torath 297 - July - 2024

دراسة

تجليات الرياح في الموروثين العربي والغربي

نوزاد جعدان تعد الرياح واحدة من العناصر الطبيعية التي تناولها الأدباء والشعراء عبر العصور بطرق متعددة ومعان مختلفة، حيث مهما في تصوير الأحاسيس والمشاعر، وفي ا � لعبت دور التعبير عن التغييرات البيئية والاجتماعية أيضا بما فيها من لين وخصب تُُسلّّط على الإنسان أنواعا من المصاعب تدفعه إلى التأّمّل والتدبّّر من أجل السيطرة على مختلف العناصر الطبيعية وإحكام استغلالها لفائدته، كما كانت تعد إحدى رزم «درور» القدماء في التنبؤ بحالة الطقس وقدوم المواسم تماما كحالة النجوم والطوالع.

ويواجه الإنسان الرّّياح بما تحدثه من فعل في الوجود عموماًً، فهي قادرة على إزعاجه في حركته وفي سكونه، وقادرة على مساعدته في مواجهة الحرّّ، وقضاء بعض شؤونه أحياناًً. وذكر الأصمعي وأبو زيد الأنصاري في تحديد الرياح نحوا مما قاله أهل الحساب. قال الأصمعي معظم الرياح أربع وحدهن بالبيت الحرام حرسه الله تعالى فقال: القبول تأتي من قُُبل الكعبة شرفها الله تعالى، وهي الص ََّبا. والدبورالتي تأتي من دبرالكعبة، والشمال التي تأتي من ق ِِبل الحجر والجنوب من تلقائها، يريد تلقاء الشمال قال وكل ريح انحرفت. فوقعت بين ريحين من هذه الرياح فهي نكباء وقال أبو زيد مثل ذلك. ووفق ما ورد في كتاب الأنواء في مواسم العرب، فإن الرياح أربع وهي الشمال والجنوب والص ََّبا والدبور، فالشمال عالي من ناحية القطب الأعلى، والجنوب تأتي من ناحية القطب الأسفل، والصبا تأتي من وسط المشرقين، والدبور تأتي من وسط المغربين». وهذا الحد يقارب ما ورد في كتاب «الأزمنة والأنواء»: (إذ الرياح أربع: الص ََّبا والدبور والشمال والجنوب، فالص ََّبا تهب من مشرق الاستواء، وهو وسط المشرقين. والدبور تهب من مغرب الاستواء، وهو وسط المغربين مقابلة للص ََّبا. والشمال تهب من ناحية القطب الأعلى، والجنوب تهب من ناحية القطب الأسفل مقابلة للشمال). والملاحظ أن لهذه الرياح أسماء كثيرة، وأحكاما في العربية لأن بعضهم يجعلها نعوتا وبعضهم يجعلها أسماء. وللرياح تسميات أو نعوت متعددة على اختلاف المواسم في الخليج العربي، فيقال هبايب سهيل من منتصف أغسطس إلى نهاية ديسمبر وهي رياح رطبة لطيفة، أما رياح الأكيذب تمتاز بقوتها وشدتها يسبقها هدوء تام للريح، تهب بعده رياح قوية محملة بالسحب والأمطار الغزيرة. مع دخول الوسم يستبشر أهل الجزيرة العربية ببداية نشاط رياح «الأريب» خلال هذه الفترة، وهي الرياح الجنوبية المحملة بالرطوبة وبخار الماء والقادمة من المحيطات والبحار الداخلة عرفها العرب منذ القدم، وكانوا يستبشرون بها إذ تشير إلى قدوم المطر، ومن الأشعار التي قيلت في رياح «الأريب»، قول الشريف الرضي:

أهفــــــــــــــــو إلــــــــــــــــــــــــــــى الريــــــــــــــــح إن هبــــــــــــــــــــــــت يمانيـــــــة

ِِوفي وصف البحتري كذلك: ِِريــــــــــــــــــــح الش ََمــــــــــــــــــــال أ ََت ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــت ب ِِريــــــــــــــــح ش ََمــــــــــــال

تــــــــحذو زعازعــــــــــــــــــــها عيــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ار مــــــــــــــــن المــــــــــــــــــــزن وكثيار ما نجد ارتباط صورة الرياح بمهنة الشعراء لاسيما الصيادين كقول الشاعر الإماراتي سالم بن حميد البحري السويدي: م الفجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر تطالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع النتــــــــــــــــــــــــــــــــار علايــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم الأزبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب اللافــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي كما نرى قول الشاعر حميد بن ذيبان عن هذه الرياح أيضا ًً: البحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر الأحمــــر قصاصيــــــــــــــــره خطر وزياغ وبها عواصيــــــــــــــــــــــــــــف الأزيــــــــــــــــب ريــــــــــــــــــــــــح هبابــــــــــــــــه ولعل من أشهر مسميات الرياح وما وصفه الشعراء رياح

ََــــــــــــــــــــت ساك ِِــــــــــــــــــــــــــــن الب ََلبــــــــــــــــــــــــــــــــال ََــــــــــــــــــــار فََهاج ُُس ََح

واهــــــــــــــــا بِِمــــا جــــــــــــــــــــاءََت بِِــــــــــــــــــــــــــــــــه واهــــــــــــــــــــــــا لََــــــــــــــــــــــــه

أََح َيَــــــــــــــــــــــــــــــــــــت بِِه مــــــــــــا مــــــــــــات مِِــــــــن أََوصالـــــــــــــــــــــــــــي وتمتاز رياح الشمال بأنها شتوية مــن منتصــف ديســمبر إلــى نهايــة فبرايــر، وهي رياح شمالية إلى شمالية غربية باردة إلى شديدة البرودة وجافة، ومن دلائل هبوبها ظهــور الزبــد منه بفعــل الأمواج المتلاطمة. كما يســتدل أهــل الزراعــة علــى هبوبهــا ببدايــة جفــاف اللحــاء وســقوط أوراق الأشجار. وقد تعامل العرب مع مختلف الظواهرالطبيعية فانعكست فنا في شعرهم، ومعرفة في حياتهم. فشكّّلوا صوار شعرية فيها من الجمالية الكثير، وفيها ما يوحي بالإبداع والإنتاج المعرفي، فالرياح كانت ترمز إلى القوة والطبيعة القاسية التي يواجهها

الشمال التي نجدها في شعر جميل بثينة: ِِأ ََيــــــــــــا ريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح الش ََمــــــــــــــــال أ ََمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ت ََر ََينــــــــــــــــــــي

أََهيــــــــــــــــــــــــــــــــــــم وََإِِنََّنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي بــــــــــــــــــــــــادي النُُحــــــــــــــــــــــــــول

95

94

2024 يوليو 297 / العدد

تجليات الرياح في الموروثين العربي والغربي

Made with FlippingBook Digital Publishing Software