مسرح
وحين تتعرض أم عمرو بن كلثوم للإهانة من ق ِِبل أم عمرو بن هند، ترفضها، وعلى الرغم من الرفض: (لتقم صاحبة الحاجة ه، يا لتغلب! ا إلى حاجتها)؛ فإنها صاحت: واذلّا إذاًً: في قراءة المشهد جمالياًً، تتعرض القيمة الأخلاقية والإنسانية الأهم وجوديا (الأم) للإهانة، والإهانة قيمة أخلاقية سلبية أو قبيحة بالمعنى الجمالي، وعلى الرغم من أنّّها ردّّت الإهانة؛ فإنها صاحت: (واذلاّّه)، فالاستجابة الجمالية لما هو قبيح تولّّد في النفس النفور، وترفض حضوره. في الجانب الآخر، تظهر استجابة ابنها للموقف أيضا لكن بطريقة أكثر نفو ار ًً: (قام إلى عمرو بن هند فقتله). وعلى الرغم من أن القتل قيمة سلبية من وجهة نظر أخلاقية للأفعال أيضاًً، فإنه تفرّّغ من مضمونه القبيح في تأثيره فينا، فالقتل (القبيح) جاء للحفاظ على القيمة الأخلاقية الجمالية التي تمثلها الأم؛ أي الغاية منه الحفاظ على القيمة الجمالية ومنع تشويهها بالنقص والإهانة. ثم أنشد: بأي مشيئة عمرو بن هند؟ سؤال استنكاري، غايته استمرار الاستجابة الجمالية، فالقتل وحد ََه لم يفرّّغ الاستثارة التي حصلت جراء النقص، فاستعمل الشعر أيضاًً، والش ّّعر «هو اللغة في وظيفتها الجمالية» بتعبيررولان بارت، وهذه اللغة برع العرب في نسجها شع ار للتعبيرعما يجول في دواخلهم، واللغة
الشعرية؛ بوصفها فنّّاًً، أي قيمة جمالية لغوية، تم توظيفها للتعبير عن رفض ما هو قبيح في الحياة أيضا ًً. أض ِِف إلى ذلك أن هذا الش ّّعر قيل في الفخر؛ الذي هو قيمة جمالية سلبية كذلك من وجهة نظر دينية للأفعال، إذ تم الن ََّهي عنه في النص الكريم بواقع ِِ: (إن الله لا يحب كل مختال فخور)، ورغم المبالغة في الفخر التي جاء بها عمرو بن كلثوم: (إنا المطعمون، المهلكون، المانعون، النازلون، التاركون، الآخذون، العاصمون، العازمون،..) إضافة إلى: (إذا بلغ الفطام أننا حين نقرؤه لا نشعر ا لنا صبي ٌٌّ/ تخر له الجبابرساجدينا)؛ إل ّا بالنفور الذي تولده الاستجابة الجمالية لما هو قبيح أو مرذول اجتماعيا وأخلاقياًً؛ لأن الخوف على سقوط الجميل في الحياة (الأم)، يبرر هذا النوع من الاستجابة النفسية بوصفها أداة دفاعية لبقاء الجميل في الحياة بصورته المثلى. في الفصلين الثاني والثالث من المسرحية، إذا أردنا النظر في القيم الجمالية كما أتى بها كسرى الفرس، نجده يفضل - في كثير من المواطن - القيمة المادية للجميل على المعنوية أو الروحية، فما هو جميل من وجهة نظره فيما لدى الروم من: (اجتماع الألفة، وعظم السلطان، وكثرة المدائن، ووثيق البنيان، وجود الدين الذي يبين الحلال من الحرام، ويرد السفيه، ويقيّّم الجاهل)، ولدى الهند من: (الحكمة والطب،
القيم الجمالية في مسرحية (مجلس الحيرة) المسرحيّّة التي ألّّفها سمو الشيخ الدكتور سلطان محمد القاسمي
سمر علي زليخة «الجمال ليس مفهوما فلسفيا نظرياًً، إنم ّّا هو ممارسة ٌٌ»؛ انطلاقا من هذه المقولة يمكن الحديث عن نوعين من الدراسة ٍ فني أدبي، الأولى: النص بوصفه عملا أدبيا مبنيا وفق لغة منزاح ٍة عن مسارها العادي، ومتخذة صيغة �ٍّ الجمالية لأي نص فنية في الأداء الكتابي. والثانية: القيمة الجمالية التي تسعى الفنون لإبرازها، فالفن في جوهره خبرة جماليةٌٌ، وممارسة جمالية على صعيد اللغة والأداء. وللإجابة عن سؤال: ما هي القيم الجمالية التي تضمنتها مسرحية (مجلس الحيرة)؟ فإن الإجابة لا تخرج عن نطاق المقولة السابقة التي ترى الجمال ممارسة ًً؛ ممارسة اللغة بصيغتها البلاغية، وممارسة القيمة ٍ مع القيمة الأخلاقية. �ٍّ الجمالية واقعيا في انسجام تام ِدها علم الجمال بـ (الجميل، والجليل، والتراجيدي، والكوميدي، والمعذ ّّب، إضافة إلى القبيح)، �ِّ فالقيم الجمالية التي يُُحد لم تظهر جميعها في المسرحية؛ إنما هناك قيمتان جماليتان تنازعتا الحضور فيها: (الجميل والقبيح). بالنظر في الفصل الأول، حين تظهر والدة عمرو بن كلثوم، فبالإضافة إلى القيمة الأخلاقية التي تمث ّّلها الأم في الحياة، وبما هو موصى عليه دينيا من طاعتها واحترامها؛ فلها من الحسب والنسب ما يجعل منها؛ اجتماعياًً، ذات قيمة أعلى، فأبوها المهلهل بن ربيعة، وعمها كليب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد تغلب.
99
98
2024 يوليو 297 / العدد
القيم الجمالية في مسرحية (مجلس الحيرة)
Made with FlippingBook Digital Publishing Software