torath 293 - Mar - 2024

جلساء التراث

ليئة وراحيل.. ويوسف التوراتي ) 4 ( من البداية يوضح المؤلف «ناجح المعموري» أن انشغاله ) 5 ( في كتابه «تأويل النص التوراتي» بأسطورة نبات «اللُُّفاح» نابع من كونها شكّّلت جانباًً، بل جوانب أساسية، من شخصية» ، وأنه بالبحث في الموضوع ) 6 ( يوسف التوراتي» ًًا توص ّّل إلى قراءة اقترحت مجالا ثقافيا جديد مع نبات ا � لشخصية يوسف أعادته، اقتران اللُُّفاح، إلى محيط الآلهة الشباب؛ الذين

وتم تشميس الآلهة، وهكذا حذا بكتبة التوراة حذْْو المنتج الثقافي السائد في مرحلة التدوين، لكن هذا الشطب الكامل لدورالأنوثة في الديانة الجديدة، لم يستطع الصمود أمام منظوم الألوهة المؤنثة، بل تراجع بوضوح تام في مراحل متأخرة جداًً، وتحديدا خلال التشكل السياسي الجديد في كنعان. القمح واللُُّفاح.. الرموز والتناظر

من خلال الأسطورة التوراتية، يتحدث الكاتب عن تنوع الرموز، وعن التناظر الثنائي ممثلا في القمح ونبات الل ُُّفاح، ذلك «أن ظهور القمح واستمرار دورته في الطبيعة حتى النهاية، والتي هي - النهاية - فتحت أفقا ثقافيا لصعود وتمركز رمز اللُُّفاح القمح نزوله ثانية | وظهوره للحياة بعد معاودة الإله الشاب ). وقد تبدّّت قراءة المعموري 7 إلى العالم الأسفل..» (ص للنص التوراتي مرفقا بالتأويل الأسطوري، عبر الفصول الأربعة للكتاب، اهتم الأول منها بلحظة لقاء يعقوب مع رحيله، عندما رحل إلى خاله لابان والاتفاق المبرم بينهما، وتضمن متابعة لانهيار سلطة الألوهة أيضا ًً، لكنها استعانت بثقافتها الجديدة

عرفتهم ديانات الشرق الأدنى القديم، وحصار الآلهة الش ََّابة القتيلة، ممثلا لها برموز عديدة أهمها نبات اللُُّفاح والعصا .) 5 والقمح» (ص والفقرة السابقة تعلن، بدْْءاًً، أن الكاتب يؤسس لدراسته موقفا بحثيا يتخذ من الأسطورة وعلاقتها بالنص - كما سنرى لاحقا - مدخلا للتأويل حيث العلامات الدلالية، التي تحدث عنها، اتسع أمامها عالم «التخصيب الرمزي»، في سياق سعي مقصود لتبيان قوة التشكل الأسطوري، وقداسة الجنس المقدس، الذي عرفته العديد من الديانات الشرقية، والكاتب هنا وفي لمنهجه في البحث، ولأطروحاته ولأفكاره التي تضمنها . ) 7 ( مشروعه البحثي، كما هي جلية في «عدد من كتبه» في هذا الكتاب يروي المعموري بعضا من العلاقات الأسرية داخل بيت يعقوب، ومنها علاقته بزوْْجتيه ابنتي خاله «لابان». الأولى: «ليئة»، التي كانت ولوداًً، والثانية: «راحيل»، التي كانت عقيماًً، وبسبب ذلك كانت هامشا في المجال الديني والاجتماعي، وإن لم تتغير علاقة زوجها يعقوب بها، وعلى خلفية ذلك ظل الصراع قائما بينهما، علما بأن راحيل حملت بعد استعمالها اللُُّفاح وأنجبت. من ناحية أخرى، يرى الكاتب: أن يعقوب أكّّد قدرته على الاتصال والإخصاب، لأنه رزق بعدد من الذكور، كما أكد الدور القبلي للبنية الذهنية السائدة، آنذاك، حيث مارست شطبا كليا على ثقافة الأنثى وسط عائلة يعقوب. ويذكر الكاتب أن النص التوراتي (سفر التكوين) لم يعرف أن واحدة من نساء يعقوب ولدت بنتا له سوى ليئة، وتكرس بذلك الإلغاء القصدي لمجال الأنثى وعطلها تماما في الأسطورة التوراتية. وأرجع ذلك لكون كتبة التوراة تأثروا بثقافة المحيط الحضاري الذي عاشوا فيه، حيث ظهرت الألوهية البطرياركية،

قراءة في كتاب «ناجح المعموري» دراسة لأسطورة الل ُُّفاح والهوية الكنعانية «تأويل النص التوراتي»..

قراءة النصوص التراثية القديمة إلى دراسة، وهي وإن كانت تأتي حاملة لمتعة معرفية، إلا أنها تفتح النقاش حول قبول نتائجها من عدمه، الأمر الذي يستدعي الوقوف، بل التأمل، في قضايا بعينها، خاصة تلك العابرة للأزمنة، وتوظف في كل عصر بطريقة مختلفة، وتعبّّر في الغالب عن علاقة الإنسان بالمكان. ومن بين القضايا المثيرة للاهتمام البحثي، تلك التي تشغل فضاء مشتركا بين الأساطير والمعتقدات، سواء أكانت هذه الأخيرة «نتاجا صاعدا من الأرض، كما هو بالنسبة ، أم «نازلا من السماء على النحو الذي يظهر في ) 2 ( للوثنيات» . ) 3 ( رسالات الأنبياء والكتب السماوية» سنتوقف هنا - قراءة - عند الجمع بين الأسطورة من منطلق حضورها لفهم نص ديني وتأويله، في إطارمحاولة جادة لمعرفة الآخر المختلف دينيا وتاريخيا وثقافياًً، مما يجعلنا ننظر إلى الكتاب الذي بين أيدينا برؤية مختلفة عن تلك التي طرحها مؤلفه، مع أنه بدا جليسا وباحثا متعمقا في مسألة تراثية، وقد ّّم تأويلا لها، ليس شرطا أن يكون صحيحاًً، بل ربما العكس من ذلك، إذا ما قرئت بعيدا عن التأويل.

خالد عمر بن ققه قراءة تراث الآخر تمثل حالة من التعارف المطلوب، سواء تعلق الأمر بالبحث عن المشترك أو حتى إذا كان الهدف منها معرفة المختلف، وتجنبه بقصد الحفاظ عن الذات والكينونة تارة، أو الاستعانة به لفهم بعض القضايا ولدعم مسائل خاصة تعبر عن الوجود ومتطلباته تارة أخرى. والقراءة التي نقصدها هنا هي تلك المتعلقة بالتراث الإنساني في عمومه، دون التوقف عند ثقافة بعينها.. إنها حديث المشترك والعام، ومع هذا فهي قادرة على أن تُُرينا «بعض ، خاصة حين تتحول إلى مُُنتج ) 1 ( العلامات الد ّّالة للمجتمعات» كتابي جديد، يبين لنا سلطان القراءة، ويكشف عن حركة التدافع في مسيرة الحياة البشرية، وما قد يصحبها من تراكم للأفعال، وما قد ينتج عنها من قيم جامعة أيضاًً. وفي السياق نفسه يمكن للقراءة أن تتعمق أكثر، وتصبح تعبي ار عن رؤية - أو رؤى النخبة لهذا الموضوع أو ذاك، وهذا حين تتحول

111

110

2024 مارس 293 / العدد

قراءة في كتاب «ناجح المعموري» «تأويل النص التوراتي».. دراسة لأسطورة اللُُّفاح والهوية الكنعانية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online