torath 297 - July - 2024

ج ُُلََساء التراث

حكايات الع ََق ْْد ْْين.. بحثا عبرهذه القراءة، والفهم، وإدراك المعنى، وتشك ّّل المبنى، نتأمل كتاب «الرََّجل الذي حبل.. السلطة، الولادة وتأنيث الوجود من للأنثروبولوجي التونسي الدكتور ) 1 ( الحكايات الخرافية العربية» . ) 2 ( «محمد الجويلي» في هذا الكتاب تناول الدكتورمحمد الجويلي بالدراسة حكايات خرافية شعبية تتبّّعها خلال العشرين سنة الماضية من بيئات عربية متعددة، جاءت واضحة ومعلنة ومعب ّّرة في عشرروايات، ما جعل منها حكاية الع ََق ْْديْْن بحثاًً، وهي حكاية الأزمنة السالفة رواية أيضاًً. طريقة البحث هذه تميّّز بها محمد الجويلي، على غيره من باحثين ك ُُثْْر في هذا المجال، إضافة إلى إعطاء كتبه وأبحاثه بُُعْْدا قومياًً، وذلك حين صبْْغها بطابع عربي، ومنها تلك التي انطلق فيها من محليته التونسية، ولذلك حق له ولنا التميّّز متخصصاًً، بل هو موسوعي في هذا ا � عربي ا � بوصفه باحث المجال. في الروايات العشر التي جمعها الباحث حول موضوع «الرجل ، ) 4 ( ، و«المغرب» ) 3 ( الذي ح ََبل» من دول عدة عربية، هي: «تونس» ، ) 8 ( ، و«اليمن» ) 7 ( ، و«السعودية (روايتان)» ) 6 ( ،و«فلسطين» ) 5 ( و«مصر» ، حيث الجمع، في موضوع ) 10 ( ، و«الإمارات (روايتان) ) 9 ( و«ع ُُمان» شائك ومعقد، بين الجد والهزل، انطلاقا من حكاية واحدة بروايات متعدّّدة، حيث قام بتحليل هذه الحكايات الخرافية

خالد عمر بن ققة حياتُُنا قائمة على جملة من الحقائق التي تتداخل مع الخرافات، وهذه الأخيرة هي عبارة عن ميراث مشترك تتحكّّم فيه ِها المُُرََكََب، كما يذهب إلى ذلك علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في �ِّ الجغرافيا والتاريخ، وما ينتج عنهما من ثقافة في كُُل تفسيراتهم، لهذا وََج ََب البحث فيها من خلال تناول قضايا التراث. البحث في موضوع الحكايات الخرافية الشعبية - بعيدا عن الخوض المتبادل فيها بين العامّّة والخاص ّّة - يتطلب خلفيََّة معرفيّّة، ومرجعيّّة منهج ّيّة، وح يرّّة علمية، يكون الهدف منها معرفة عمق الخرافات، ومصادرها، وتنوعها، وتأثيرها في مواقفنا - الظاهرة والباطنة - في الحكم على الأشياء. وجاذبية البحث هنا - كما الحاجة إليه - تأتي من م ُُت ْْعة ظاهرة أو مستترة تلهو بها الأنفس دون أن تتخلى عن الب ُُعد العقلي أيضاًً، ليس لأن عملية البحث تؤسس عليه فقط، وإنما لكون الخرافات هي جملة من الأحاديث المتداولة بين الناس، بنسب متفاوتة، تُُوج ِِد نوعا من المؤانسة على ما فيها من غرائبيََّة أحياناًً. في بعض الحالات تتحول الحكايات الخرافية إلى ظاهرة ثقافية، قد تُُقد ّّم أو تُُرْْوى، زيادة أو نقصاناًً، بصيغ مختلفة في بيئات متقاربة، يظهر فيها التأثير الج ََم ْْعي على موضوعاتها وشخوصها، مع حفاظها في الغالب على الخصوصية المحلية، وهذه الأخيرة هي التي تميز بينها، وتدفع إلى الدراسة المقارنة، على النحو الذي سنراه لاحقا في هذا العرض. هناك حكايات خرافية شك ّّلت مصبّّا للبحث والاهتمام والدراسة، وقبلها كانت منبعا لعجائبية كونها جاءت مخالفة للمألوف، ولِِمََا تعوّّد عليه الناس، بل مناقضة للسنن الكونية، ومع ذلك فقد تم تداولها لأنها عبّّرت عن حاجات نفسية واجتماعية، كان الهدف منها في مرحلة أولى إنهاء مظالم متراكمة، وفي مرحلة ثانية بدت حالة من الانتقام لتلك المظالم، لم تكن على مستوى الحقائق والوقائع، وإنما كانت رجما بالغيب لمستقبل آت، وتصو اّّر وتخيّّلا يََح ْْم ِِلاََن نوعا من الرجاء أو التغيير المنتظر. تلك الحكايات الخرافيََّة، خاصة الشعبية منها، كما هي في الكتاب الذي بين أيدينا، تحمل العلامات الدالة من حيث القراءة البحثية، التي مك ّّنتها من أن تصبح نصا مكتوبا ًً، وقد قضت قبلها حينا من الدهرلم تكن شيئا مذكو ار ًً، وحين ظهرت في سياق الصراع الوجودي بين الرجل والمرأة، مالت ميلا عظيما نحو ترجيح مقصود لتغيير دور الزوجين الذكر والأنثى، وكانت لهذه الأخيرة أقرب. قراءة في كتاب «محمد الجويلي» «الَّرَُجُل الذي ح ََبََل».. تحقيق شهوة المعرفة عبر الخرافة

العربية في رواياتها المختلفة، وأضاف إلى ذلك على سبيل المقارنة تحليل حكايتين هزليََّتيْْن من جنس أدبي شعبي آخر . ) 12 ( و«ليبيا» ) 11 ( من «الجزائر» وبالعودة إلى الروايات من خلال الدراسة التي قدمها الجويلي، نجدها تتفق على أن رجلا قد حبل عوضا عن زوجته وولد بنتا بسبب أكله في غفلة منه لثمرة تخص ّّب النساء (تفاحة أو ترنجة أو بصيلات أو بيضة أو سمكة). وعلى خلفية ذلك يتعرض للتغييرات الفسيولوجية والنفسية التي تواجهها النساء أثناء الحمل، فيتوح ََّم ويشتهي المأكولات الطيبة، فتخفيه زوجته عن الناس مخافة الفضيحة، وعندما يحين موعد ولادته يخرج إلى الخلاء ويلد تحت شجرة بنتا يتركها لحالها فتحملها الطيور إلى أعشاشها وتربيها وتغذيها حتى تصبح فتاة بارعة الجمال، فيفتن بها ابن السلطان (أو الشيخ أو الملك) ويتزوجها.

113

112

2024 يوليو 297 / العدد

قراءة في كتاب «محمد الجويلي» «الَّرَُجُل الذي ح ََبََل».. تحقيق شهوة المعرفة عبر الخرافة

Made with FlippingBook Digital Publishing Software