دراسة
في مسرحية «العاصفة» حيث يلعب الإعصار دو ار محوريا في الحبكة، ويجلب معه التغييروالانقلاب في مصائرالشخصيات. وخلال زمن الرومانتيكية الإنجليزية أصبحت الرياح تعبي ار عن الروح البشرية وعلاقتها بالطبيعة. الشاعر شيلي في قصيدته الشهيرة «إلى الريح الغربية» يعبّّـر عن الرياح الغربية كرمز للحرية والقوة الثورية. الرياح هنا ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل كيان حيوي يجسد الطموحات الإنسانية والإرادة للتغيير: «أيتها الريح الغربية المتوحشة، يا زفرات كيان الخريف / أنت التي أمام حضرتك الخفية تندفع أوراق الشجر الميتة / كما تفر الأشباح هربا من ساحر /صفراء وسوداء وشاحبة، وحمراء محمومة». في السياق ذاته، نرى تشارلز ديكنز في روايته «ترنيمة عيد الميلاد» يستخدم الرياح الباردة والمزعجة لخلق جو من الكآبة والرهبة، ما يعكس الحالة النفسية لبطل القصة سكروج، لتجسد كآبة العصرالفيكتوري وتمثل العزلة والبرودة العاطفية التي يعيشها سكروج قبل تحوله. في رواية «جسر إلى تيرابيثيا» للكاتبة كاثرين باترسون، التي ، تعب ّّـر الرياح عن التغيير 2007 تحولت إلى فيلم سينمائي عام والنمو الشخصي الذي يمر به الأطفال. تماما كما أن الرياح في أدب الفنتازيا لاسيما المقدمة للأطفال مثل أعمال جون رونالد تولكين، قد تستخدم لخلق أجواء معينة أو لإضافة عنصر من الغموض والسحر. كما است ُُخدمت الرياح لتجسد مشاعرالعزلة
والغموض والتأمل وهو مانجده في قصيدة الشاعر تيد هيوز، زوج الشاعرة سيلفيا بلاث، «ريح» يتناول الرياح كقوة طبيعية تسيطر على البيئة وتؤثر في الحالة النفسية للشاعر: طوال الليلة كان المنزل يهجع بعيدا قرب البحر/ الغابات تتهشم في الظلمة / التلال هادرة / الرياح تفر مذعورة عبر الحقول/ والنافذة تتخبط في الريح رطبة سوداء مفتوحة. في الهند، استحضرت الشاعرة كوثر منير الرياح وتصفها بأنها هي من غيّّرت الأقدار: «جذف أيها البح ّّار جذف / يا ملك المحيطات / أنت نجمي الهادي / وأنا الشاطئ / في كتاب الحياة / لو كنت لي وكنت لك / سيغدو العالم ملكا لي ولك / لكن / نزلت بقاربي إلى بحر مفتوح / لا نهاية له/ مع ذلك صنعت قدري تحت سماء واسعة / تغيرت الريح.. تبدلت السماء / لكن عشرتنا لم تتبدل أبدا / جذف أيها البح ّّار جذف / يا ملك المحيطات. تبقى الرياح توج ّّه أشرعتنا صوبها دوما فهي غنية الذكر في الموروث الثقافي والشعبي ولها دلالاتها وإيحاءاتها المتعددة، إلى طبيعتها المتناقضة في الإيقاد والإطفاء، ا � وذلك نظر والإرسال والإيصال.. ولفهم تغيرات الطقس والبحر.. كذلك يبقى الهواء هو مرسالنا في إيصال منتجنا.. كما قال الشاعر أنسي الحاج: ليكتب كل على هواه.. ولينقل الهواء ما يحلو له نقله كاتب سوري
الإنسان في الصحراء. واستخدم الشعراء الرياح كاستعارة للتعبير عن الفراق والحنين، حيث كانوا يبكون على الأطلال ويستحضرون رياح الشمال التي تثير الأشجان وتعيد الذكريات المؤلمة. أما في العصر الإسلامي، فقد اكتسبت الرياح رمزية دينية حيث ذُُكرت في القرآن الكريم في مواضع عدة، منها ما ِيََاح لََوََاقِِحََ). أما �ِّ يشير إلى دورها في تلقيح النباتات (وََأََرْْس ََلْْن ََا الر في الشعرالأندلسي، فاكتسبت الرياح ب ُُعدا جماليا حيث كانت تثير الإلهام بين ظواهر الطبيعة الخلابة في الأندلس. فقد استوحى الشعراء من حركتها الرشيقة بين البساتين والأنهار، الصور والعواطف معبرين عن مشاعر الحب والشوق. كما تم توظيف الرياح كرمز للتغييـر والتحول، لكنها اكتسبت معاني أكثر تعقيدا مع تطور الأوضاع الاجتماعية والسياسية. ويمكن أن نرى الرياح كرمز للتحرر أو الثورة أو حتى الغموض الذي
يحيط بمستقبل الإنسان، كما تظهر الرياح لتشير إلى بداية تغيّّـر أو تحوّّل في حياة الشخصيات أو لتضفي على المشهد جوا من التشويق والتوتر. في أعمال نجيب محفوظ، على سبيل المثال، يمكن أن تكون الرياح حاملة لتغييرات كبرى في حياة الأبطال. على الصعيد الآخر، لم يخل الأدب الإنجليزي من استخدامات وتوظيف للرياح في الشعر والنثر التي تُُعد من العناصرالطبيعية المستخدمة بشكل واسع لأغراض رمزية وجمالية على مر العصور. من خلال الأعمال الأدبية، نجد أن الرياح تعكس مجموعة متنوعة من المشاعر والموضوعات، مثل: التغيير، والحرية، والقوة، وحتى الغموض. فنجد خلال عصر النهضة، أن الشعراء والكُُتّّاب استلهموا من الرياح أغراضا وصفية ورمزية. على سبيل المثال، في أعمال ويليام شكسبير، تظهر الرياح لتجسد مشاعر التوتر والتحوّّل. كما
97
96
2024 يوليو 297 / العدد
تجليات الرياح في الموروثين العربي والغربي
Made with FlippingBook Digital Publishing Software