سوق الكتب
زمن السيداف.... رواية توثق تاريخا من صمود الأجداد وداد خليفة ترصد تحو ّّلات مفصلية في حياة المجتمع الإماراتي
والفوالة كجزء أصيل من ثقافة الكرم الإماراتي، والاحتفاء بالضيف. وتطرقت إلى الاجتماعات في المجالس، وما كان يدور فيها من نقاشات. كما رصدت الموروث من المعتقد الشعبي، الذي يتطير من امرأة يموت لها أكثر من زوج، ومن سدرة تكبر ويرتفع أعلاها ليطل على البحر، ويعتبره إنذاار بموت واحد من أهل البيت، في حين يؤمن بأن دفن سرة المولودة الأنثى بجوار التنور، يجعلها - حين تكبر - ربة بيت ممتازة، ودفن سرة المولود الذكر بجوار المسجد وسيلة، لجعله مواظبا على الصلاة. وتطرقت إلى معتقدات أخرى منها أن المرأة التي لم تنجب تحمل، إذا جلست فوق مشيمة ساخنة. كذلك رصدت الحضور الكثيف للجن في المعتقد الشعبي الإماراتي، «أخذ خيزرانته، وقرأ عليها آيات من القرآن وأسماء الله الحسنى، ثم بلل الطرف المنحني منها بريقه، ووضعه في أذنه وبدأ ينفخ على العصا، وما هي إلا لحظات حتى صرخ الجني، الذي كان متلبسا أحد الغواصين الثلاثة. ولم يتوقف المطوع حتى أخذ عهدا منه بألا يقترب من الغواص، ولا يعود إليه وإلا سيحرقه 166 بكلام الله». ص الغث والنفيس انفتح السرد كذلك على روافد أخرى للموروث، لا سيما الطب الشعبي، الذي تعددت وسائله بين العلاج بالوسم، ودق الزار، والحجامة، إضافة إلى بعض الوصفات الشعبية، مثل التداوي باليعدة لتخفيف أثر الحمى، ودهن الحروق بالدهن والسكر، وتجبير الكسور باستخدام الأخشاب الرقيقة وزلال البيض، ومعالجة القروح والأمراض الجلدية، مثل السمط الذي كان
ثيمة الصدمة في رحلتها السردية التي يمتزج فيها الحقيقي بالتخييل، لجأت الكاتبة إلى نظرية الصدمة، إذ انطلقت الأحداث المستعادة عبرتقنيات التذكروالاسترجاع، من إغارة رجال ابن ديلان على واحدة من القبائل في منطقة العين، وقيامهم بالسلب، والنهب، وسبي النساء، وخطف الأطفال. وكانت موزانة «الشخصية المحورية»، واحدة من أولئك الأطفال المخطوفين. وقد عزز منهج الصدمة، إمكانية إبرازالآثارالنفسية والاجتماعية العنيفة لتجربة الرق والعبودية، كقضية رئيسية للسرد، جسدتها الكاتبة عبر تجربة البطلة، وما تعرضت له من هزة عنيفة، تغيّّـر على إثرها مسار حياتها، على المستويين السيكولوجي والاجتماعي. ولم تكن العبودية القضية الوحيدة للسرد، وإنما ف ََج ّّر النص العديد من القضايا الأخرى، التي تتصل بتاريخ طويل من صراع الشعب الإماراتي، مع طبيعة قاسية، وظروف معيشية صعبة قبل ظهورالنفط، ومستعمرعمل على عزل الدولة وحرمانها من حقوقها وثرواتها لوقت طويل، ومن كل فرص التطور والنمو. وعبر هذا الصراع رصدت الكاتبة تناقضات النفس والعالم. وأبرزت الكثيرمن الثنائيات التقليدية، التي تتراوح ما بين الخير والشر، الحق والباطل، القسوة والرحمة، الإباء والذل.
نشوة أحمد بين شح الماء، وقلة الزرع، وهجوم الأوبئة، وخيانة البحر، وتسلط الجوع، مارست الطبيعة صنوفا من القسوة. وتربص الموت بالرقاب. لكن الصمود كان لغة أتقنها الأجداد. وكتبوا بها تاريخهم، الذي أعادت الكاتبة الإماراتية وداد خليفة إحياءه وتوثيقه، في روايتها «زمن السيداف»، الصادرة عن دار العين - القاهرة. تشي العتبة الأولى للنص، بفضاء زمني، عانى فيه سكان الإمارات من قلة الموارد، وكان نبات السيداف أحد وسائلهم لمقاومة شح الغذاء، والظروف الصعبة التي زاد من وطأتها أفول مهنة الغوص، بعد تراجع تجارة اللؤلؤ، وكسادها نتيجة حروب عالمية، لم تكن الإمارات طرفا فيها، لكنها لوجودها تحت الحماية البريطانية ا � تضررت منها، نظر حينذاك. وقد اعتمدت الكاتبة بناء دائريا في سرد الأحداث، فانطلقت من انهيار الشخصية المحورية «موزانة»، أمام دار الاعتماد البريطانية. وسلكت زمنا عكسيا عبر تقنيات التذكر، والفلاش باك، لتستعيد البطلة تاريخا من المرارة
يصيب الغواصين، بخليط من الهليهلي، والكركم، والجفت، ويلف الرمان. واستدعت الكاتبة بعض المهن التراثية، مثل: مهنة المطوع، ومهنة مقتفي الأثر. واستدعت في غير موضع بعض الأمثال الشعبية، مثل «إن دميت كلني السمج، وإن غفيت كلني الطير»، «ما تقوم المويه، إلا وحادها الهوا»... وطع ّّمت نسيجها ببعض الغناء الشعبي، الذي يعد مكونا أصيلا
والألم، وسلسلة من الأحداث تنتهي عند نقطة البداية ذاتها، لحظة انهيارها أمام دار المعتمد البريطاني. ورغم ما لعبته موزانة من دور محوري في السرد، لا سيما في ظل ما عاشته من قهر، ومصائر مظلمة، فإن الكاتبة فضلت استخدام سرد مركزي، منحت صوته لراو عليم، يرى الشخوص بعين موضوعية من الخارج، ويعلم بواطنها وأسرارها من الداخل، وربما برر هذا الاختيار تنوع الشخوص، والقضايا، والأحداث، وامتداد فضاءاتها الزمنية، والمكانية.
روافد التراث انفتح النسيج الروائي في مساحات واسعة منه على التراث الإماراتي، فاستدعت الكاتبة ما يتصل بالزي التقليدي، مثل: الكندورة، والغترة، والعقال، والسويعية، والشيلة، والوسمة، والبرقع. وتطرقت إلى بعض أنواع الأكلات المحلية مثل: البلاليط، والعصيد، والخبيص والجراد. ورصدت طقوس دلة القهوة ومكانتها،
79
78
2024 يوليو 297 / العدد
زمن السيداف.. رواية توثق تاريخا من صمود الأجداد
Made with FlippingBook Digital Publishing Software