torath 297 - July - 2024

ارتياد الآفاق

رحلة حاولت رصد أسباب النهضة الغربية «كشف المُُخبَّّا عن فنون أوروبا» لأحمد فارس الشدياق م 1887 - 1805

محمد عبد العزيز السقا خلال حياته التي كانت عبارة عن رحلة طويلة من الأسفار والتحولات، لم تنته حتى بعد وفاته؛ إذ ولد في لبنان، لأسرة ، ثم خرج من لبنان إلى دمشق، ومنها ارتحل إلى ) 1( مارونية . ثم ) 2( مصر، وفيها درس بالأزهر، وتزوََّج من «وردة الصولي» رحل إلى «مالطة»، فقضى فيها أربعة عشرعاما ًً. وتحو ََّل من المذهب الماروني إلى الإنجليكية. ثم سافرإلى إنجلترا وفرنسا فقضى فيهما عشرة أعوام، ثم غادرأوروبا واتجه إلى تونس، م واختار لنفسه اسم «أحمد 1857 فأعلن إسلامه فيها عام فارس». ثم ارتحل إلى «إسطنبول» وأطلق جريدته الشهيرة م، إلى أن وافته المنية بإسطنبول 1881 «الجوائب» عام م، غير أن جسده أبى إلا أن يكمل الارتحال حيث 1887 عام أُُعيد إلى مسقط رأسه ودفن في لبنان تنفيذا لوصيته. ركنية الرحلة تلقى الشدياق دعوة من الجمعية اللندنية لنشر 1848 في عام الإنجيل للقدوم إلى لندن من أجل المشاركة في ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية، فانتقل ليقيم في أماكن مختلفة في بريطانيا وكذلك في باريس. تقع هذه الرحلة ركنا في ثلاث رحلات ما يسمى بدعاة الإصلاح، وهي: رحلة رفاعة الطهطاوي م، ورحلة فارس الشدياق إلى بريطانيا في 1825 إلى فرنسا منتصف القرن التاسع عشر، ورحلة محمد كرد علي إلى فرنسا م وهذه الثلاثية يمكن أن تشكل صورة الآخر في الوعي 1910 الشرقي، وتشترك في الحث على الأخذ بأسباب النهوض، وقد دوّّن الشدياق غايته فقال: «ويعلم الله أني مع كثرة ما شاهدت ًًا في تلك البلاد من الغرائب وأدركت فيها من الرغائب كنت أبد منغص العيش.. لما أني كنت دائم التفكير في خلو بلادنا عما عندهم من التمدن والبراعة والتفنن». ورحلة الشدياق التي بين أيدينا اليوم هي خلاصة ثلث حياته التي قضاها في أوروبا،

فكتب من منظور الخبير بأهلها العالِِم بخباياها، فهو إذ يقدم سردا عما رآه في مالطة وفرنسا وإنجلترا، ويصف لنا صورة تفصيلية عن الحضارة الأوروبية يغوص في تحليل أسباب نهضة أوروبا، بالإضافة إلى نقل ما كتب في أشهر المؤلفات الإنجليزية والفرنسية عن المعالم، والأحداث التي مرت بها الثقافة الغربية منذ عصر النهضة إلى منتصف القرن التاسع عشر يقط ّّر بالإحصاء والتحليل ترياقا لنهضة أمته العربية، وعلى هذا التأسيس فرحلة «الشدياق» عصارة خبرة وجذوة من نار، أراد مؤلفه أن يضيق الفجوة ويبصر أمته بركب النهضة، وإن رأى بعضهم أنه وقع في فخ الانتماء الذي يبقى مصدار لا غنى عنه للتعرف على الهيكل الاجتماعي للمجتمع الأوروبي، والحياة اليومية والعادات والتقاليد السائدة، وأهم المعارف والعلوم والحالة الدينية، خلال القرن التاسع عشر. وقد طبع م. ليس خفيا على من يقرأ 1866 هذا الكتاب لأول مرة عام الرحلة أنه قد غلبت على الشدياق النزعة السياسية فقد توقف مراار أمام افتقاد العدل، وشيوع الاستبداد في الأقطار

كما يتضمن التاريخ حيث يشير إلى أن الرومانيين غزوا إنجلترا مرتين في القرن الأول قبل الميلاد، وأن عدد سكانها كان مليونا في ذلك الوقت. إضافة إلى بيان عدد السكان في سنة معينة وعدد المولودين والمتوفين وعدد الأبرشيات، والهيكل الحكومي، وعدد القضاة في المحاكم وأجورهم، وعدد رجال الدين وأعدادهم، وعدد الأطباء والمدرسين، والصناعات والحرف اليدوية المهمة في إنجلترا، مثل الرسامين والمهندسين واللاعبين في الملاهي، والتعليم والثقافة وعدد المدرسين والطلاب والكتّّاب والمؤلفين، والخدمة المدنية والعسكرية وتفاصيل عن العاملين فيها، يقول صاحب الرحلة: «... ثم قبل الشروع في الترجمة وفي ذكر شيء من أحوالي، ينبغي هنا أن أقدم كلاما في أحوال إنكلترا على وجه الاختصار؛ فإن تفصيل ذلك مرجعه إلى كتب التاريخ والجغرافية، فأقول: إن الرومانيين كانوا يسمونها «بريتانيا»، وفي اللاتيني المتعارف تسمى «إنكليا»، وفي لغة أهلها «إنكلاند» ومعنى لاند: أرض، وحين يذكرون بريتانيا فإنما يعنون بذلك إنكلترا وويلز وآيرلند،

الإسلامية في ذلك الوقت، وما أفضى إليه ذلك من زرع الخوف في نفوس الأفراد، وكيف انسحب هذا على الملكات الإبداعية، وإليه يعزو الشدياق حالة التخلف الحضاري. والنص غزير بالمعلومات ويتميز بوصفه الدقيق، وسيستمتع القارئ باللغة القوية الرصينة للكاتب، الذي نجح في المزج بين الأسلوبين العلمي والأدبي في سرديته. وتقدم الرحلة نظرة شاملة وموجزة عن إنجلترا من حيث الجغرافيا والتاريخ والبنية الاجتماعية والحكومية والاقتصاد والثقافة في العصورالقديمة، ومن ذلك اخترنا للقارئ العزيزالمقاطع التالية التي سنكتشف من خلالها البنية السردية ولغة الأرقام والإحصاءات في أسلوب الشدياق من الرحلة أحوال إنكلترا على وجه الاختصار يشير هذا النص إلى أن إنجلترا كانت تعرف في اللاتينية باسم «بريتانيا»، وتعني بذلك إنجلترا وويلز وإسكتلندا وآيرلندا. ويقدم معلومات عن المساحة الجغرافية والمعالم الطبيعية،

69

68

2024 يوليو 297 / العدد

م 1887 - 1805 «كشف الم ُُخب َّّا عن فنون أوروبا» لأحمد فارس الشدياق

Made with FlippingBook Digital Publishing Software