torath 293 - Mar - 2024

تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..

عادات رمضانية تنمو عبر التاريخ عن التدخل في الصيام من حيث كونه عبادة ا � وبعيد مخصوصة بأحكام محددة، تفاعل ظهور العادات والتقاليد المتعلقة برمضان تفاعلا ذاتياًً، انطلاقا من طبيعة الشهر الكريم، ومن السنن والآداب المتعلقة به، مثل تحرّّي رؤية الهلال، والمكوث في المساجد ما أمكن من وقت للصلاة وقراءة القرآن والاعتكاف، وتقديم وجبات الإفطار وموائده للصائمين والقاصدين، وإنارة المساجد وتزيين الشوارع والطرقات، والتفنن في إعداد ألوان الطعام والحلويات والمشروبات، التي ارتبط بعضها بالشهردون غيره، إلى غيرذلك من وجوه الاعتناء والاحتفاء والتعظيم. وتوالى المسلمون في الأصقاع كلها وعلى مر السنين بالعناية بهذه العادات والتقاليد والشعائر والسنن والآداب المميزة للشهر، واحتفاء كل بلد حسب إمكاناته، والتوسعة على الأهل بأقصى ما يتوافر من سعة. وسرى هذا الحال الرمضاني على مدى العصور المختلفة، وتلونت في بعض البلدان بألوان خاصة أحيانا دون المساس بعبادة الصيام، غير أنها حافظت على البقاء مشتركة في مختلف بلاد المسلمين معظم الأحيان. فنرى التلون قد أصاب استقبال الشهر وكيفية تحرّّي هلاله، والوسائل المتّّبعة لإشهار ثبوته، وكيفية إكرام الضيوف الصائمين، وأنواع الأطباق المقدََّمة، وكثرة العناية بها في رمضان دون غيره من الشهور، كما أصاب نظام الصحو ليلا للسحور، إلى غير ذلك مما رس ََّخ لرمضان عاداته وتقاليده، ولو ََّن الحياة الاجتماعية فيه. ولو تتبََّعنا بعض العادات التي ارتبطت برمضان لنجد أنها عادات موروثة، لكنها تشهد إضافات وتطورات محكومة بتطور

خصوصية رمضان وألقه تميز شهر رمضان عبر التاريخ بما شهده من الأحداث التاريخية الكبرى التي غيّّـرت معالم الحياة وأسهمت في تشكيل خريطة الوجود البشري على الأرض؛ فقد أُُنزلت التوراة على سيدنا موسى عليه السلام في شهر رمضان، وفيه أُُنزل الزبور على سيدنا داوود عليه السلام، كما أُُنزل فيه الإنجيل على سيدنا عيسى عليه السلام الذي رُُفع في رمضان كذلك، وفي رمضان بدأ نزول القرآن الكريم، آخر الرسالات السماوية، على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. كما شهد رمضان العديد من الفتوحات الإسلامية الكبرى، مثل غزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، ومعركة عين جالوت، وفي رمضان تم فتح الأندلس. ورغم مرور السنين، وتعاقب الأجيال، وتغيّّر كثير من مفردات الحياة وتفاصيلها، فإن شهر رمضان يبقى حاملا تميّّزه وبريقه وألقه وخصوصيته، لا يأبه كثيار بما تنثره تقنية العصر، فله عاداته وأصالته وذكرياته، يتغيّّـر الناس، وتتغير عاداتهم، بينما هو باق ٍٍ، برسالته الأعلى قد ار ومكانة، وبمنهجه الروحي والمادي، الذي يكتسي بتفاصيله كلها بالإنسانية النابعة من أخلاق الإسلام، فيكسو حياة المجتمع برداء يسمو بالحياة في هذا الشهر فوق غيرها في بقية شهور السنة. فللشهر الكريم خصوصيته عند المسلمين منذ أن شرعوا بصيامه، إذ اهتم الناس به بالتكريم والتعظيم، وأداء الواجب المفروض فيه، والاستزادة بما يُُستطاع من النوافل وأعمال الخير. وغدا الشهر يمثل موسم عبادة؛ يقضي الناس نهاره بالصيام والامتناع عن كل ما يخدش نصاعة الطاعة، ويحيون لياليه بقراءة القرآن وتدارسه وحفظه وتدبّّره، وأداء صلاة التراويح، والاعتكاف لمن استطاع في العشر الأواخر من أيام، والتماس ليلة القدر.

رسوخ التراث ومواكبة العصر دون انحناء رمضان..

خالد صالح ملكاوي في مختلف بلاد العالم الإسلامية على تباعدها وتعددها، واختلاف ألسنتها وسحناتها، يستعيد شهررمضان، بروحانياته كل عام، عادات وتقاليد التصقت به لتُُميزّّه عن غيره من الشهور، ويحرص عليها المسلمون لتجس ّّد وحدتهم الدينية، وتعكس في بعض تفاصيلها هويتهم الوطنية، وتشكّّل في مجملها موروثا استعصى على الانحناء أمام التيارات المعاكسة، ليبقى لرمضان خصوصيته، وتبقى للشعوب الإسلامية عاداتها وتقاليدها، وتراثها المصون. ورغم ما أحدثته الحداثة من ثورة في حياة الإنسان، ورغم أن الأديان لم تكن محصنة ضد هذا التأثير، فإن العادات المرتبطة بالصيام في شهر رمضان الكريم لم تتأثر، ولا يمكن أن تتأثر، وما من شك في أن رمضان ما زال، وسيبقى، محافظا على جوهره في عبادة الصيام المخصوصة بأحكام معروفة، ومصحوبا بجملة السنن والآداب والعادات والتقاليد التي رافقته منذ وقع التكليف بصيامه، مثل تحري رؤية هلاله، والاستزادة بأداء الطاعات في أيامه، والتي طرأت عليه تبعا للتطورات التي يشهدها كل عصر في انعكاس للحياة الاجتماعية التي تسود، مثل طقوس استقباله وإحياء لياليه، وتلو ّّن موائده، وانتشار مجالسه.

11

10

2024 مارس 293 / العدد

رمضان.. رسوخ التراث ومواكبة العصر دون انحناء

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online