دراسات إماراتية
والشعراء والقمر والحاقة. وهذا يوضح بجلاء منزلة هذه الشجرة التي باركها الحق تبارك وتعالى، فكيف لا نباركها نحن بني البشر؟ والنخلة بهذه المكانة ليست كغيرها من الأشجار المترامية فوق رمال الصحراء. وتذكر كتب التاريخ والأدب في الحديث عن منزلة النخلة ) 1 ( عند العرب، أنه في العصر الأموي كتب خالد بن صفوان إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يشيد بمحاسن البصرة، فكان النخيل بيت القصيد، قال: «ونََهرُُنا العََجََب أوََّله الرُُّطب وأوس ََطُُه العِِنب وآخره القََص ََب، فأما الرُُّطََب عندنا فمن النخل في مََبََارِِكِِه كالزيتون عندكم في منابته، هذا على أفنانه كذاك على أغصانه، هذا في زمانه كذاك في . ) 2 ( إبََّانِِهِِ، من الراسخات في الوحل المُُطعِِمات في المحل» إن ابن صفوان في هذا الوصف رسم لوحة بديعة للنخل وكأنه يتغزل به من خلال المقارنة التي أبدع في تشكيلها بين هاتين الشجرتين المباركتين، النخل والزيتون. إن الانتشار الكبير للنخلة في الإمارات لهو خير دليل على المكانة التي كانت تحظى بها عند أبناء الإمارات؛ وأكبر دليل على مكانتها ومنزلتها في الإمارات، اهتمام المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان - طـيّّب الله ثراه - بإكثارها وزراعتها في أنحاء الإمارات كلها، حتى غدت أعدادها بالملايين. إنها تعيش في كيان ووجدان أبناء الإمارات، في ماضيهم وحاضرهم، يستمدون منها الكينونة والوجود، ويستشعرون من خلالها معاني الأصالة والانتماء والولاء للأرض. عايشت آمالهم وآلامهم، ووقفت إلى جانبهم في أوقات القحط والجفاف وأمدّّتهم بخيرها وثمرها، خصوصا قبل الطفرة النفطية، إنها المكان المتجذر في المكان، تتعاقب عليها الأجيال والسنون وهي صامدة شامخة، هي تاريخ الأجداد وعنوان البقاء. واعترافا بفضلها وتكريما لها فقد بنى لها شعراء الإمارات صروحا شامخة في أشعارهم، وراحوا يتحدثون عنها بكل حب ووفاء ونُُبل، يقول الشاعر ُُسيف المري: ِ النخلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة الشعـــــــــــــــــراء �ِّ ُُــــــــــــب ُُهََامــــــــــــــــــــــــــــــــــــت بِِح ََــــــــــــــــــــــــر ََت على س ُُن ََـــــــــــــــــــــــــن الهــــــــوى الأهــــــــــــــــــــــــواء ف ََج ُُوتََتََابعــــــــــــت فـــــــــــــــــــــــــي وصفِِهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا أبياتـُُهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ُُــــــــــــــــــــــــب عنــــــــــــــــــــــــد ب ََن ِِـي الق ََريض ع ََطــــــــــــــــــــــــــــــــاء ًًوالـح ً وكانــــــــــــــــــــــــــــــــــــت مطعــــــــــــــــــــــــما �ً ُُكانــــــــــــــــــــــــت ل ََن ََــــــــــــــــــــــــا ظ ِِل ّا إ ِِن ق ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ز ََاد أو أصــــــــــــــــــــــــاب قضــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء
في عيون شعراء الإمارات النخلة
ِي إِِلََيْْك �ِّ من ثمرها وهي تضع السيد المسيح، عليه السلام: ﴿وََه ُُز . وفي قوله 25 بِِجِِذْْع النََّخْْلََة تُُس ََاقِِط عََلََيْْك رُُطََبًًا جََنِِيّّاًً﴾ مريم/ ، وفي قوله 10 سبحانه: ﴿وََالنََّخ ْْل بََاس ِِقََات لََّهََا ط ََلْْع نََّض ِِيدٌٌ﴾ ق/ . وجاء القرآن 11 َكْْمََامِِ﴾ الرحمن/ �َ جل وعلا: ﴿وََالنََّخْْل ذََات الْأ الكريم على ذكرها في سور أخرى كثيرة: الأنعام وطه والكهف
قتيبة أحمد المقطرن النخلة ذلك الكيان الراسخ في عمق صحراء شبه الجزيرة العربية.. هي الجانب الظليل الوارف فوق رمالها الذهبية، عاش الأجداد والآباء على رُُطبها وتمرها، وبنوا بيوتهم من جريدها، واستظل عابرو الطريق بأفيائها. ولكن تبقى الرؤية قاصرة لو تخيّّلنا هذه الصحراء خالية من هذه الشجرة المباركة، فهي بلا شك الابن الشرعي للصحراء وجزء لا يتجزأ منها، متجّذّرة في رمالها منذ الأزل، عايشت حّرّها وقرّّها، وكانت الشاهد الأمين على الأحداث التي دارت رحاها على هذه الصحراء. لقد حظيت النخلة باهتمام الشعراء على مر التاريخ، ولا تزال، فراحوا يتغنون بجمالها وظلالها وثمارها، والنخلة شجرة مباركة لها قدسيتها؛ فقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من سورة، في قوله تعالى؛ حيث أوحى إلى مريم العذراء أن تأكل
83
82
2024 يوليو 297 / العدد
النخلة في عيون شعراء الإمارات
Made with FlippingBook Digital Publishing Software