جواهر الحكم
مُُعْْظم المبادئ والرُُّؤى العالمية في بناء الذات مُُنذ أكثر مِِن خمسة عشر قرناًً، وإِِذا كُُنََّا نََرََى أََن دول العالم تََتََّج ِِه الآن جميعُُها فِِي تسابق نحو التنمية البشريةِِ؛ فإِِن ذلك الأمر لََم يََكُُن جديدا علينا نحن العرب؛ ذلك أََن العرب كانوا يطلبون الوصية بأنفسِِهم مِِن حُُكََمََائِِهِِم رََغْْبة منهم في تدريب الذات على الاعتدال وحفظ الن ََّف ْْس م ِِن الت ََّخ ََب ُُّط والش ََّط ََط ِِ. ومِِن أمثلة ذلك مََا جََاء أََن النعْْمََان بن حُُميْْضة الْْبََارِِقي كََتََب ِل لنا مِِثََالا نََأْْخُُذ بِِه فََقََال أكثم، �ِّ إِِلََى أََكْْثََم بن ص ََيْْفِِي أََن مََث واس ْْتََرْْس ََل ف ِِي القول، ومنه: «رُُب سامع بِِخ ََبََرِِي لم يسمع بِِع ُُذ ْْري، كُُل زََمََان لِِمََن فِِيهِِ، ... تََبارُُّوا فََإِِن الْْبر يََنْْمََي عََلََيْْه الْْعدََد، كفُُّوا أََلْْس ِِنََتََكُُم فََإِِن مََقْْتََل الرََّجُُل بََين فََك ََّيْْهِِ، إِِن قََول الْْحق لم يََدََع لي صديقاًً... س ََتُُس ََاق إِِلى مََا أنت الَاٍقٍ، فِِي طلب الْْمََعََالِِي يكون الْْعِِز ُُّ، الاقتصاد فِِي السعي أََبْْقى للج ََمام... مََن قنِِع بِِمََا هُُو فِِيه َمر خير مِِن أََن تُُص ْْبح ع ِِنْْد ذََنََبه... �َ قََرََّت عينه، أََصبح ع ِِنْْد رََأْْس الْأ تغضبُُوا ع ِِنْْد ا م، البََط ََر ع ِِنْْد الرََّخ ََاء ح ُُمق، ل َا ا َع ْْل َا �َ الوحشة ذ ََه ََاب ال ْأ يُُض ْْحك مِِنْْهُُ، ا تََض ْْح ََكُُوا مِِمََّا لَا ا الْْيََس ِِير... فََرُُبََّمََا جََنََى الْْكثير، لَا ح ِِيلََة لََه الص ََّبْْر، كونُُوا ج ََمِِيعا فََإِِن الْْجمع غََالب... ا ح ِِيلََة من لَا رُُب عجلة تهب ريثا ًً... الم ِِك ْْث ََار كحاطب الل ََّي ْْل، من أ ََكثر أسقط، ِ مََكََان مََظْْلُُوم، عاقِِدوا �ِّ تفََرََّقُُوا فِِي الْْقََبََائِِل فََإِِن الْْغََرِِيب بِِكُُل ا ل َا ِغ غير �ِّ ِلََّة مََع الْْقلََّة ِِ...الرََّس ُُول مُُبََل �ِّ الثروة وََإِِيََّاك ُُم والوشائظ فََإِِن الذ مََلُُوم، مََن فََسدت بطانََتُُه كََان كََمََن غُُص بِِالْْمََاءِِ، أََس ََاء س ََمْْعا
ف ََأََس ََاء جابة ًً، الد ََّال على الْْخ ََي ْْركفاعله، إِِن المسألة م ِِن أََض ْْع ََف المك ْْس ََبََة... مََن ش ََد ََّد نََف ََّر وََمََن ترََاخى تََأََلََّف، الس ََّرْْو التََّغ ََافُُل، ُم ُُورتََرْْك الف ُُض ُُول، الت ََّغ ْْرِِير م ِِف ْْتََاح �ُ أََوْْفََى القََوْْل أََوْْج ََزُُه، أََص ْْوب الْأ ِ ش ََي ْْء ض ََرََاوََة... ح ُُب �ِّ الْْبُُؤْْس، التََّوََانِِي وََالْْعجز يُُنْْتِِج ََان الْْهََلََك ََة، لِِك ُُل تََكْْرََه س ُُخ ْْط ا تُُبْْلغ فََلَا ا الْْمََدْْح رََأس الض ََّيََاع، رِِض ََا النََّاس غََايََة لَا . ) 2 ( مََن رِِضََاه الْْجََوْْر» فهذه كلمات لا تََتََش ََبََّث ببقاء، تدعو إِِلى البر وتُُؤمن بالقدرِِ، ِ والاجتهاد، تندب ذهاب الصفوة وأصحاب �ِّ تحث على الجد الرأي، كما تُُؤكد على الانتقاء وحسن الاختيار، تدرك أهمية ِرات؛ ذلك أََن النتائج لََن تنزل منزلا �ِّ صلاحية المُُدْْخلات والمُُؤََث أََدْْنََى وََلا أََنْْأََى مِِنْْها، كما أََنها تُُحارب التسوُُّلََ، وتدعم اللين، ِ شيء، وأََن �ِّ ِه على النسبية في كل �ِّ والإيجاز في الكلام، وتُُنب الكمال لله وحده، هكذا تكون بعض المهارات الإِِنسانية التي الأ ُُم ُة العربية بأََنها أُُم ٌة ذات تُُراث ق ََو ْْلِِي امتازت عظيم ٍٍ، وأن التركة الحقيقية هي ما ت ََر ََك ََه العلماء والحكماء والشعراء وما خل ََّفت ْْه التجارب وثبت نفع ُُه، وقد ت ََر ََك العرب ت ُُراثا م ِِن الكلمات أ ََق ْْو ََى مِِن المال والسلاح والعتاد
ٌٌوََص ََايََاالْْعََرََب وََح ِِكََمُُهُُم جُُمََل قََصِِيرََة وََمََعََان ثََمِِينََة
وقد جاء فيها «يا بني إِِن أباك قد فني وهو حي ٌٌّ، وعاش حت ََّى سئم العيش، وإِِني مُُوصيك بما إِِن حفظ ْْتََه بََلََغْْت في قومِِك ما بلغْْتُُه، فاحفظ عني، أََلِِن ج ََانِِبََك لقومك يُُحبّّوك، وتواضع لهم يرفع ُُوك، واب ْْس ُُط لهم و ََج ْْه ََك ي ُُطيعوك، ولا ت ََس ْْت ََأ ْْث ِِر عليهم بشيء ِدوك، وأََكْْرم صغارََهم كما تكرم كبارهم، يُُكْْرِِمْْك كبارهم، �ِّ يسو وََيََكْْبََر على مودتك صغارُُهم، واسمح بمالِِك، واح ْْم ح ََرِِيمك، وََأََعْْزِِز جارََك، وََأََعِِن مََن استعان بك، وأكرم ضيفك، وأََسرع النهضة في الصريخ؛ فإِِن لك أََجلا لا يََع ْْد ُُوك، وََص ُُن وجهََك ع ََن . ) 1 ( مسألة أحد شيئاًً، فبذلك يتم س ُُؤْْدُُدُُك ََ» فََهََكََذا حََمل تراثُُنا العربي، جُُمََلا قصيرة ذات معان ثََمِِينََةٍٍ، جاءت لتصنع إِِنسانا وتخلق مُُج ْْتََمعاًً، يبتني على لين الجانب ِِ، والتواضعِِ، وبسط الوجه، وإكرام الصغار، وإغداق المال، وحماية النساء بإكرامهن وحفظ حُُقُُوقهن، وإعزاز الجار، وإكرام الضيف، وإِِجابة المُُس ْْتََغيث والملهوف، وعدم السؤال، ِي ََادة �ِّ ف ََم ََن ضمن أََن تََج ْْت ََم ِِع فيه أو له هذه الخصال ُُ، ض ََمن الس والمكانََة الراقية بََين أََهْْلِِه. وتدور كثير من الكتب المُُص ََنََّفة حاليا في بناء الذات والتنمية البشرية، العربية منها والمترجمة حول مُُحتوى كثير من تلك الح ِِكََم والوصايا؛ ذلك أََن النظرة العربية القديمة قد سبقت
محمد محمد عيسى ٍ عظيمٍٍ، وأن �ٍّ امتازت الأُُمة العربية بأََنها أُُمة ذات تُُراث قََوْْلِِي التركة الحقيقية هي ما تََرََكََه العلماء والحكماء والشعراء وما خلََّفتْْه التجارب وثبت نفعُُه، وقد تََرََك العرب تُُراثا مِِن الكلمات أََقْْوََى مِِن المال والسلاح والعتاد، تركوا ميراثا ِ المواقف ِِ، مََتى أُُح ْْس ِِن اس ْْتِِخ ْْد ََامُُه؛ أََتت ثِِمََارُُه �ِّ يُُستََغ ََل فِِي كل يانعةًً، وقد ج ََرََت الكلمة العربية العالية على أََلسنة العرب الق ُُد ََام ََى، أََرْْس ََلُُوها نث ار وشع ارًً؛ ف ََج ََاءََت ف ِِي وََص ََايََاه ُُم وح ِِك ََم ِِهم وََأََمْْثََالِِهم. وََأََتََى ح ََكِِيم العرب بِِمََا لََم يََأْْت به نُُظ ََرََاؤه مِِن الأُُمََم الس ََّابقة واللاحقة، سبق بِِأقاوِِيلِِه الموجزِة مُُتُُون أََسََاطِِين التنْْمِِية البشرية فِِي العالََمِِ، وََس ََعََى إِِلى تََعْْلِِيمِِهََا، كََمََا س ََعََى إِِليه أََبناء العربية مِِن قََلِِيلي الخبرة يََطلُُبون الوصيةََ. كََثُُرت وََصايََا العربِِ، وََعََلََى الرََّغْْم مِِن كثرََتِِهََا؛ فإِِن مِِنْْها مََا ِ�ِّ بََدََا أََكْْثََر تََعْْليما وتََدْْرِِيباًً، وتََأْْدِِيبا وََنُُصْْحا وإِِرشََاداًً، وََمِِن أََهََم هذه الوصايا، وصايا الآباء للأبْْناءِِ، كََما فِِي وصية ذِِي الإصبع العدواني لابنه أسيد، وقد ضمن له إِِن مََن حفظ تلك الوصية وعمل بما فيها أََن يستقيم له س ُُؤْْدُُدُُه، ويبلغ فِِي قومِِه مََبْْلََغََه،
107
106
2024 مارس 293 / العدد
ٌٌ
وََص ََايََاالْْعََرََب وََحِِكََمُُهُُمجُُمََل قََص ِِيرََة وََمََعََان ثََمِِينََة
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online