في تحض ّّر الشعب والارتقاء بذائقته الفنية. بعد انهيار الخلافة الإسلامية في بغداد وقرطبة ظل العلاج بالموسيقا قائما في العديد من المدن ومنها: القاهرة ودمشق فكانت تملك العديد من المستشفيات التي تستخدم العلاج بالموسيقا، وفي العصر المملوكي، أنشأ المنصور سيف الدين قلاوون مستشفى في القاهرة اشتمل على قسم للمعالجة بالموسيقا لاستقبال المرضى النفسيين، وجرى توظيف فرق موسيقية علاجية تحت إشراف معالجين بالموسيقا. وفي دمشق
نورة صابر المزروعي أكاديمية من الإمارات
ع ُُرفت باسم «الموسيقا المبتذلة أو الفاسقة» وهي التي تعمل ًًا على تقاعس الشعب وتثير الغرائز. وقد أدّّت الموسيقا دور مهما في حفظ التراث الشفاهي وقوانين الحضارات وذلك بواسطة تلحين الكلمات بالموسيقا. نقل الإغريق الذين درسوا العلوم الروحانية والموسيقا والهندسة والفلك من الحضارة الفرعونية إلى الحضارة الإغريقية ونجدها في مؤلفات كل من أرسطو وأفلاطون وجالينوس وأبقراط وبطليموس، وتُُرجمت العلوم اليونانية في الحضارتين والعصرين العباسي والأندلسي المتزامنين، حيث برزت الكتابات والأبحاث في الجانب الفني. وذلك عندما أنشأ الخليفة المأمون «دار الحكمة». إن دراسة العلوم اليونانية كان له الأثر البالغ في تطور الأبحاث النظرية لعلم الموسيقا وتطورها في الحضارتين العباسية والأندلسية، وبدأ تدوين الموسيقا يأخذ مكانته في تلك الحقبة، إذ ج ُُمعت الأبحاث الموسيقية من مصادر يونانية، ومن أشهر الرسائل الموسيقية التي ترجمت: رسائل أرسطوكزينس وإقليدس وبطليموس ونيقوماخس ولروثموس، والتي استفاد علماء في مؤلفاتهم الموسيقية كمؤلفات ا � المسلمين منها لاحق الكندي الموسيقية، وكتاب الموسيقا الكبير للفارابي، والأدوار في الموسيقا للأرموي، وكتاب الشفاء لابن سينا، وكتاب الحاوي في الطب لأبي بكر الرازي. وأظهرت مؤلفات المسلمين ضرورة استخدام الموسيقا في المستشفيات من أجل التخفيف عن المرضى ولاسيما قسم العلاج النفسي، كما أسست فرق موسيقية بإشراف الكندي والرازي في بغداد من أجل مداواة المرضى على أنواع معينة من المقامات
شيّّد نور الدين زنكي مستشفى، استخدمت فيها الموسيقا وسيلة للعلاج في قسم الأمراض العقلية والنفسية. وذكر المستشرقون أن العرب كانوا روادا في مجال الطب والتشافي بالموسيقا كما ذكروا فعالية المعالجة بالموسيقا في المناطق التي يحكمها العرب والأتراك، ثم بعد ذلك تراجعت فكرة إدراج العلاج بالموسيقا في المستشفيات في المنطقة العربية وجرى استيرادها من أوروبا (حقبة الاستعمار)، وأدخلت فكرة التشافي بالموسيقا بالتحديد في زمن الحرب العالمية بغرض التخفيف عن المرضى كما أدرجت الدول الأوروبية تخصصا علميا يؤهل الخريج أن يكون معالجا موسيقيا ما يؤهله للعمل في القطاع الصحي بالمستشفيات. وفي وقتنا الحاضر تطالب الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية في أوروبا بتبنّّـي فكرة الفنون في المستشفيات بوصفها أداة علاجية إلى جانب الأدوية الطبية. وتؤكد الدراسات الأوروبية استجابة الكثيرين من مرضى التوحد، والزهايمر، وأمراض القلب، ومرض السرطان وأمراض للموسيقا. وأظهرت ا � وحركي ا � ونفسي ا � الجهاز التنفسي عقلي الدراسات أن للموسيقا تأثي ار فعالا على نفسية المرضى
105 2024 يوليو 297 / العدد
104 التشافي بالموسيقى عبر العصور
Made with FlippingBook Digital Publishing Software