torath 297 - July - 2024

سرد الذاكرة

جذوع النخيل والليف والخوص، توسطت أم محمد «ليوان» البيت وجلست ترقب عودة زوجها المشكوك في أمره، ولكنه تأخر، لكن طارشا تبعه جاءها بخبرصاعق فقد أسر إليها أن «بومحمد» في منزل «بوسالم» ويتم الآن عقد قرانه على شقيقته الأرملة التي توفي زوجها منذ عام. نزل الخبر كالصاعقة على السيدة الجميلة المعطاءة، لم تُُصدّّق ما قاله الرجل فأرسلت شقيقها ليتيقّّن فأكد لها الخبر الذي كسر قلبها، وراحت تستعيد ذكريات الأيام التي مضت مع زوجها، فكان هو وأولادها شغلها الشاغل، لم تلتفت إلى نفسها بقدر ما كانت تصرف وقتها من أجلهم. انتظرت السيدة «كاملة» في ليوان البيت حتى انتصف الليل تنتظر المعرس الجديد، ولما أن أطل بهيبته التي يعرفها الجميع، لم تهتم له، ولكنها ولأنها تدربت على استخدام السلاح البسيط فقد كان في بيتهم «تفق» تسمى «سكتون» خزان «الزانة» فيه قد تمت تعبئته بالرصاص، وهي تعرف كيف تستخدمه فما أن أقبل يلقي تحية المساء حتى بادرته بطلقة في رجله اليمنى، ثم قالت له «وين ما انكسرت ريلك أوقف» واطلع من البيت اللي ما حشمته، «رد البيت اللي ضاوي منه». دون أن ينبت ببنت ش ِِفه أو يُُبدي أي رد فعل على ما حدث، خرج الزوج من المنزل يرافقه ابنه البكرمحمد لتتم معالجته، وبقيت كاملة تنتصر لما بقي من كرامتها ولسان حالها يردد «الريال سيل والحرمه مْْغني» حتى رحلت عن الدنيا وفي قلبها غصة كبيرة، وبقي بو محمد متحسار على ما فعله بالسيدة التي حفظت بيته وماله وأبناءه، باكيا على ما فات من عمره الذهبي مع سيدة النساء الجميلات الحكيمات التي انقطعت علاقته بها منذ تلك اللحظة التي قالت فيها الرصاصة كلمتها باحثة وأديبة من الإمارات

الري ّّال سيل والحرمه م ْْغنى

والاهتمام بالزوج والمنزل كانوا يقولون «شي حريم وشي حرم رم، وشي كبيش في البيت يترم رم» بنات أم محمد كن كاملات كأمهن كاملة. ذات مساء انتظرت كاملة أبا محمد ليعود إلى المنزل في ًًا موعده لكنه تأخروليس من عادته أن يتأخرإلا إن كان مسافر في رحلة تجارة بين الدول المجاورة يعود منها بالرزق الوفير، والخير العميم، لكنه لم يخبرها بموعد سفر، ولأنها سيدة المكان ولديها عيونها التي من خلالها ترصد كل شيء، فقد سرى شك في نفسها بأن ثمة أمار يحدث من ورائها وهي لا تعلم به، فقد رأت ولمحت واستشعرت تحوّّلا غريبا في سلوك وتصرفات رفيق عمرها منذ شهرمر وعبرلكنها لم تحادثه فيه، وفي تلك الليلة استدعت حواسها الخاصة وراحت تبحث عمّّا وراء الغائب الذي «حج ّّته معاه» كما يقولون. في ذلك المنزل الكبير حيث «الحوش» الشاسع المساحات «اللي تركض فيه الخيل» والغرف التي تملأ أركانه، حيث تم تشييده من الأسمنت والجص وكانت أسقفه من الجندل الذي يجلب من خارج المنطقة واستخدم في بناء جدرانه وأسقفه

شيخة الجابري فاجأها المخاض لم تكُُن مُُهيأة لمثل تلك اللحظة، كانت تروح بعيدا تهرب عن كل ما كان يمكن أن يستفز الذاكرة أو يأخذها إلى أيام انطوت ومضت في سجل الوقت والذكريات العتيقة، نما إليها أن عليها اللحظة أن تستعيد لقطات ولحظات من سنوات خلت كانت هي فيها الفارسة النجلاء، السيدة المُُبجّلّة الجميلة، الراقية، الشفافة، المتواضعة مالكة الزمام، صاحبة أرق وأعذب الكلام، في بيتها ملكة لا تنافسها وصيفة أو حتى جارة أو صديقة. كانت «كاملة» وهذا اسمها كاملة في أخلاقها، ومحاسنها، وحضورها وبهائها، منزلها هو البيت الكبير الذي «يتعنّّى» إليه الناس، ويستظل بظلاله الوارف كل ضيف يعبر في تلك المنطقة الواقعة بين الساحل والبحر، ميزة جغرافية طبيعية لا تتوافر للعديد من المدن والمناطق في الخليج آنذاك، بيتها «ملفى» الضيف، ومكرم اللاّّفي، زوجها رجل له قيمته وهيبته فهو «بو محمد» التاجر الكبير الذي يشار إليه بالكريم، الشجاع، الوافي، والطموح لتحقيق الكثيرمما أراده أن يتحقق، يعمل في التجارة ويملك المزارع والضواحي. أبناؤه علمهم على الندّّية والتنافس، عمل في كل مهنة لم يأنف من مهنة بعينها حتى ذاع صيته كرجل كادح لا يؤمن بالمستحيلات. كاملة كانت معه في كل مرحلة سعى فيها إلى تحقيق أحلامه، كانت تختزل الأيام، وتحفظ ماله وحلاله حتى أصبحت لديه ثروة كبيرة، تستعيد في ذاكرتها دوما وصية أمها الصالحة «صالحة» «الريال سيل والحرمه م ْْغنى» كان أبو محمد يحمل لزوجته وأبنائه حبا وتقدي ارًً، ويفخر بها وبحكمتها وشجاعتها أبناء، 3 وفلسفتها حتى في مجالس الرجال، أنجب منها وابنتين، كل واحد منهم أصبح له شأن ومكانة، وعمل يخصه ونجح فيه فقد صقل والدهم شخصياتهم وعلّّمهم الكثير مما لم يتسن له في ركضه نحو الحياة والرزق فعوّّض حرمانه في تعليم أبنائه، أما البنات فقد ذهبت كل واحدة منهن إلى منزل الزوجية فالنساء في الزمن القديم يعملن في تنشئة الأبناء

119

118

2024 يوليو 297 / العدد

الريّّال سيل والحرمه م ْْغنى

Made with FlippingBook Digital Publishing Software