torath 297 - July - 2024

أدب ونقد

أنت لو تدرك بحره في مساحات الخلود أنت قطرة أنت ماذا دون عينيه فناء في فناء وهباء في هباء

وهذا المعنى الوجودي المُُلح على اختيار التحرر من قيود واقعه بالرحيل ينبعث من المعنى القيمي لدى الشاعر، وقيمة «الأنا» التي تستعلي على بقاء/ وجود يفتقد إلى القيم التي يعتنقها، وتحيا بها ذاته، فنظرته إلى الوجود مرتبطة بما يلبي مفاهيم الوجود لديه، وقيمه التي يؤمن بها، وهو إدراك عميق لقيمة الحياة، باعتبار «أن من كمال الشخصية وثرائها أن ، فلا ينظر إلى الوجود على ) 8 ( تكون شاعرة بقيمة وجودها» أنه فرصة يقتنص منها ملذاته الزائفة، بعبثية النّّهِِم من لذة يخشى فواتها، ولا يتمرد عليها تمرد الهارب من حتمية القدر، ولا يدعوه يقينه بالنهاية الحتمية إلى قلق الخائف المتوجس الذي يهبط إلى منازل تمس قيمة وجوده، ولعل أدنى مستويات الشعوربتلك القيمة هوالتماسك أمام انكسارات تنال من سمو : ) 9 ( الروح، أو تقدح في غاياتها النبيلة، وإنسانيتها الرفيعة عشـــــــــــــــــــــــــــــــقت الجبــــــــــــــال وحـــــــــــــــــــــب الصعـــــــــــــــــــــود ًًولـــــــــــــــــــــم أعـــــــــــــــــــــرف الوهــــــــــــــــــــــــــــن والمستحـــــــــــــــــــــيلا وشئـــــــــــــــــــــت اختصــــــــــــــــــــــــــــار الحيـــــــــــــــــــــاة سراعـــــــــــــــــــــــا فعشــــــــــــــت المواقيـــــــــــــــــــــت عرضــــــــــــــا وطـــــــــــــــــــــــــــــــــــولا

الفن الشعري وتساؤلات الوجود الإنساني تجليات الفكر الوجودي في ديوان «خ ََج ِِلا آتيك ِِ»

ونلمح حقيقة هذا المصير الذي يتربص بالوجود في التعبير عن أحاسيسه التي تأخذ بالبداية إلى النهاية، فالميلاد لديه يرتبط بالرحيل، والصبح يتعجله الليل، والحياة يتربص بها الموت، فالنقيض لديه يستدعي نقيضه، والشاعر بتلك الحقيقة الوجودية، رغم ما فيها من بواعث القلق والألم، قد يستحث طوعا مآلات تلك النهاية في علاقاته بباعث قيمي، : ) 5 ( وليس بنظرة تشاؤمية، فيقول في قصيدته (نهاية) ْْوداعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاًً.. لكـــــــــــــــــــــــــــــــــــل بقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء فنـــــــــــــــــــاء ًًولكـــــــــــــــــــــــــــــــــــل طريـــــــــــــــــــــق مشينــــــــــــــــــــــــــــاه غايـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة ْْلقــــــــــــــــــــــــد حـــــــــــــــــــــان أن نستفيـــــــــــــــــــــــــــــــــــق أخيـــــــــــــــــــــــــــــــــــ ار مــــــــــــــــــــــــــن الس ُُّكـــــــــــــــــــــر في ردهـــــــــــــــــــــــــــــــــــات الغوايـــــــــــــــــــــة فخيـــــــــــــــــــــر البدايـــــــــــــــــــــــــــــــــــة بــــــــــــــــــــــــــــدء الجنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون وأســــــــــــــــــــــــــــوأ ما فـــــــــــــــــــــي الجنـــــــــــــــــــــون النهايـــــــــــــــــــــــــــــــــــــة لقد أصبح مفهوم الفناء سبيلا يعلن الشاعر من خلاله التعبير عن موقفه الرافض، سواء من خلال معنى المغادرة أو الانسلاخ من الواقع الملموس، أو من خلال غياب العقل في متاهات الجنون، إذ إن ما يجمع بينهما هو الخروج من ٍ آخرتتجلى فيه رغبة م ُُلح ّّة للخروج من �ٍّ الوجود الم ُُدرََك إلى وعي ذلك العالم، فالرحيل أسمى لديه من الاستسلام لواقع يستلب ذاته؛ وبالتالي فهو يختار النهاية طواعية، حين تصبح الحياة - لا الموت - شبحا يطارده، ويريد الخلاص منه، حيث شكّّل الرحيل والانسحاب من المشهد طواعية لازمة لديه؛ تعبي ار عن رفضه لانهزامات الذات وانكساراتها، حتى إن كان هذا الرفض بالصمت، فلدى الشاعر الوجودي، «لكل كلمة صداها، حتى : ) 7 ( ، يقول في قصيدته (رحلت ُُ) ) 6 ( ُُإن الصمت موقف له دلالته» ْْانسحبــــــــــــــــــت ُُ.. طويـــــــــــــــــــــت انهزامي.. رحلــــــــــــــــــــــــــــت وودعـــــــــــــــــــــت فيــــــــــــــــــــــــــــك الليالــــــــــــــــــــــــــــــي الحزينـــــــــــــــــــــة ْْتركــــــــــــــــــــــــــــت لديــــــــــــــــــــــــــــك انبــــــــــــــعاث وجــــــــــــــــــــــــــــــــــــودي علـــــــــــــــــــــــــــــــــــى شفتـــــــــــــــــــــي صــــــــــــــــــــــــــــراخ أنينــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ْْوغــــــــــــــادرت إلا مــــــــــــــــــــــــــــن الصمـــــــــــــــــــــت.. يجثـــــــــــــــــــــو وقلبـــــــــــــــــــــي علــــــــــــــــــــــــــــى كفتيـــــــــــــــــــــك رهينـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

) 2 ( ويأتي ديوان (خ ََج ِِلا آتيك ِِ) للشاعر الإماراتي محمد العبودي ٍ�ٍّ بالمعاني الوجودية التي تصدر عن صوت وجداني ا � مفعم صاف ٍٍ، لم يأت انعكاسا لموقف فلسفي جاف يخضع لاعتبارات المنطق، وإنما هو صورة شفافة للذات وانفعالاتها تجاه الحياة ومعانيها الإنسانية الخالصة التي لا تعرف حدود عِِرق، أو جنس، أومعتقد، بل كان تعبي ار دقيقا عن صاحبه وعن موقفه من الوجود، بحيث يمكننا أن نقف في قراءته على طبيعة تلك الشخصية، «وتحديد الاختيار الأصلي الذي يحققه الكاتب عندما يختار الكتابة، ويجعلها وسيلة للتعبير عن نفسه وعن ، إذ لم تأت معانيه عََرََضاًً، وإنما شكلت ) 3 ( وجوده في العالم» بحضورها في نصوصه على اختلاف أغراضها اتجاها ثابتا وعميقا يجسد موقفه من الوجود الإنساني بوضوح. وأول ما يطالعنا في شعرالعبودي الوقوف على حقيقة المصير الإنساني المحتوم الذي يحكمه العدم والفناء، فيقول محدثا : ) 4 ( (الإنسان) الذي جعله عنوانا لقصيدته

عـــادل نيــل الشعر في أبسط معنى إنساني له هو التعبير الوجداني الصادق عن الذات في تأملاتها التي ترتبط بفكرة الوجود ومصيره المحتوم، وهو ما يتداخل مع العديد من المعاني التي قد تعكس الخوف من المجهول، أو الإحساس بالتمزق والتيه أمام لحظات الفقد والفراق، أو الشعور بالضعف الإنساني، والعجزفي الاستسلام أمام الموت الذي تخضع له كل موجودات الكون، أو أن يُُرى في تلك الحقيقة الكونية الملاذ الآمن من واقع حياتي أو نفسي مؤلم. وإذا كانت الوجودية في تنظيرها هي قضية فلسفية، فإنها لا تبتعد عن هموم الشعر، باعتبار أن كليهما يبحث في الوجود الإنساني وتساؤلاته، «فالوجودية أقرب الفلسفات إلى الشعر، والشعر أقرب الفنون إلى الوجودية، فالشعر . ) 1 ( والفلسفة صورتان للتعبير عن الوجود»

89

88

2024 يوليو 297 / العدد

تجليات الفكر الوجودي في ديوان «خ ََج ِِلا آتيك ِِ»

Made with FlippingBook Digital Publishing Software