torath 297 - July - 2024

إضاءة

الوباء المعلوماتي... جائحة الوعي

مرحلة مرعبة من القدرة على تزييف الحقائق بتزييف الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية بصورة متقنة يصعب على غيرالمتخصص إدراكها، وإدراك هذا التزييف وهنا تزداد مكامن خطورة الوباء المعلوماتي الذي قد يصيب السلم المجتمعي في مجتمع ما أو في العالم كله، وليس ببعيد حالات الانتحار التي حدثت خلال الفترة الماضية في بعض المجتمعات التي جاءت إما نتيجة ابتزاز بصور مزيفة وإما نتيجة مشاركة في تحديات خطيرة وإما رغبة في الانتشار وصنع ترند، فيلجأ الفرد إلى ارتكاب أفعال خطيرة قد تؤدي إلى موته وإصابة من يشاركون بها بأضرار جسيمة. والمتتبع الخبير العارف في التواصل الاجتماعي يرى كل يوم ازدياد خطورة انتشار الوباء المعلوماتي وقدرته على إحداث خلل في المنظومة الاجتماعية والأمنية في المجتمعات التي تتعرض للوباء بصورة عميقة ومتواترة. إن الحضارة الإنسانية تتعرض حاليا لتطور وباء أشد خطورة من جائحة الكورونا التي اجتاحت العالم قبل سنوات فنحن أمام وباء لا توقفه المضادات الحيوية واللقاحات المصنعة داخل المعامل، ولا يحبس داخل أنبوب اختبار يساعدنا على فهمه وإدراك المؤثرات التي تقضي عليه. نتعامل مع وباء فكري وثقافي لا مادي ينتشر في الوعي، وبوتيرة متسارعة في العقل الجمعي لأي مجتمع وما حدث في بعض المجتمعات العربية خلال العشرية الثانية من القرن الحالي من تحولات وتغيرات وما عرف بالربيع العربي، الذي لم يجن منه أي مجتمع منهم إلا المزيد من التدهور والتفكك والانزلاق أكثر إلى حافة الخطر. وحاليا تتعرض مجتمعاتنا إلى فيض من الأوبئة المعلوماتية تهدد السلم المجتمعي والاستقرار والسؤال هل سيتوقف الوباء؟ والإجابة الحاسمة (لا). المواجهة تبدأ أولا من بناء أجيال تمتلك عقلا نقديا واعيا لا تخشى طرح التساؤلات والبحث عن الإجابات لا تحكم عقولها مفاهيم (لا تجادل ولا تناقش) خلال مراحلها العمرية الأولى، فهذا هو التحصين الأولي والحقيقي ضد الوباء ثم التوعية بالوباء المعلوماتي حيث تُُعد أمار بالغ الأهمية في العصر الرقمي الحالي. إن فهم طبيعة هذا الوباء والتأثيرات المترتبة عليه ي ُُمك ّّن الأفراد والمجتمعات من تطويراستراتيجيات فعالة

شبكات التواصل الاجتماعي في التوغل في تفاصيل تستمر الحياة اليومية للمجتمعات البشرية دون استثناء ولا تمييز. في السنوات الأخيرة تمكّّنت وسائل التواصل الاجتماعي من 8.01 اختراق أكثر من نصف سكان العالم البالغ عددهم REPORT( ) 2023 مليار نسمة طبقا لتقرير (العالم الرقمي لعام )، الذي أشار we are social( ) الذي نشره موقع DIGITAL 2023 إلى تضاعف قاعدة مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي مليار مستخدم 1.7 ثلاث مرات تقريبا في العقد الماضي، من مليار مستخدم في 4.76 إلى العدد الذي تجاوز 2013 في عام ، وتبلغ النسبة الحالية للأشخاص الذين يستخدمون 2023 عام % من إجمالي سكان العالم. 60 وسائل التواصل الاجتماعي نحو مع هذه الأرقام نقف عند الأثر الكبير على عقلية البشر في كل مكان في العالم، وتعطينا رؤية متخوّّفة من قدرتها على تشكيل وعي زائف، يزيد معه نمو ما يعرف بالوباء المعلوماتي. ) هو مصطلح يستخدم لوصف infodemic( الوباء المعلوماتي الانتشار الواسع والسريع لكميات هائلة من المعلومات، سواء كانت دقيقة أم لا، حول موضوع معين. عادة ما يكون هذا الموضوع ذا أهمية كبيرة، ويثيرقلقا عاما ًً، مثل جائحة أو أزمة سياسية أو جدل اجتماعي. الوباء المعلوماتي يمكن أن يؤدي إلى تضليل الجمهور ونشر الشائعات والمعلومات المضللة، ما يجعل من الصعب على الناس العثورعلى مصادرموثوق بها، أو معلومات دقيقة لتكوين رؤية حقيقية وواقعية. رأس حربة الوباء المعلوماتي الأخبار الزائفة التي تُُنْْش ََر من أجل توجيه الوعي والرأي العام في اتجاه يتطابق مع أهداف خبيثة للمرو ّّجين لهذه الأخبار الزائفة، والتي يكون الهدف منها في الغالب هو توجيه الرأي العام ناحية توج ّّه ما، سواء كان هذا التوجه سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا ليخدم أهداف المروّّجين لها، ويذكرنا التاريخ بما استخدمته ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية من الدعاية الإعلامية بشكل فعّّال لتعزيز أجندتها، واستغلت ذلك لنشر الأيديولوجيا النازية، وخلق صورة مثالية عن النازية والتفوق العرقي، وكذلك تشويه سمعة الأطراف الأخرى، ونزع الإنسانية عن الباقين، واستُُخدمت الرسوم الكاريكاتيرية، والأفلام، والإذاعات وحتى

للتعامل مع المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة. يتضمن ذلك التعرف على الطرق التي يمكن من خلالها التحقق من صحة المعلومات، والتمييز بين الحقائق والآراء، وكذلك فهم كيف يمكن للمعلومات المضللة أن تؤثر في قراراتنا وآرائنا. الوعي بالوباء المعلوماتي يعتمد على التعليم والتثقيف المستمر حول كيفية استخدام وسائل الإعلام بشكل نقدي ومسؤول. يشمل ذلك تعزيز مهارات النقد الإعلامي في المؤسسات التعليمية والمجتمعية، وكذلك تطوير برامج توعية تهدف إلى رفع مستوى الفهم العام لمخاطر الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة. فضلا عن ذلك، من المهم تعزيز الشفافية والمساءلة في نشر الأخباروالمعلومات عبرمنصات التواصل الاجتماعي والإعلامية الأخرى. وذلك يشمل تطوير وتنفيذ سياسات وأدوات فعالة لكشف المحتوى المضلل ومحاربته. في نهاية الأمر، يجب على كل فرد تحمّّل مسؤولية التحقق من صحة المعلومات التي يتلقاها ويشاركها. هذه المسؤولية تشمل البحث عن مصادر موثوق بها، والتحقق من الحقائق، والتواصل بطريقة مسؤولة. من خلال هذه الجهود المشتركة، يمكننا التصدي للوباء المعلوماتي وتقليل تأثيره في مجتمعاتنا

شريف مصطفى محمد كاتب مصري

الألعاب الرياضية كأدوات لتعزيز الدعاية النازية وتحريض الرأي العام ضد الآخر وتحفيز الروح الوطنية العنصرية. هذا الاستغلال الشامل للإعلام أسهم في تعزيز سيطرة النازيين ودعم جهود الحرب، ونجح جوبلز وزير الدعاية الألماني خلال تلك الفترة في خلق تيارإعلامي قوي مؤثرفي الرأي العام، هذا كان قبل مئة عام تقريبا فما بالنا اليوم وذهنية كل فرد من المجتمع مخترقة بوسائل التواصل. خلال فترة جائحة كورونا انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي الكثير من المعلومات الزائفة حول الفيروس وكيفية التعامل معه والحماية من الإصابة فيه، وجزء كبير من هذه المعلومات كانت مجرد معلومات زائفة غير حقيقية، ولا تعتمد على أسس علمية، وكان له الأثر السلبي على صحة الكثيرين ونفسياتهم من رواد شبكات التواصل الاجتماعي. وفي السياق نفسه لا يمكن أن نغفل العديد من نظريات المؤامرة التي نشرتها شبكات التواصل الاجتماعي، مثل: نظرية المليار الذهبي، وتغيير المناخ المتعمد وغيرها من المعلومات الكاذبة والمضللة التي تؤثر بصورة مباشرة في السلم المجتمعي حول العالم. حتى على المستوى الفردي المتابع لشبكات التواصل الاجتماعي كثي ار ما يجد من يلجأ إلى طرح تساؤلات حول بعض القضايا الطبية والشخصية، ويستمع إلى مشاركات المتابعين، ويسير وراء آراء مشاهير السوشيال ميديا الذين يعتمدون على ثقافة الترند والانتشار دون علم، وهذا يؤثر في حياة الفرد الشخصية بصورة مباشرة، وقد يؤدي إلى كوارث تصيب حياته ونفسيته. مع تطورتقنيات الذكاء الاصطناعي وصلنا إلى

117 2024 يوليو 297 / العدد

116 الوباء المعلوماتي... جائحة الوعي

Made with FlippingBook Digital Publishing Software