torath 293 - Mar - 2024

ًًتأملات في مستقبل التراث الرمضاني..

ثلاثين صفحة، مملوءة بمناسبات عادات وتقاليد وممارسات بشرية في أنحاء متفرقة من الخريطة الجغرافية الإسلامية، وفي المجتمع الإماراتي ثمة طقوس غذائية مرتبطة بمحطات زمنية على مدار اليوم. بدءا من وجبة السحور، مرو ار بوجبة الإفطار، وبينهما فترة الاستعداد للمائدة الرمضانية؛ سواء على صعيد البيت الواحد، أو على صعيد الفريج «الحي» بمساهمة الجيران في المائدة الرمضانية المشتركة التي تسمى «الم ََف ْْط ََر ْْ» الذي يختص بالرجال والصبيان. حق الليلة الليلة الليلة حق الطفل ليلة فيها الوصل والجود

شهر شعبان)، كمدخل روحاني وإيماني إلى شهر رمضان. ففيما الآباء يتجهون بنقودهم إلى الأسواق لشراء ما يليق بتلك الليلة المباركة ويشير إليها من مكسرات وحلويات (يوز «جوز» وبيدام «لوز» ونخي «حمص جاف» وسبال مملح «فول سوداني» وبرميت «حلاوة صلبة»، وإلخ...)؛ تهرع الأمهات إلى سرج (الخرايط) أو الأكياس القطنية لتسليمها إلى الأطفال للتطواف بها على بيوت الجيران في الفريج أو الحي الذي يسكنون فيه وربما يتعدى ذلك إلى الفرجان أو الأحياء الأخرى من منطقة «الرمس» برأس خيمة الإمارات العربية المتحدة، لأخذ حصتهم من محصول تلك الليلة، حيث تسمى تلك الحصيلة (حق الليلة) أي حق ليلة النصف من شعبان، أو حق الله؛ وهناك، في تلك الليلة، يردد الأطفال أهازيجهم وأناشيدهم التراثية.. ومن تلك الليلة الشعبانية الكريمة، تنطلق الأسر إلى شهر رمضان المبارك بقلوب مملوءة بالإيمان وبأرواح معلقة بفعاليات الكرم والجود. مدفع الأخبار ها نحن ندخل إلى المربع الأول، إلى المرابع البيضاء، إلى الرائحة الرمضانية القديمة قِِد ََم البراءة والبراعة الاجتماعية السامية؛ فمنذ اللحظة الإعلانية الأولى لتأكيد قدوم شهر رمضان ضيفا عزياز على قلوب الناس برجالاتهم ونسائهم وأطفالهم، تبدأ مسيرتنا نحن أطفال ذاك الزمان الرمضاني القديم، وتبدأ حكايتنا التي تتكئ على طمأنينة التجوال بين سكيك «الرمس» بكل حرية مكفولة باللا خوف من شياطين الجن أو عتمة الحياة.. ففي تلك اللحظة المنتظرة على أحر من الجمر، نبدأ حكاية رمضانية سنوية مقدسة. يأتي الخبرعبرمدفع رمضان، وعبر أجهزة الراديو القديمة، وعبر مستطلعي الهلال الهجري الشهري؛ فتأتي معه راحتنا المنتظرة.. فلا شياطين تكبل حركتنا

فيها النبي موجود وفيها الإله رضيان *** الليلة الليلة حق الطفل ليلة فيها البدر والنور فيها الوطن مسرور وفيها الدعاء سهران *** يا ربي يا رحمن اجعل من الـ«شعبان» نصف الشهرليلة فيها الطفل فرحان حق الطفل ليلة

وتوقف نبض قلوبنا، ولا نومة مبكرة تحول بيننا وبين طموح ألعابنا الليلية؛ يأتي الخبر وتبدأ حكايتنا في ظهيرة أول يوم، ِرْْنََ �ِّ حيث جلوسنا إلى جانب أمهاتنا «رحمهن الله» وهُُن يُُحََض طعام الإفطار الذي نستلذ الجلوس إلى رائحته التي تميزه عن رائحة أي طعام في أي من أيام السنة الأُُخر، ثم تبدأ فترة (المسيان) أي ما بعد العصر وما قبل المغرب، حيث تتطاير الصحون الممتلئة بأطعمة رمضانية تختلف من يوم إلى آخر، وبين بيت وبيت آخر: (هريس، فريد - ثريد، خبيص، عصيد، والمعجنات بأنواعها وأسمائها وأشكالها وأحجامها: الخمير، الرقاق، الجباب، المجلب، والقرص المفتوت، واللقيمات - أو القروص،..إلخ)، حيث نكون نحن معشرالأطفال أشبه ما نكون بقطيع من النمل الذي يدب على الأرض، وبين السكيك.. فقد كنت وإخوتي نحمل تلك الصحون إلى بيوت الجيران (بيت يونس الياسي وبيت شقيقه محمد الياسي «رحمهما الله»، وبيت سالم محمد بشروبيت أخيه أحمد سالم العتيبي «رحمها الله»، وبيت علي وكّّالي وسعيد العامري وعبد الرحمن ربيع «رحمهم الله»، وبيوت أخرى مملوءة بحب الاستقبال والتبادل الغذائي الرمضاني).. بيوت نقدم لها ما صنعته أمي «رحمها الله»، ونأخذ من تلك البيوت ما صنعته الأمهات في بيوتهن من طعام يختلف عما هو في بيتنا وربما نفسه؛ بل وكنت في سباق دائم مع شقيقي «علي وعبد الرحمن» للذهاب إلى بيت جدي

«عبيد بن ناصر - رحمه الله - وتسليمه طبق «أمي» التي ت ُُعرف ب ِِن ََف ََس ِِها الكريم والمميز في الطعام. مفطر المحبة نأتي فيما بعد إلى لحظة الإفطار الجماعي في «المفطر» مع الرجال أمام بيتنا القديم في «الفريج المياني»، حيث يأتي كل رب أسرة بما صنعته نسوة بيته من طعام ليضعه أمام إخوته من آباء الأسر الأخرى ممن يشاطرونه فرحة الإفطار من بعد يوم حافل بالصوم والصبر، في حين كنت أترك قلبي عند أمي التي تضطر إلى الإفطار بمفردها في البيت لأننا جميعا من الذكورباستثناء «أختي، حفظها الله» التي كانت في بيت زوجها «محمد سالم بن جمعة، رحمه الله».

تتأهب الأُُس ََر الإماراتية بوجه عام، والأُُس ْْرة «الرمساوية» بوجه خاص، لتلك الليلة الشعبانية الرابعة عشرة (ليلة النصف من

21

20

2024 مارس 293 / العدد

مستقبل التراث الرمضاني من حضارة الماضي.. إلى حاضر المستقبل رمضانيات «الرمس» أنموذجا

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online