تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..
كل عصر، وليست بمنأى عن ظلال الحياة الاجتماعية التي كان يعيشها المجتمع المسلم؛ فإنارة المساجد في رمضان والعناية الإضافية بها شرع بها الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في عصر الإسلام الأول. وولائم الإفطار في رمضان كان المعز لدين الله الفاطمي أول من جعلها عادة لتكريم العلماء والفقهاء، وجعل غيرها في المساجد، ومثلها للفقراء والغرباء والمهاجرين طوال الشهر الكريم. كما أضاف الفاطميون عادة خروج الخليفة إلى رؤية هلال رمضان، مع العلماء والفقهاء، في موكب فخم تحُُف به حاشية كبيرة من الوزراء والأعيان والتجار، تتقدمهم مسيرات لآلاف الفرسان والجنود، ومئات العربات التي تحمل الشموع، فيما يحمل الناس المتجمهرون على جانبي الطريق الفوانيس، وقد ازدانت المحلات بالأنوار الساطعة. وشهد رمضان كذلك عادات أضافها الفاطميون، منها جلوس الخليفة بعد صلاة التراويح ليستمع إلى القراء والمنشدين والوعّّاظ والشعراء، إضافة إلى إقامة الزينات التي كانت تقتصر على الطرقات الواصلة بين الجوامع الكبيرة. كما أشاع الأيوبيون والمماليك عادة تعظيم الاحتفاء الرسمي والشعبي بالشهر الفضيل، وواصل العثمانيون ذلك بشيء من التلوين. واستمرت تلك التقاليد وازداد عليها قراءة صحيح البخاري في جامع الأزهر مع مطلع رمضان وختمه ليلة العيد في احتفال مهيب بحضور السلطان، وكذلك قضاة المذاهب الأربعة الذين صاروا، مع قاضي القضاة ورؤساء الصنّّاع والتجار، هم المعنيون دون غيرهم بإثبات رؤية هلال رمضان. ومدفع الإفطار الذي أصبح واحدا من أهم العادات الرمضانية التراثية المرتبطة بالشهر الكريم، وقيمة تاريخية في الموروث الإسلامي تناقلتها الشعوب منذ قرون عديدة. فقد كانت القاهرة أول مدينة ينطلق فيها هذا المدفع عن طريق المصادفة. وفي ذلك روايتان؛ إحداها أنه عند غروب أول يوم من رمضان عام هـ، أراد السلطان المملوكي خشقدم أن يجرب مدفعا 865 جديدا وصل إليه. وقد صادف إطلاق المدفع وقت مغرب أول أيام رمضان، وظن الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطارقد حان، فخرجت جموع الأهالي إلى مقرالسلطان تشكره على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها، وقرر السلطان المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذانا بالإفطار، ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحوروالإمساك. وتفيد الرواية الأخرى بأن بعض الجنود في عهد الخديوي
إسماعيل كانوا يقومون بتنظيف أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء القاهرة، وتصادف أن كان ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن الحكومة اتبعت تقليدا جديدا للإعلان عن موعد الإفطار، وأعجبهم ًًا ذلك، فأصدرت الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل أمر لاستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية. ورغم أن مدفع الإفطار بدأ عن طريق المصادفة في مصر، فإن دولا عديدة عملت على الإبقاء على هذه العادة التي أعجبت الصائمين، وباتت تقليدا ينقل حتى اليوم عبر المحطات التلفزيونية مباشرة عند حلول موعد الإفطار. تراث تحفظه القلوب وترعاه الحياة واليوم، ورغم كل ما حمله العصر من تقنيات لم تجف منابع التواد والتراحم والتكافل التي اكتسى بها رمضان منذ بدأ المسلمون صيامه، ولم تخفت عزائم المسلمين وهم يستعدون لأداء الطاعات مع استقبالهم الشهر الفضيل، ولم يتوقف المسلمون عن أداء صلاة التراويح، ولا التماس ليلة القدر، ولم يضعف اهتمام الناس بالتزيين والإنارة الاحتفائية بالشهر، ولم يضعف التواد والتراحم والتكافل، بل امتد في صوره إلى المبادرات والمشاريع الخيرية المحلية والدولية، ولم تتلاشى موائد الرحمن لإفطار الصائمين، بل ازدادت وانتشرت وصارت عادة اجتماعية تعكسها الخيم الرمضانية المقامة أمام البيوت وفي باحات المساجد، وزاد الاهتمام بالمجالس الدينية والمعرفية الرمضانية على المستويين الرسمي والشعبي، وانتشرت حتى غدت تقليدا متأصلا في بعض المجتمعات، كما هوالأمرفي المجتمع الإماراتي، إذ تشهد ليالي الشهرحراكا دينيا وفكريا وتواصلا اجتماعيا يحركه نخبة من العلماء والمفكرين المستضافين من مختلف الأرجاء من ضيوف صاحب السمو رئيس الدولة، ويحتضنه مجلس سموه، ومجالس كثير من المسؤولين والأعيان، إضافة إلى مجالس الأحياء المنتشرة في العديد من المدن. وكما هي حال رمضان في الإمارات، هي حاله في بقية الدول العربية، وفي مختلف الدول الإسلامية، حتى بين المجتمعات والجاليات المسلمة في بقية الأصقاع، إذ مازال الشهر يحتفظ بطقوسه الأصيلة، وعبق ذكرياته التي تلم شمل معظم الأسر، وتعظّّم قيمهم المجتمعية، ومازالت عادات الشهر الكريم تحتفظ بروحها، على الرغم من رياح التغييرالتي أصابت نواحي
حياتية عدة، ولايزال للمسلمين عاداتهم وتقاليدهم الرمضانية المتوارثة عبر الأجيال، وهي تعكس روح الأصالة، وتجسد قيم المحبة والتواصل الديني والاجتماعي، وتنم عن التجانس بين المجتمعات، وتظهر القيم الروحية التي تشك ّّل جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية. فالتغير الذي أصاب المجتمعات، ولحق بتفاصيل الحياة، وأث ََّر في علاقات الناس وتقاربهم الاجتماعي، سرعان ما يضعف تأثيره، حتى يكاد ينزاح، منذ أن تََهِِل تباشير الشهر الفضيل، ويحيي الناس استعدادا له ليلة النصف من شعبان في بعض المجتمعات وعلى رأسها المجتمعات الخليجية، فيتميز الشهر بالإحسان والتكافل الاجتماعي والتآزر الإنساني، وترتبط سلوكيات هذا الشهر وطقوسه، رغم تنوّّعها، بعادات توارثتها الأجيال، وحافظ الناس عليها، وتلتقي في طابع عام يجسّّد مفاهيم التسامح والإخاء والألفة والمودة التي نشأ معها وكبُُر أفراد هذه المجتمعات؛ فمع رمضان تكاد تكون الأجواء واحدة، فتتشابه معظم الطقوس ابتداء من استقبال الشهروصولا إلى وداعه، وهي تستعيد عادات مستمدة من الموروث الذي ما زالت روحه حاضرة. لكن كل هذا التشابه لم يمنع أن يكون ثمة تنوّّع في هذه الطقوس الرمضانية من دولة إلى أخرى، ليعطي
لكل بلد نكهة خاصة، وعلامة تميزه بالقليل عن البلد الآخر، لأن لكل بلد هويته الوطنية التي يعمل رمضان على الحفاظ عليها وإبرازها باحث وإعلامي مقيم في الإمارات المصادر والمراجع: . التغيير وآلياته في موروثاتنا الشعبية، جاسم محمد بن حربان، المنامة، وزارة 1 م. 2010 الثقافة والتراث الوطني، الطبعة الأولى، . رسالة في بركة رمضان، عبد الحميد حواس، القاهرة، الهيئة العامة لقصور 2 م. 2016 الثقافة، الطبعة الثانية، . رمضان والعيد عادات وتقاليد، محمد رجب السامرائي، أبوظبي، نادي تراث 3 م. 2002 الإمارات، الطبعة الأولى، م، أبوظبي، 2009 . مجلة التراث المعنوي، العدد الأول، السنة الأولى، سبتمبر 4 هيئة أبوظبي للثقافة والتراث. م، 2010 . مجلة الثقافة الشعبية، العدد الحادي عشر، السنة الثالثة، خريف 5 المنامة، أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر. م، مملكة 2016 . مجلة الموروث الشعبي الإلكترونية، العدد الثالث عشر، يونيو 6 .http://bahrainanthropology.blogspot.com/2016/06/2016.html البحرين . معجم رمضان، فؤاد مرسي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإصدار 7 م. 2013 الثاني،
13
12
2024 مارس 293 / العدد
رمضان.. رسوخ التراث ومواكبة العصر دون انحناء
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online