حوار خاص
توظيف الحكايات التاريخية في الشعر الإماراتي المعاصر، ولا شك أن استيعاب الشعراء المعاصرين للتراث بأشكاله وصوره ومصادره، وتوظيفه في النص الشعري، أصبح سمة بارزة من سمات الشعرالعربي المعاصر، وقد عمل التوظيف على إكساب النص الشعري البُُعد التاريخي والحضاري والفني المعاصر، حيث أفاد الشاعر المعاصر من أصوات تلك الحكايات لما لها من أثر في ذهن المتلقي العربي عامة والإماراتي خاصة، وبهذا كان توظيفها أنموذجا متكامل الأبعاد التاريخية والإنسانية والإبداعية، فضلا عن كونها نماذج مك ّّنت الشاعرمن الانفلات من حدود الزمن والتجربة الشعرية. وأسهمت ظاهرة توظيف الحكايات التاريخية في تشكيل رؤيا الشاعر اتجاه قضايا عصره، وحددت مواقفه التي تنم عن وعيه بموروثه الإنساني الزاخر بمصادره المنوعة. حيث يعيد الشاعر صياغة الحكاية التاريخية بما يتناسب مع منظوره المعاصر، وتوظيف إنتاجها من زاوية جديدة، حين دخل الشاعر الإماراتي المعاصر في مضامين جديدة، محاولا التعبير عن صوته الخاص، وفكره المعبر عن رؤاه وفلسفته، ومن هنا ضرب في عمق التاريخ والموروث الحضاري العربي، يستمد منه أقنعة ودلالات تعين على انحرافات شعرية وفنية وفكرية، من خلال توظيف الحكايات التاريخية بأبعادها المحلية والعربية والإنسانية. ويعد التاريخ سجلا حافلا بالحوداث والشخصيات والأحداث التاريخية عبرحقب زمنية ممتدة، فلا عجب أن يستثمرالشاعر التاريخ السردي التراثي في مواجهة الواقع المعاصر، ولذلك سعى إلى توظيف الحكايات التاريخية بما يتوافق مع همومه وقضاياه، من أجل ربط تجربته بتجربة إنسانية سابقة، ومنحها دلالات معاصرة. ماذا تقصدين بشعراء الرابطة القلمية؟ وما الغاية من تأليف هذا الكتاب؟ في واقع الأمر كان هذا الكتاب بحثا ضمن برنامج الماجستير في اللغة العربية وتمت فيه دراسة أثر الزمان والمكان على شعراء الرابطة القلمية، فقد شكّّل الزمان والمكان منذ القدم ركيزة إنسانية، فلا وجود للبشرية إلا في نطاق مكاني وحدود زمانية. وقد بدأ اهتمام الدراسات النقدية الحديثة بدراسة دلالة المكان بوصفه عاملا فنيا وكيانا جماليا وذلك بتأثير من المناهج النقدية الغربية وظهور مفهوم شعرية المكان وتفاعل الشاعر مع الحدث ألفة لهذا المكان أو نفو ار منه. وتناول هذا الكتاب دراسة المكان وعلاقته بالزمن عند شعراء الرابطة
– 1920 القلمية الذين هاجروا في الفترة ما بين الأعوام ( ) في الثلث الأول من القرن العشرين، حيث نزحت 1931 جماعات من أبناء لبنان وسوريا واستقرت في أمريكا الشمالية، وكوّّنوا جماعة شعرية وأدبية سمّّيت الرابطة القلمية تتكون من الشعراء (جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبوماضي، ورشيد أيوب، ونسيب عريضة، وندرة حداد) والتي هدفت إلى تعزيزالكتابة باللغة العربية في بلاد المهجروالحفاظ على الانتماء العربي والتعبير عن هموم الشعراء في الغربة. بعض هؤلاء الشعراء نالوا شهرة واسعة في الوطن العربي وبعضهم لم يسمع به إلا قلة من الناس، ومنهم من قد ّّم نتاجا شعريا واسعا وبعضهم الآخركان مقلا في شعره، لكنهم اجتمعوا بعد تأسيس هذه الرابطة على سمات متشابهة في شعرهم كان أهمها تأثير المكان والزمان على شعرهم، وقد شك ّّل المكان عندهم بتغيراته وأنماطه هاجسا نفسيا وفلسفياًً. ولا نغالي إذا قلنا إن جل شعرهم كان مكانيا وزمانياًً، حيث مثل الوطن الذي تركوه عنص ار جماليا وفلسفيا فارتبطت الغربة المكانية بغربة زمانية ونفسية، ما دفعهم إلى البحث عن أماكن خيالية ورموز أسطورية. كما أظهر هذا الكتاب دور المكان والزمان وتأثيرهما في شعرشعراء الرابطة القلمية ودلالتهما الجمالية والفنية في محاولة إضافة معان جديدة للمكان وأنماطه ودلالته في الشعر العربي الحديث. ح ّدّثينا عن واقع إبداعات الشاعرة الإماراتية المعاصرة؟ أعادت الشاعرة الإماراتية المعاصرة شحن تراثها الثقافي برؤى حديثة بحسب تجاربها وفلسفاتها واتجاهاتها، فتحوّّل التراث لديها إلى أداة من أدوات التعبير الشعري عن القضايا المعاصرة، مما يكشف عن إدراك ناضج للمعنى الإنساني والقيمة الكلية للعنصر التراثي، حيث اتسمت تجارب الشاعرات الإماراتيات بالثقافة الواسعة والاطلاع على تراث الإمارات وتاريخها، مع معرفة تاريخية ودينية وثقافية. وقد حفل النتاج الشعري للشاعرات الإماراتيات بظاهرة توظيف التراث بمعطياته وعناصره كلها توظيفا فنيا مع معرفة بالحوادث والقصص الدينية والأدبية والشعبية، مما ألقى بظلاله على ثقافة الشاعرة المعاصرة، فولّّد نتاجا تفاعليا مع الماضي وتراثه الثقافي، وأسهم في إثراء التجربة الشعرية المعاصرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكشف عن أجواء جمالية جديدة، كما شكّّل توظيف التراث عند الشاعرة الإماراتية علامة بارزة في التجربة الشعرية الإماراتية المعاصرة، وأظهرقد ار كبي ار من
الثقافة والانفتاح على الثقافات الإنسانية دون تمييز. ما الذي دفعك إلى الاهتمام برحلة المقيظ في التراث الثقافي في دولة الإمارات؟ أكثر ما دفعني إلى تأليف هذا الكتاب كان والدتي - حفظها الله - فقد كانت تحدّّثني كثي ار عن رحلات كانوا يقومون بها خلال فصل الصيف إلى مناطق في الساحل الشرقي، حيث يملكون مزارع للنخيل وتصف لي بعض ذكرياتها هناك، وأنا استمتع معها وكأني أرى وأسمع همس أشجار النخيل وصوت رجل اليازرة (تستخدم لاستخراج الماء من البئر) وهو يغني، وبعد أن حصلت على دبلوم إدارة التراث الثقافي جمعت ما تحصل لي من معلومات ومقابلات لكبارالسن وبدأت في كتابة هذا الكتاب بدعم وتشجيع من معهد الشارقة للتراث. كما أن رحلة المقيظ بما تحمله من ذكريات ومعان ودلالات أثرت في التراث الثقافي الإماراتي ولم تحظ بدراسات متخصصة فيها، بل كانت رحلة الغوص أكثر حظا منها، حتى قال لي أحد الباحثين في مجال التراث وكنا في فعالية توقيع الكتاب في أيام الشارقة التراثية: ( كنت أنوي الكتابة حول المقيظ ولكنك سبقتني إليه). هل روايات كبارالسن كافية للإحاطة بطقوس رحلة المقيظ؟ كانت الروايات الشفوية الأساس الأول الذي اعتمدت عليه، لكنه حاليا ليس كافيا إلا إذا كان موضوع البحث لم يتطرق له أحد من قبل، لكن لابد من الرجوع إلى مصادر المعلومات المكتوبة والمنشورة العلمية منها والموثقة والرواية الشفاهية التي لها اشتراطات ومعايير يعرفها جميع الباحثين. بالنسبة إلى كتاب المقيظ وجدت جانبا من المعلومات حول هذه الرحلة، في كتب ومراجع خاصة التاريخية والجغرافية لأننا نتحدث عن مواقع جغرافية كان الناس في الإمارات قديما يرتحلون إليها هربا من شدة الحرارة والرطوبة على الساحل، إضافة إلى المعلومات التي كانت تتكشف لي من خلال القصائد الشعرية النبطية والأمثال والأهازيج الشعبية التي كان الناس يتغنون بها قبل فترة المقيظ وخلالها وبعدها، حتى الروابط الاجتماعية التي جمعت بين أهل الساحل وأهل المزارع والجبال في المناطق الشرقية من الدولة. هل استحضارالأدب والشعرضروري في رحلات المقيظ؟ عبّّرت رحلة المقيظ عن جوانب كثيرة في التراث الثقافي غير المادي في الإمارات، فلم تكن مجرد انتقال من مكان حاررطب إلى أماكن مفتوحة فيها الهواء العليل وظلال الأشجارفقط إنما
هي علاقات وتواصل وطقوس تتكرر كل عام، كانت رحلة عبر الصحراء تتهادى فيها قوافل الإبل تحمل معها إرثا اجتماعيا وثقافيا وحضاريا ثريا في دولة الإمارات العربية المتحدة، لذا زخرت هذه الرحلات بدلالات عدة جمعت أهل الإمارات من جميع المناطق فكان التواصل والترابط بين أكثر البيئات الجغرافية في الدولة. وفي الكتاب فصل ركّّز على المظاهر الثقافية في رحلة المقيظ حيث الأغاني والأهازيج التي يرددها الناس خلال وجودهم تحت ظلال النخيل ويخاطبون القمر بالشعر، وعرفوا الكثير من المعارف التي تعلموها من رحلة المقيظ مثل الاتجاهات لأهل الصحراء وأماكن توفر الماء والطب الشعبي وأسماء الرياح وأنواعها. وخلال الرحلة التي قد أيام يغني الكري وهوصاحب الإبل بصوت 7-6 تطول أحيانا إلى عذب شجي لتتحول الرحلة إلى متعة من خلال الأغاني والحداء يقول (الأول بروك وثارن يوم روحن يتبارن). ويستعرض أهالي مناطق المقيظ فنونهم الشعبية فيستمتع الحض ّّار باللحن الجميل الذي يغني بها صاحب اليازرة وهو يستخرج الماء، كذلك الأمثال والحكم فيقال (بنحضر دبا وبنشوف مقيظها). ولعب الشعر دو ار مهما في رحلة المقيظ، حيث صورها ورسم شخوصها ومراحلها وما كان يدور فيها، فقد حضر الشاعر
المقيظ وترنم فيه، ومن الموروث الشعبي: هـــــــــــــــــــــود يـــــــــــــــــــــــــــــــــــا اهــــــــــــــــــــــــــــل البـــــــــــــــــــــاب لمبـــــــــــــــوب
يـــــــوم تـــــــــــــــــــــــــــــــــــم الوعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد جيناكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم
يــــــــــــــــــــــــــــروا ارشاكـــــــــــــــــــــم علــــــــــــــــــــــــــــى امهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذب
واسقـــــــــــــــــــــــــــــــــــوا العطشــــــــــــــــان مـــــــــــــــــــــن ماكـــــــــــــــــــــم كاتب وقاص مغربي
129
128
2024 يوليو 297 / العدد
الشاعرة الإماراتية المعاصرة الدكتورة موزة المنصوري أعادت تراثها
Made with FlippingBook Digital Publishing Software