torath 297 - July - 2024

تحديات حفظ حسابات الدرور مع التطور الحضري

أصالة بروح العصر «حساب الدرور»..

ٍ سواء. ولم يكن ثمة أكثر من مواقع النجوم �ٍّ والبحر على حد تعينهم في تحديد حركة الطقس ودخول الشتاء ومواسم العواصف، فابتكر أهالي المنطقة حسابات نظ ََّموها بطريقة معينة ووزََّعوها على أيام السنة لتساعدهم في مختلف مفاصل حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، سمّّوها «حسابات الدرور»، واعتمدوها مرجعا سنويا التصق بحياتهم، ما دامت الزراعة والصيد والإبحار والتنقل من مقومات عيشهم. واليوم، رغم قيام هيئات للأرصاد الجوية، ووجود الشبكة العنكبوتية التي يعرف من خلالها الناس أخبار الطقس والحسابات الفلكية والتوقيتات المختلفة، فإن خصوصيات بعض المجتمعات التي لها بيئاتها الطبيعية الخاصة بها ومواسمها المرتبطة بهذه البيئات، تفرض الحاجة للاستفادة من تلك المعرفة التقليدية التي نبعت من تراكم معرفي وإبداعي ثري وملاحظة للبيئة البحرية والبرية والنباتية لفترات زمنية طويلة، وأسهمت في التأقلم مع متطلبات الحياة في تلك الفترة من تاريخ المنطقة، وحافظت على أهمية دورها وعلى فعاليتها الناجعة في قراءة تقلبات المناخ والطقس، وظلت تتماشى مع الواقع اليومي حتى اليوم، لما تشكّّله من نظام دقيق مجرََّب مستلهم من المتابعات المدارية للفلك والأجرام السماوية. وفي الإمارات اليوم، لم يلغ التطور الحضري دور «حساب الدرور» في حياة

المعنيين به من أهل البر والبحر، ولم يقل ّّل من أهميته كتقويم تجذ ََّر في بناء الموروث الذي نهضت على روحه الإمارات تسابق العصرحداثة وإبداعا ًً، بل وجد هذا التقويم كل رعاية واهتمام، ًًا على المستويين الرسمي والأهلي؛ فمفرداته تيزّّن الأدب، نثر كان أم شع ارًً، وعلومه وتجربته المحلية المبتكرة شك ََّلت عناوين لعديد الدراسات والكتب، واستخداماته نُُقلت إلى تطبيقات عملية وعصرية يتم تحميلها على الأجهزة الذكية، وطرحها في جميع المتاجر الإلكترونية لتصل إلى الجيل الجديد، وتغدو من المراجع الرئيسية للتعريف بهذا الموروث الثقافي. الدرور.. ماهيتها وأهميتها وحساب الدرور، هذا الحساب الفلكي القديم والمتوارث في المنطقة، يعتمد على حساب أيام السنة في شكل عشري ) قسماًً، والقسم الواحد يتكون من عشرة 36 يقسمها إلى ( أيام يعرف بـ(بالدّّر) ويبدأ هذا الحساب بطلوع نجم سهيل عند 15 الفجر في منتصف شهر أغسطس من كل عام، أي في أغسطس. ففي «حساب الدرور» تقسم السنة إلى أربعة أقسام (المئة الأولى، والمئة الثانية، والمئة الثالثة، والمئة الرابعة)، بحيث يضم كل قسم مئة يوم، عدا المئة الرابعة فهي ستون يوماًً. وتُُقس ّّم كل مئة إلى عشرة أقسام، يتكون القسم الواحد

خالد صالح ملكاوي كما هي الحال عند العرب منذ القدم، وفي المجتمعات الخليجية التقليدية، استطاع أهل الإمارات ضبط الحساب الفلكي بطريقة محكمة، مكََّنتهم من معرفة شتى فصول السنة، والتحك ّّم في أوقات الغرس والحصاد والإبحارللصيد والتنقل والأسفار، معتمدين في ذلك على ظهور النجوم المتعاقبة على امتداد السنة، ومخضعين معرفتهم هذه إلى حساب فلكي دقيق لعب دوار مهما في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وغدا الدرور تقويما سنويا وجزءا لا يتجزأ من التراث الثقافي، يعكس الحكمة والمعرفة التقليدية التي تم تطويرها عبر الأجيال، وحافظ على ديمومته حتى اليوم محظيا باهتمام رسمي وعناية شعبية يستحضران أصالته بروح العصر. فمنذ سنين بعيدة، حين كانت مجاهيل الحياة تفوق بكثير معلومها، وكان الناس يعتمدون في سيرورة حياتهم على المعرفة العميقة بالأنماط الطبيعية والقدرة على التكيّّف معها، كان توقّّع حالة الطقس وفصول السنة ومواسم الزراعة والحصاد والصيد والرعي هو الهاجس الرئيسي لأهل البر

11

10

2024 يوليو 297 / العدد

«حساب الدرور».. أصالة بروح العصر

Made with FlippingBook Digital Publishing Software