سوق الكتب
إله اللا شعور: الإنسان والبحث عن المعنى النهائي
تسميته «النية المفرطة». أما العيش من أجل قضية أوشخص فتنتج عنه السعادة تلقائياًً. يتزايد الفراغ الوجودي في العصر الحديث، فلم تعد التقاليد والقيم تخبر الإنسان بما يجب أن يفعل، وقد يتسبب ذلك في الانحدار إلى «الامتثال»، أي فعل ما يفعله الآخرون، أو ًًا «الشمولية»، وهي فعل ما يريد منه الآخرون أن يفعل. وأخير قد يتسبب هذا الفراغ الوجودي في عصاب ذهني المنشأ. فالضحية تصبح سهلة لذلك الفراغ إن خضعت لتلقين عقائدي اختزالي؛ كأن يخبرها أحدهم أن الحياة ليست سوى عملية احتراق/أكسدة، القيم ليست إلا تشكيلات رد فعل وآليات دفاع، والإنسان ليس سوى آلة كيميائية حيوية معقدة. لا تشكل تلك الافتراضات حاف از عظيما للحياة، أليس كذلك؟ ليس مفاجئا إذن أن ينتشر في عالمنا اليوم الثالوث العصابي الجماعي: الاكتئاب، والإدمان، والعدوانية. إن القول بضرورة إيجاد معنى يستدعي إيضاح أن المعنى شيء يجب اكتشافه وليس منحه أو اختراعه، مثلما أوضح علماء نفس الجشطالت أن «إرادة المعنى» خاصية فطرية من خصائص العقل، بينما يؤكد فرانكل أن الإنسان لا يسعى إلى إدراك بيئته فقط باعتبارها كلا له معنى، لكنه يسعى إلى إيجاد تفسيريكشف أنه فرد له هدف يحققه، يقوده الضميرويوجهه في ذلك المبحث، أو كما قال إجمالا ًً: «العلاج بالمعنى، إذا جاز التعبير، ثلاثي البؤرة، ويركز على ثلاث حقائق أساسية للوجود الإنساني: هناك إرادة المعنى،
التفسير الثالث فهو اعتبار إله اللا شعور قوة غير شخصية فاعلة في الإنسان، بحيث لا يعود التدين اللا شعوري مسألة اختيار وقرار، بل عملية ترتبط باللا شعور الجمعي البدائي كما قرر يونج. لا يجد الملحدون غضاضة في الاعتراف بذلك «التسامي» دون تسميته ربا بالضرورة، وهو ما يمكن أن نعيد إليه أصل الضمير بوصفه ب ُُعدا عاب ار للبشر. يخلص فرانكل إلى أن الدين وجودي في المقام الأول؛ يُُلزم الإنسان نفسه به باختيار حر، لا تدفعه إليه غريزة ولا طبيب ًًا نفسي، بل يجب أن يكون عفويا بالكامل، ويجب ألا يُُدمج عمد بالعلاج النفسي بأي حال. العلاج بالمعنى في سياق آخرأبحاثه عن العلاج بالمعنى انتقد فرانكل نظريات الحافز السائدة؛ فالإنسان لا يتحرك أساسا لتخفيف التوتر الداخلي بإشباع احتياجاته وإرضاء غرائزه، لكنه بالأحرى يهتم بشيء أو شخص في العالم غير نفسه، أو ما يُُسمى «التسامي الذاتي». «لذا يتميز الإنسان في الأصل ببحثه عن المعنى وليس ببحثه عن نفسه. كلما نسي المرء نفسه من أجل قضية أو شخص آخر كان أكثر إنسانية. وكلما انغمس الشخص في شيء أو شخص آخر غير نفسه، أصبح نفسه حقاًً.. تأمل العين؛ إنها متسامية ذاتيا بطريقة ما، في اللحظة التي تدرك فيها شيئا ما عن نفسها تتدهور وظيفتها.. لا ترى العين عادة أي شيء عن .) 4 نفسها إلا في حالات المرض»( الفراغ الوجودي
عقلاني وغير منطقي، أو ما يمكن تسميته: «فهم قبل أخلاقي للمعنى»، فالضمير يستهدف ما يجب أن يكون وليس ما هو كائن بالفعل، فهو حدس في المقام الأول؛ يهتم بالاحتمالات بدل الوقائع، كالحب تماماًً، ومثل الحب هو فردي وشخصي أيضا ًً. «ومع ذلك، لا يتجذر الحب والضمير الأخلاقي وحدهما في الأعماق العاطفية والحدسية وغير العقلانية للا شعور الروحاني، ولكن ما يمكن تسميته الضمير الفني أيضا ًً، وهكذا يكون للأخلاق والجماليات كذلك أساس وقاعدة داخل اللا .) 2 شعور»( وكما يظهر الضمير كنموذج لكيفية عمل اللا شعور الروحاني، نجد نموذجا آخر في الأحلام بوصفها إبداعات حقيقية للا شعور، لا ت ُُظه ِِرالعنصرالغريزي الذي تعق ََّبه فرويد في تفسيره للأحلام فقط. بل يوضح حالات أخرى باسطا أمثلة متعاقبة لأحلام مرضاه، فهاهو فرانكل يجد بواعث الدين في اللا شعور جلية في رموز مباشرة لأي محلل موضوعي، ولا يفوته التنويه عن خجل بعضهم من تدينهم خشية تحوله إلى موضع مراقبة من الآخرين، ما يجعله أقرب للعلاقة الحميمة التي يفضل صاحبها الاحتفاظ بها لنفسه. «إن احتمال كبت التدين لا يصبح مدهشا حين ندرك الصفة الحميمة المتأصلة في التدين الحقيقي. كما أن العثور أحيانا على زخارف دينية فاضحة في أحلام أشخاص غير متدينين ليس مستغربا ًً، لأننا رأينا أنه لا يوجد ليبيدو مكبوت ولا شعوري .) 3 فقط، ولكن يوجد تدين مكبوت ولا شعوري أيضاًً»( تسامي الضمير في علاقة الكائن البشري مع «التسامي» قد يسمي الإنسان هذه المرجعية اللا شعورية «إله اللا شعور»، ويمكن تفسير ذلك التعبيربثلاث طرق رئيسية. في الأولى يمكن أن ي ُُساء فهمه على أنه وحدة الوجود؛ الرب داخلنا ويسكن لا شعورنا. والتفسير الخاطئ الآخر هو أن ننسب صفات إلهية كلية المعرفة إلى اللا شعور فيما يشبه القدرات التنجيمية الميتافيزيقية. أما
فيبي صبري بعد أن قضى ثلاث سنوات في معسكرات الاعتقال النازية وجد ڤيكتور فرانكل - الطبيب النمساوي اليهودي - نفسه مؤهلا لوصف طريق النجاة بأنها من أقسى التجارب وأصعبها، بل أصبحت مساعدة الآخرين للعثورعلى «المعنى» في أعمق الظلمات هي أساس نظريته الجديدة في العلاج النفسي، أو ما أُُطلق عليه: «مدرسة ڤيينا الثالثة للطب النفسي.. العلاج بالمعنى». بداية يعلن فرانكل اتفاقه مع أرتور شنيتسلر، شاعر ڤيينا، على الفضائل الثلاث الأساسية التي اعتمدها الأخير: الشجاعة والموضوعية والشعور بالمسؤولية، ومن ثم يخصص لكل منها إحدى مدارس العلاج النفسي التي نشأت في النمسا. مثلاًً، فضيلة الشجاعة تناسب سيكولوجيا أدلر القائمة على تشجيع المريض للتغلب على مشاعر النقص التي يشعر بها، أما فضيلة الموضوعية التي يراها مناسبة لفرويد فقد مك ّّنته من «النظر في عيني أبي الهول - نفس الإنسان - وحل لغزه في مواجهة خطر اكتشاف أبشع». لكن الموضوعية المفرطة حوّّلت الإنسان إلى آلة بشرية، والمعالج هو التقني الذي يستطيع إصلاح العطب بها، واختزلت الظواهر النفسية إلى دوافع وغرائز، فأضفت على الوجود الإنساني طابع الكبت؛ إذ صار «مدفوعاًً» بصورة جبرية من قبل قوى فسيولوجية ونفسية تشك ّّل مصيره. هنا يأتي دور«التحليل الوجودي» الذي اضطلع به فرانكل؛ إذ يركز على استقلالية الوجود الروحاني، دون دلالة دينية، وهو يقصد بالروحاني ما هو إنساني، لذلك تنطبق فضيلة المسؤولية على مدرسة التحليل الوجودي. ، 1938 «حين قدمنا مصطلح التحليل الوجودي في عام قدمت الفلسفة المعاصرة كلمة «وجود» للإشارة إلى هذا .) 1 النمط المحدد الذي يتميز أساسا بالمسؤولية»(
وهناك معنى في المعاناة، وهناك حرية الإرادة، وبالنسبة إلى البؤرة الأخيرة، حرية الإنسان في الاختيارلا تتعلق بحرية اختيار طريقة عيش المرء فقط، بل حتى طريقة الموت» كاتبة وروائية مصرية الهوامش والمراجع: - إله اللا شعور: الإنسان والبحث عن المعنى النهائي، 1 تأليف: ڤيكتور إيميل فرانكل، ترجمة: عبد المقصود . 17 عبد الكريم. القاهرة، دارآفاق للنشروالتوزيع. ص
يدل الافتقار إلى المعنى على سوء التوافق العاطفي، ولأن فرويد وأدلر اضطرا إلى التعامل مع مرضى عصابيين - إرادة المعنى محبطة لديهم - يكون من المفهوم أنهما اعتقدا أن الإنسان مدفوع بمبدأ المتعة والسعي إلى التفوق على التوالي، بينما اللذة هي الأثر الجانبي للعيش نتيجة للتسامي الذاتي للوجود. كلما جعل المرء السعادة هدفا أخطأ الهدف وأصابه الإحباط، فيما يمكن
. 31 - المرجع السابق نفسه، ص . 42 - المرجع السابق نفسه، ص . 70 - المرجع السابق نفسه، ص
التحليل الوجودي للضمير تعتبر ظاهرة الضمير نموذجا للا شعور الروحاني، فهو غير
101
100
2024 مارس 293 / العدد
إله اللا شعور: الإنسان والبحث عن المعنى النهائي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online