torath 293 - Mar - 2024

تراث النغم

تعلم الموسيقى العربيّّة باللغة العربية

ِرت صفحات طِِوال عن �ِّ منذ مصنّّفات الفلاسفة اليونان، س ُُط مقاربة الموسيقى بصفتها علما رياضياًً، والغناء بصفته ظاهرة لُُغوية. فالموسيقي «بكسر القاف والياء المنقوطة المُُعج ََمة في آخرها» علم يختص بقياس نسب الأبعاد النغمية، واهتزاز الموجات الصوتية، والتآلفات على أطوال الأوتار، والأزمنة المتخلّّلة من المد إلى الرنين حتى الصمت. فهو علم طبيعي بحت ٌٌ، يفيد النغم، ويفيد هندسة البناء، والطب، والمواقيت، والنجوم والأبراج، ومنازل القمر، وما يت ترّّب عليها من فائدة في النقل البرّّي والبحري/ في الأزمنة القديمة، والجوّّي في زماننا/ وغير ذلك علوم كثيرة تنفع في السلم والحرب. أما «الألحان» المستعملة في التلاوة والغناء، فهوأظهرما يصنع الناس بهذه الاهتزازات الموجية، والأزمنة المتخلََّلة بينها. وليس ٍ مصحوب �ٍّ القصد بـ «غناء» ما نعرف اليوم، بل كل منتج نغمي بكلام، أو دونه كالت نرّّم بالصوت أو أي آلة من آلات الطرب. نقل العرب عن اليونان العلم الأوّّل، وأكملوا من حيث انتهى الأوّّلون. أما العلم الثاني، فلم يجد العرب عند اليونان ما يلائم أقل القليل، فنقلوا عنهم نظرياتهم عن الألحان ا مزاجهم إلّا الثمانية، وعن الأوزان، لكنهم أدركوا استحالة تطبيق أغلب هذه النظريات على المزاج العربي/ لسانا وبيئة. باستفاضة موجزة: طوّّر علماء الحضارة الإسلاميّّة/ في علم الموسيقى/ قياسات النسب التأليفية والتردّّدات الموجية وحساب الزمن وسائر ما يتعلّّق بهذا العلم من الرياضيات. طوّّروا هذا بما اكتشفوا بعد استيعابهم ما بدأ الإغريق، فأثروه وكم ّّلوه باكتشافاتهم وما وصلوا إليه في سائر هذه الفروع. ووزناًً: فبعد ا � أمّّا ما يتعلّّق من هذا العلم بالألحان، نغم استيعابهم ما وصلت إليه الحضارات السابقة عليهم، وجدوا أن أغلب هذه الأنظمة، كما سبق الذكر أعلاه، لا ت ُُست ََوعب في اللسان العربي. فمن روايات الإخباريين، كما ورد في «كتاب الأغاني» مثلاًً: حكاية عن اجتماع أهل النغم في منزل سكينة بنت الحسين في المدينة المنورة، لابتكارمصطلح واحد «نظرية نغمية» يحكي به أهل النغم في طرق الأصوات «أي المقامات». ثم ابتكر الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض في القرن

للماضي. للنغم الفصيح في ديارنا قوانين وقواعد تختلف تماما عما يُُدرََّس في مؤسسات تعليم النغم في ديارنا. وللأبعاد بين النغمات منطق آخر، لا يمكن توحيد قياسها لأنصاف وأرباع. فهي كقواعد التلاوة من حيث اللفظ، تفخيما وترقيقاًً، تنجذب النغمات لبعضها بعضا حسب مكانك من اللحن. وللقياس نموذجاًً، إنما ليس سكة حديد لا يسار خارجها، تماما كما لقواعد اللفظ أحوال تشذ عن قاعدتها. أليس هذا المعمول به في قواعد القراءة والإلقاء والتلاوة والتجويد؟ لقياس الزمن ودورات الإيقاع قوانين غير المعمول بها في البناء اللحني الرأسي. فالقياس في نغمنا يعتمد على وزنين، وزن الدورة الإيقاعية، في حال كان اللحن منظوما على دورة إيقاعية، ووزن آخر، يخص تفعيلة اللفظ، قسمة الكلام على اللحن. فقد يؤو ّّل اللحن الواحد، الذي يبدو بسيطا ًً، إلى المئين من التأويل والتفصيل، إذا اختلفت مفاعيل الكلام الم ُُراد عليه. ويُُطب ََّق هذا قياسا على اللحن الآلي الذي لا غناء فيه. أما إذا كان اللحن منثوار «أي مُُرسلا دون دورة إيقاع»، فلا يعني هذا خلوّّه من الوزن، بل خلوّّه من انتظام الضرب، فالوزن موجود والإيقاع كائن، إنما تتجلى فيه مفاعيل الكلام فتصبح هي الإيقاع. هذه قوانين وقواعد، الرأي أن أي دارس للنغم عليه معرفتها، حتى إذا أراد بعد هذه المعرفة، مخالفة هذه القواعد في أي مراس نغمي عامّّي أو شائع يريد العمل به. تماما كأي شاعر ينظم الشعر العامي بأي لغة دارجة، وإنما تجري أوزان الشعر في دمه قبل أن يتلقاها دراسة. هذان مدخلان إلى فكرة إعادة تدريس ودراسة النغم العربي باللغة العربيّّة، أما القواعد فإنها أكثر تفصيلا من هذا. وأما النتيجة، فوعي بالإرث الحضاري لأمتنا، حتى إذا أُُريد غناء القديم، أُُنش ِِد بروحه. وإذا أُُنتج منه الجديد، كان جديدا معاص ار يحكي طموحات هذه الأمة، وينمو مع سائر نواحي العمران التي نأمل جميعا ازدهارها. عمل نرجوه يوما ما (قُُل عََس ََى أََن يََكُُون قََرِِيباًً) في أن تتبنّّاه مؤسسة مستنيرة تضمن له البقاء، فهو بالمثابرة، مضمون النجاح والازدهار

بعد وقوع أغلب المنطقة العربية تحت سيطرة الاستعمار الغربي. وكما هو معلوم يحاول المهزوم (نحن العرب) امتصاص الهزيمة بتقليد الغالب، فأُُخِِذ علم الغالب وتقنياته الحديثة نقلا لا عقلاًً. فأصبحت الأمة مستخدمة للعلم والتقنية، وقلّّما أنتجت فيهما. في النغم: أصبح التطو ّّر مرادفا للاستيراد، حتى اختفى نغمنا الفصيح أوكاد عن التعلم، وهوحديث ذوشجون، فالنغم ظاهرة لسانية، وإنما لم يُُستوعب هذا الطرح في أغلب المؤس ّّسات التعليمية. فرغم اهتمام بعض هذه المؤسسات، بتدريس العربية، لسانا وأدباًً، فإن النغم تُُرِِك فريسة، كأنما هو كبش الفداء لتراجع مكانة اللغة العربية. وأصبح تعليمه بما سمّّوه نظاما عالمياًً. وإنما هو النظام السلّّمي المستعمل في النغم الأوروپي الفصيح «الكلاسيكي» وما تفرّّع عنه من فنون عامية واستهلاكية في ديارهم. والنتيجة، غناء ظاهره وطني، كلماته حماسية، ونغمها بنفس نظام من استعمر أغلب هذه المنطقة وآلاتها. بل، وفي منتصف القرن العشرين، نمت بعض الأغاني الرافضة للاستعمار، وإنما تغنّّى بنغمه الغريب، كأنها رسالة من السماء أن الآفة الكبرى في استعمار الفكر. نحاول في هذا الطرح، إحياء تعلّّم هذا النغم بلسانه «اللغة العربيّّة»، ليس بتعريب المصطلحات الإفرنگية، كما فعلت بعض المؤسسات التعليمية في بلادنا، إنما بالعودة لهذا الإرث العلمي عند علماء الأمة، واستيعابه، ثم تعليمه، فينشأ من يريد تعلّّم النغم، تماما كما ينشأ العالِِم باللسان العربي الفصيح. فللنغم العربي الفصيح قواعد وأساليب، تماما كالكائن في اللسان العربي. تفرّّعت عنه لهجات عامية عديدة، لكن بقي اللسان الفصيح موجودا في الوعي الجمعي. نعاني ما نعاني فيه من ضعف عند أغلب الأمة، لكن ثم من يبعثه دوما ويحافظ عليه. أما لسان النغم العربي، فأغلب انتباه من انتبه إليه، كان تأس ّّفا على زمن ما يحن إليه، أو قل ّّة الغناء بالفصيح. فكثر ٍ فصيح على نغم غير فصيح. ليس هذا عن �ٍّ ٍ شعري �ٍّ الغناء بنص عدم وجود رغبة عند أهل النغم في إحياء ثقافتهم وتطويرها، بل بسبب اختلاط فهم للهوية النغمية، كأنما هي حنين

مصطفى سعيد عازف وباحث في علم النغم

الثاني الهجري. أفاد ضبط مصطلحات طرق الأنغام كل ما يُُحتاج إليه فيه، من تلاوة القرآن، مرو ار بحلقات الذكر، وصولا إلى سائر أشكال الغناء الفصيح والعامي. وأفاد علم العروض/ رغم أصل كونه للشعر، والذي ابتكره الخليل وكان عالما بالـ «مُُوس ِِيقى»/ في ضبط الأزمنة، وقسمة الكلام على النغم، وما تطو ّّر عنه من دورات إيقاع بسيطة ومرك ّّبة، فأفاد هذا في كل عمل جماعي من حلقات الذكرمرو ار بالغناء/ فصيحا وعاميا ًً/ وصولا إلى ضبط حركة الجند في الجيوش. ازدهر النغم عملا وازدهرت الموسيقى علماًً، استوعبت الحضارة الإسلامية ثقافات عدة، فاختلطت المصطلحات من الألسن التي اتخذت النظام المقامي عملا لها، مثل: الفارسية والتركية. حين تراجعت مكانة الحضارة الإسلامية بين الأمم، تطبيقا لمنهج ابن خلدون، كان النغم أول ما تراجع، فهو أول ما ينحدر بانحدار العمران «أي الحضارة». وتراجع النظر في علم الموسيقى مع تراجع دراسة سائرالعلوم عند الأمة، ناهيك عن تطويرها. اليوم، مع هذه الصحوة الحضارية، التي نرجوها لأمتنا، وتبدو لنا بوادرها، عاد النغم للازدهار، فهو آخرما يزدهرمن العمران مر نغمنا منذ قرن ونصف القرن بمراحل عديدة، فمن ازدهاره، خصوصا في البلاط الخديوي بحاضرة بر مصر، في القرن الثالث عشر الهجري إلى التاسع عشر الميلادي، إلى صدمة حضارية سبّّبتها إدراكنا للفجوة التقنية والفكرية، خصوصا

105 2024 مارس 293 / العدد

104 تعلم الموسيقى العربيّّة باللغة العربية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online