ارتياد الآفاق
فتأتي المرأة في الصبح إلى محل أحدهم وهو في فراشه لتوقد له النار، وفي الليل تحضر له الشاي. وفي هاتين المدينتين عادة قبيحة في المبيع والشراء بخلاف عادة الإنكليز، وهي أن الباعة يبيعون الطلبة نسيئة، ويتقاضون منهم ما هو فوق القيمة.... وهاتان المدينتان أغلى من سائر بلاد الإنكليز. مما يحمد من خصال الإنجليز من خصال الإنجليز وعد منها عدم ا � حمد الشدياق كثير التعنت على النساء فيما لا يكون به مََثْْلََبة للعرض، وشيوع الأمن، وصدق الوعد، واختصارهم الكلام مع المخاطب وفي الجملة فليس بين الإنكليز ع ُُر ْْق ُُوب ولا أ ََش ْْع ََب، ومن ذلك أنهم لا يتشبثون بأعقاب الأقاويل، ولا يأتون النميمة والغِِيبة إلا قليلاًً، فإذا سكن ما بينهم غريب وسمعوا عنه ما يكرهونه منه فلا ينقلون إليه ما سمعوا عنه بل لا يهمهم ما قيل فيه، وإنما يعاملونه بما يظهر لهم من حسن سيرته خلافًًا للفرنسيس، فإنهم مثلنا في التعلق بقال وقيل، وفي الاستفحاص عن أحوال الجيران بل أهل البلد، وذكرفي خصالهم الحميدة أيضا التريث في الأمور الخطيرة وحفظ الأمانة، وينضم إلى ذلك احترامهم للرسائل، فلا يفتح أحدهم كتابا جاءه باسم غيره، بل يبذل جهده في إيصاله إليه، وإذا زارك منهم زائر فلا يمد يده ولا طرفه إلى ما بين يديك من الصحف، فإذا أراد أن ينظر في كتاب لم يلمسه إلا بعد أن يستأذنك. وأصحاب المراتب عندهم لا يقبلون المصانعة والرشوة من أحد لتنويل أربه، وإن ع ُُلِِم أنه ارتكب ذلك اقتص منه كما يقتص من السارق، ويسعون إلى تدريب أولادهم على الأشغال، وتمرينهم على ما يكسبهم وإياهم الرزق الكافي، والمواظبة على الأعمال والصبرعلى ما يتعاطونه جل أو حقر، فإنهم لا يملون من السعي، ولا يرون في الكسل راحة، ولا يقول أحدهم: إني كبرت عن تعلّّم شيء، فلا يزالون دائبين كالنمل ما دامت فيهم نسمة تتحرك...». ليفربول ومنشستر وفي ليفربول عدة ملاه وملاعب وحوانيت بهيجة وأبنية حسنة، من أعظمها المحل الذي يقال له: قاعة البلد، وأهل المدينة لا يسخرون من الغريب، ثم سافرت منها إلى منشستر وهذه المدينة أشهر مدينة في الدنيا بكثرة المناسج والأنوال، وعدد ، فإذا اعتبرت أن معظم الآلات يدور 000,80 الصناع فيها نحو صانع، 000,400 بالبخار ظهر لك أن هذا القدر يقوم مقام قال الفاضل ماكولي: إن منشستر هي أعظم مدينة لأشغال عاما يجلب إليها من 50 القطن والنساجة، وكان القطن مذ
المركوب، وترى النساء في العواجل المفتوحة متكئات كأنما هن على نمارق وفرش، والعجب والتيه يلمعان من جنبهن، وكثيار ما تراهن راكبات على هذه الصفة ودخان التبغ خارج من أفواههن. الساحة المسماة «بلاس دلاكنكورد»، وهي بين الغيضة الرابع: المذكورة وحديقة التولري، .. وفيها تماثيل من نحاس تقذف بالماء صعدا فيقع على شبه جرن عليه تماثيل أربعة أولاد وبطة يخرج الماء من أفواهها، فيلتقي كلا الماءين وينحدران إلى الحوض، وبينهما عمود جلب من مصرعليه حروف بلسان قدماء مصر، قال غالنياني: هذه المسلة انتزعت من موضع قبل 1550 بمصر أمام هيكل طيبس في مصر الذي بني عام الميلاد، واسمها «لكسور» محرفة عن القصر، وكانت إحدى ًًا اثنتين جاد بهما محمد علي باشا على دولة فرنسا تذكار لألفتهما ومودتهما، والثانية لم تزل في موضعها، ولا بد من أنها تجلب. إلى هنا ننتهي من سرد هذه الرحلة التي لم تكن نظرة عابرة، ولا طلبا للتسلية، بل كانت تدقيقا عميقا في أحوال الناهض وقراءة لواقع السقوط، ونقدا للذات وتحليلا للآخر وأهيب بالقارئ أن يعود إلى الرحلة فيقرأها وليجد فيها ما وجدت من الأهمية والمتعة في آن. وإلى رحلة جديدة قادمة الهوامش: . الموارنة مجموعة دينية تقطن سواحل بلاد الشام، وخاصة لبنان، تعود 1 تسميتهم إلى مار مارون الراهب السرياني وانتقل اتباعه لاحقا إلى جبل لبنان، مؤسسين بذلك الكنيسة المارونية، (الكنيسة الأنطاكية السريانية) خلال فترتي الخلافتين الأموية والعباسية، حافظوا على ديانتهم المسيحية ولغتهم السريانية، وفي القرن التاسع عشر هيمنوا على متصرفية جبل لبنان العثمانية. . تذكرالمصادرأنها كانت من أصول سورية، وكانت جارة له في مصرأثناء عمله 2 في جريدة «الوقائع» المصرية، وكانت الفتاة علـى المذهـب الكاثوليكـي مـا اضطـره إلى اعتناق الكاثوليكية ولو ليوم واحد كما اشترط والد الفتاة. باحث في أدب الرحلة المراجع: - «كشف الم ُُخب َّّا عن فنون أوروبا»، لأحمد فارس الشدياق، تقديم عصمت نصار، م، طباعة مشتركة دار الكتاب 2011 الإسكندرية، مصر، مكتبة الإسكندرية م. 2012 المصري - اللبناني، - نقد المدنية الغربية من منظور الرحالة العرب، أحمد فارس الشدياق نموذجا ًً، ، غيضان السيد علي - أستاذ الفلسفة - كلية 6 مجلة جامعة المعارف، العدد الآداب بني سويف مصر. م. 2002 ، دار العلم، 15 - الأعلام، خير الدين الزركلي، ط
إزمير وقبرص، وجملة ما ورد إليها في غاية القرن السابع عشر لم يبلغ مليوني رطل. أما الآن فإن هذا القدر لا يكفي لعمل ساعة، فانظر إلى هذا الفرق العظيم الذي نشأ عن قوة 48 البخارحتى إنه جعلها تفوق في الثروة والغنى على قواعد أوروبا جميعا وذلك نحو برلين ومدريد وليسبون، وكان أهلها إذ ذاك نسمة، ولم يكن فيها مطبعة ولا عاجلة، والآن فيها 6000 نحو صانعا للعجلات. 20 مطبعة و 100 جواز السفر في فرنسا واعلم أنه من يدخل فرنسا وغيرها أيضا من بلاد الإفرنج فلا بد له من أن يبرز جوازه في الثغور - أي الباسبورت - وإلا فلا يََد ََع ُُونه يدخل، ولا يمكن للغريب أن يخرج من بلاد فرنسا إلا فرنكات، أما من يقدم إلى بلاد 10 إذا أدى في ديوان الجواز الإنكليز فليس عليه أن يبرز الجواز، كما أن الخارج منها ليس عليه أن يؤدي شيئا أيضاًً؛ ولذلك يقال: إن بلاد الإنكليز بلاد الحرية، وسببه عندي - والله أعلم - أن الإنكليز لما كانوا في الزمن القديم متخلفين عن سائر الإفرنج في أسباب التمدن والعلوم كما مر بك من جملة مُُثُُل ولا سيما في الكلام على منشستر، احتاجوا إلى أن يتساهلوا مع جيرانهم في أشياء تستميلهم إلى زيارته. الساعة الدقاقة هدية هارون الرشيد وقال فلتير في موضع آخر: «وأول ساعة دقاقة عرفت في فرنسا هي التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان». وقد أهداها الخليفة هارون الرشيد إلى شارلمان ملك فرنسا، وذلك ، وكانت بِِدْْعا في ذلك العصر، حتى إنها أورثت 807 في عام رجال الديوان حيرة وذهولا ًً، والظاهر أنها كانت من الآلات التي يديرها الماء المنحدر، وكان لها اثنا عشر بابا صغي ار تنقسم بها الساعات، فكلما مضت ساعة انفتح باب وخرج منه كرات من نحاس صغيرة تقع على جرس فيطن بعدد الساعات، وتبقى الأبواب مفتوحة، وحينئذ تخرج صوراثني عشرفارسا على خيل وتدور على صفحة الساعة. مواضع في باريس لا نظير لها وفي باريس مواضع عدة لا نظير لها في الدنيا بأسرها، أولها: البلفار، وهو طريق واسع طويل ممتد يحيط بباريس كالم ِِن ْْط ََقة للخََصْْر؛ كلا جانبيه محفوف بالشجر المتوازي الوضع، وبالدكاكين الظريفة والديار الشاهقة، ومواضع القهوة الأنيقة الحافلة، فلا تزال ترى أمامها ألوفا من الكراسي يجلس عليها الرجال والنساء، وهناك يقرؤون صحف الأخبار ويتفاوضون
في إدارة المصالح والأشغال، فهي عندهم بمقام المصر، وقد تكون حيطان المحل كلها من المرايا، وسقفه كسقف الكنائس مزخرفة منقوشة، وفيها متكآت ومقاعد ومواقد نفيسة، ولا تزال غاصة بالناس إلى نصف الليل، وقد يكون لها رواشن أومشربيات فيها مقاعد يرى الإنسان منها جميع ما يمر في الطريق. الموضع الذي يقال له: «بالي روايال» أي القصرالملوكي، الثاني: وإنما سمي كذلك لمجاورته قص ار كان مقر الملوك، وهو عبارة عن ص ََفََّي دكاكين متقابلين، فوقها منازل ومطاعم وحمامات ومحال للقهوة، وبينهما أشجاروحوض ومقاعد ومماش للناس، ففي الدكاكين ترى أحسن الملبوس وأنفس الحلي والتحف من المعادن والجواهر. الموضع المسمى «شانزلزي» أي روضة الأصفياء، وهو الثالث: 800 غيضة طويلة ذات شطرين طولها إلى حد الأزج أكثر من ذراعاًً، ولها مقاعد من خشب، 160 ذراع، وعرضها في الأقل وكراسي على طول جهتي الطريق، وبين الشطرين طريق واسع لمرور الخيل والحوافل والعواجل، ففي أيام الأعياد ترى هذا الممر ملآن من تلك المراكب، فإن أهل الثروة يذهبون إلى هناك متفاخرين بما فوقهم من اللباس، وبما تحتهم من
73 2024 يوليو 297 / العدد
72
م 1887 - 1805 «كشف الم ُُخب َّّا عن فنون أوروبا» لأحمد فارس الشدياق
Made with FlippingBook Digital Publishing Software