إضاءة
أبواب الحياة
لكل شيء منظور في الحياة باب، هكذا هي سنة التأسيس والعمران في الحياة، على الصعيد المادي كل كتلة معمارية أو هندسية أو بناء مهما كان صغي ار لا بد وأن يكون له باب، حيث الباب يتيح الفرصة للتعامل مع هذه الكتلة الهندسية المعمارية لأن هذا المبنى قصد منه الاستفادة وله غرض يؤديه بُُني وتأسس من أجله، ولذلك كان الباب أساسا رئيسيا ومعلما هندسيا وبنائيا وماديا ومعنويا من ضرورات وجود البناء في يقينه المعماري والاستخدامي. الباب إذا أداة سيطرة وأداة للتعامل وأداة ذات منفعة في استخدام المبنى واستنفاذ الغرض الذي بُُني من أجله، بغض النظر عن الوظائف التقليدية للباب، إنه أداة تواصل بين الخارج والداخل.. ولكنه مع المنظور الأعظم هو أداة هندسية لتصميم المبنى الذي ستتوافق استخداماته من حيث اليسر والسهولة وبما يتفق مع أصول البناء حيث الطقس والجهات الأربع الشرق والغرب والشمال والجنوب وبلغة أخرى بحري وقبلي وشرق وغرب لتحديد الاستفادة من آليات دوران الشمس وشروقها وغروبها وجهة مرور الهواء حتى يمكن تحديد واجهة المبنى التي هي - أساسا - تتضمن الواجهة والمدخل أي الباب الرئيسي.. من هنا برزت أهمية الباب في تخطيط البناء وفي اتجاهاته والفوائد المتاحة من طبيعة طبوغرافيا وجغرافية الأرض ومحددات الاتجاهات الأصلية الأربع حيث سيشكل الباب مع الواجهة بهاء وحضوارًً. هذا المبنى في كتلته السكنية والجغرافية. إذا من حيوية الباب أنه يحدد أساسيات وآليات المبنى الذي هو جزء منه ويتم الاتساق والتوافق في الشروط الفنية والهندسية بين الجزء والكل مما يسهم في تحقيق الغرض وبالشروط المكملة لبهاء المعمار وفنياته الهندسية والجمالية. لكن هل فكرت أن هناك أبوابا أخرى.. كل شيء في الحياة له باب: السيارة.. الثلاجة.. الغسالة.. كاسيت الراديو.. إلى آخر الأدوات التي لا نهاية لها ويستخدمها الإنسان وبالتالي فإن هذه الأبواب تحقق فائدة وغرضا مهما لتيسير استخدام هذه الآلة أو تلك..! لكن ماذا عن الأبواب المعنوية التي تحاصرحياتنا وحركتنا في الحياة كي نستقيم أخلاقيا ودينيا وعقائديا وسلوكياًً..، ماذا عن
لها بأمر ربها أيضاًً، وعند التأمل سنجد أن هذه المساحات الشاسعة المتسعة لها أسباب وفوائد تشكل أحد أهم عناصر وجودنا على البسيطة. هي جزء من دورة المياه والمطروصعود الماء إلى أعماق الفضاء وعودته إلى باطن الأرض حاملا الخيرات، كما أنه عنصر لتوازن البيئة واعتدال الحرارة على الأرض كي تتهيأ لنا كي نعمرها ونسكنها وفق مشيئة الخالق... هذه الأبواب انتقلت إلى الماء لتشكل نقطا تحكم أيضاًً، وربط بين هذه الأمواء المتمثلة في محيطات وبحار - منها على سبيل المثال - بمضيق بين البحرين عند التقائهما هو باب المندب الذي عنده يتصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر ليشكل بابا لهذا البحر العظيم. أما مضيق هرمز الذي يقع في منطقة الخليج العربي فاصلا بين مياه الخليج العربي ومياه خليج ع ُُمان وبحر العرب والمحيط الهندي وكأنه يشك ّّل بابا للخليج العربي، وهناك على البحر نفسه مضايق شرم الشيخ وتيران وصنافير المصرية لتشكل بابا لجزء مهم لفرع البحر الأحمر الشرقي المطل على سيناء المصرية. وهناك مثال آخر هو مضيق طارق بن زياد الذي يشكل بابا للبحر الأبيض من جهتيه ومضيق صقلية وهناك عشرات المضايق على خريطة ماء الكون تشكل أبوابا وكأنها لتحكم النظرة وانبساط الماء في شساعته وجريانه في عموم الكرة الأرضية التي شاء لها الله أن تكون بهذا التقسيم الإلهي في ضرورة وجودها وفق نواميس وقوانين خلقها الله كي تسير في أقانيمها.. وعلينا التأمل لهذه الأبواب المفترضة لنعيد التأمل في روعة وشساعة الماء، مثل: مضيق البوسفور والدردنيل التركي الذي يفصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة ويشكل بابا عظيما يربط بين قارتي آسيا وأوروبا. هذه أمثلة لأنواع من أبواب مائية لتبدو أهميتها الجغرافية والمائية على خريطة الكون العظيم. اللافت للانتباه أن هذه الأبواب المائية هي أدوات سيطرة أيضاًً، وأبواب يمكن أن تغلق وتعطي لمالكها أفضلية وتعطيه عبقرية المكان.. مثلها مثل أبوابنا الخشبية. إذا تأملنا سنكتشف أن لكل شيء في الحياة بابا لحكمة السيطرة والإحكام وإمعان النظر في قدرة الخالق سبحانه وتعالى على هندسة هذا الكون
التخلص من حياته والخروج والكفر على الشريعة وعلى سبب وجوده.. ولكن لو لجأ للدخول إلى باب الرجاء وباب الأمل وتفكر في المردود الإيجابي لمعنى التشبث بقدرة الله مباشرة من خلال أبواب الخير والتأمل. هذه الأبواب هي معنوية غير مرئية وغيرملموسة ولكنها موجودة وقريبة من كل إنسان يعمل بروح إيجابية وبتفكير قويم متفق مع النهج القويم ومخزون الإيمان في قلبه ومتحصنا بالسلوك الجمعي وموروث الأمة السليم العقدي والقيمي لاجتياز سلبيات ما تراكم لديه من خلال باب الرجاء وباب التوسل بالله والأمل وعودته إلى آليات الحياة واجتياز عتبة الآلام ووحشة ما لديه من أفكار سوداء لا تتسق وما يجب في ظل آليات الحياة التي وفرها الله للبشرية. الأبواب تتعدد وتتخذ أشكالا وألوانا وأنواعا حسب الطقس الاجتماعي والحس الجمعي الذي يحض على ارتياد أبوابٍٍ، ًًا والامتناع عن دخول أخرى لأن في الأولى صلاحا وقيما ورشاد وفي الأخرى ضياعا وبُُعدا عن الموروث وربما الدين والعقيدة. هل سمعت عن العتبات.. حتى الأبواب المعنوية لها عتبات، ولذلك فإن القيم الشعبية والموروثة تحذرنا من الاقتراب من عتبات أبواب بعينها كأبواب الشر والحقد والكراهية وتحضنا دوما على التحصن والمرورمن أبواب الخيروالنوروالإيمان لكي نكون أكثرنفعا وأكثررضا وأكثرسكينة بقضاء الله خيره وشره. اللافت للنظر في أدبيات الكتابة الأدبية والثقافية أننا نلجأ إلى الأبواب لتقسيم الدراسة أو الكتاب، ويقسم الكتاب إلى أبواب كل باب يعالج مسألة أو مضمونا أو فكرة في سياق الدراسة، أي إن الباب يشك ّّل جزءا من معمارالكتابة الكلية، وهذا يجرنا إلى فكرة الهندسة وفكرة البناء حتى في هذا السياق حيث إن معمار الشيء يتكو ّّن من أجزاء. أحدهم الباب أو الأبواب مثل: باب المنزل أو الدار هو ليس باب، إنه أبواب كل باب يدل على جزء من البناء هذا باب رئيسي.. ، وهذا باب حجرة المعيشة أو باب حجرة النوم. وهكذا فإن كل باب سيدل على جزء من المكان المعماري مثله مثل أبواب الكتابة، فنقول هذا باب لمعالجة قضية أولى وهذا باب للقضية الأخرى وهكذا.. ومن عجائب خلق الله في الكون هذا الماء المتسع الذي يشكل ثلاثة أرباع اليابسة من بحار ومحيطات وأنهار تجري إلى مستقر
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
أبواب الترهيب كأبواب جهنم، وأبواب الترغيب كأبواب الجنة، وهي بالتأكيد موجودة ولكنها غير ملموسة لنا الآن ولا مرئية، بل هي في اليقين وفي قلب المعتقد، ولكنها تبقى في دنيانا غير محسوسة، وبالتالي تتحول إلى منطقة لا نراها إلا بالخيال والتفكير رغم أنها في صلب إيماننا وعقيدتنا وموجودة.. ماذا عن أبواب الأمل والرجاء والنجاة والفرج والصبر والرضا والسكينة.. ماذا عن أبواب السماء عشرات بل مئات الأبواب التي لا يمكن أن تلمسها أو تراها ولكنها أبواب يجب أن تدخلها وتتيقن من وجودها رغم أنها غير منظورة وتدخل في المعمار الإنساني وبناء الوجدان وإسباغ الرضا والسكينة على الإنسان المتيقن من دخوله هذه الأبواب. هذه الأبواب تسهم في إعمار النفس بالهدوء والتقوى والإيمان بآليات الحياة ودورتها وبداياتها ونهايتها مما يضفي على الوجدان خشوع الانصياع في أقنية أرادها الله لهذا الإنسان لاستكمال عمارة الكون والأرض واستدامة الإعمار أيضاًً.. وذلك بأن يكون الإنسان مؤقلما على كونه أداة في الحياة برضا وسكينة وخشوع لازم.. وفي هذا السياق تحتفظ الذاكرة الشعبية لكل الشعوب بيقين هذه الآلية، وهناك الآن الصور المختزنة والحكايات عن الوعي بهذا اليقين وبأبواب لا نراها لأنها أبواب معنوية غير محسوسة، ولكن اجتيازها ضروري للوصول إلى الكمال الإنساني.. تخيل أن يكون الإنسان يائسا لأي سبب من الأسباب من حركته في الحياة ولا دوافع لديه للعمل في إطارإعمارالكون بالتأكيد سيتخاذل عن العطاء وربما يفكرفي
59 2024 يوليو 297 / العدد
58 أبواب الحياة
Made with FlippingBook Digital Publishing Software