torath 293 - Mar - 2024

ًًتأملات في مستقبل التراث الرمضاني.

تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..

آمين بعد العودة من المفطر، تأتي لحظة الانطلاق إلى «الله سبحانه وتعالى» في رحلة روحانية عبر صلاة التراويح التي كنا نؤديها في «المسجد الجامع الكبير» - مسجد بن هديب سابقاًً، مسجد سلطان بن زايد حاليا - ذلك المسجد الذي كان يجمع الرجال بالنساء بالأطفال من الصبيان والبنات.. وهناك، كانت لنا نحن صغار الأولاد حكايتنا الخاصة مع تلك الصلاة السنوية المقدسة؛ كنا صغاار جداًً، وكنا نصلي العشاء، ثم الس ُُّنة، ثم تبدأ مراسيم صلاة التراويح التي لم نكن على قدر الصداقة الجيدة معها.. فحينا ندخل في الركن المخصص لصلاة النساء، وحينا نلهو أمام باحة المسجد، وفي كل مرة حين يأتي موعد سجود الركعة الثانية نهرع إلى الصلاة حتى لا يكتشف «أبي، رحمه الله» غيابنا غير المبرر؛ وهكذا كل الأولاد، وكل الآباء، وهكذا عندما تحين ركعة الوتر، نتسابق جميعا نحن معشر الصبيان إلى «دعاء القنوت» الذي يشبه الأدعية المقدسة حين يصدح صوت المصلين بتأمين الدعاء «آمين.. آمين.. آمين»... بعدها، نتجه بحواسنا ورغباتنا إلى ممارسة ألعابنا الشعبية المختلفة، وبخاصة لعبة «الغزّّولة» الذكورية التي ينقسم فيها الصبيان إلى فريقين، أحدهما يمثل أهل البيت أو أصحاب الأرض الذين يحمون العرين «الهول»، والآخر يمثل الفريق الخصم أو العدو الذي يحاول اقتحام ذلك الهول دون خسائر.. وهي لعبة حربية على مستوى الطفولة ْْالمتباينة الأعمار. ت ََب ََّت على جانب آخر، نخوض تجربة تنافسية أخرى بيننا نحن الأولاد الذكور، إذ نصنع حلقة في المسجد، فنبدأ بقراءة القرآن الكريم بالتناوب.. سورة فسورة، ومن يظفر بقراءة سورة «المسد» أو «تبّّت ْْ» فكأنما حاز على بطولة القرآن الكريم، وعليه في هذه الحالة أن يجلب في اليوم التالي مائدة رمضانية ليلية معتبرة، نكاية «بأبي لهب وامرأته حمالة الحطب».. وهنا، أذكر ذات ليلة رمضانية حافلة بقراءة قرآنية، أن حالفني نصيب قراءة «سورة تبّّت»، إلا أن أحد الأولاد الذي يكبرني بسنوات، جاهد كثي ار من أجل أن يقرأ هو تلك السورة مقابل إحضار مائدة رمضانية فاخرة في اليوم التالي.. وهكذا أخذت أرفض وأخذ هو يحاول، إلى أن تدخ ّّل شقيقي عبد الرحمن محاولا إقناعي بقبول العرض الرمضاني هذا، إلى أن قبلت ذلك مرغما ًً، وبذلك فو ّّت نشوة الانتصار على أبي لهب.. ليأت اليوم

التالي.. دون حضور المائدة، ودون أن يُُطل صاحبنا بوجهه..!! وبمناسبة «سورة تبّّت - المسد»، فإننا نردد دائماًً: (تبّّت يدا، ح ِِط الغدا.. سمك ورويد مزه ّّبا) ..!!و«الرويد» هو الفجل بأوراقه الخضراء ورأسه الأبيض، الذي تنبته أرض الإمارات. فوالة سحور ثم نعود أدراجنا إلى البيت بعد قضاء وقت ممتع باللعب والتسابق الجسدي والروحاني، فنأخذ قسطا من الطعام في بيتنا أو في بيت الجيران إذا كنا بصحبة أمهاتنا في تجوالهن الليلي في بيوت صديقاتهن من الجارات عوضا عن التجوال النهاري في «ضحى» أو «عصر» أيام الأشهر الهجرية الأخرى غير رمضان؛ لننام بعدها بمعية أمهاتنا وآبائنا انتظا ار لموعد وجبة «السحور» الذي نقوم إليه لتناوله ونحن تحت تأثيرسحر النوم الذي كثيار ما يهزمنا، فنأكل دون وعي، وحين يصبح الصباح نتوجه بأصابع الاتهام إلى أمي أو أبي «رحمهما الله» لعدم إيقاظنا، وحين نكتشف غير ذلك، نشعر بخيبة الهزيمة، ونستمع بألم إلى زقزقة عصافير الجوع في بطوننا أديب وإعلامي إماراتي المصادر والمراجع: 1422 شعبان 14 . ترنيمة للشاعر عبد الله محمد السبب، الإمارات، الثلاثاء 1 م. 2001 أكتوبر/ تشرين الأول 30 هـ - https://www.ammonnews.net/home ) . موقع (وكالة عمّّون الإخبارية 2

في رمضانيات الشاعر الإماراتي ملامح من القيم المجتمعية

فنقرأ لدى مانع سعيد العتيبة هذا المعنى الذي جعل به رمضان حاف از لاستعادة المحبة في القلوب، فهويراه، كالكثير، ترياقا لأدواء القلوب العليلة التي نال منها الشقاق والكراهية والبغضاء، وهو فرصة لتعزيز روابط الإخاء والتلاحم، والوفاء : ) 1 ( ًًلقيم رفيعة متجردة بأصحابها من نوازع أثرة الحياة المادية ُُجعـــــــــــــــــــــــــــل الإله الصـــــــــوم فيك فريـــضــــــــــــــــة ًًيرضى بـــــــــــــــــــــــــــها عن عبـــــــــــــــــــــــــــده الخــــــــــــــــــــــــــــــــلاق وتنــــــــــــــزّّل القــــــــــــــــــــــــــــــــــــرآن فيــــــــــــــــــــــــــــــــــك مُُثبـــــــــــــــــــــــــــتا إيـــــــــمان من في الصالحــــــــــــــــــات تلاقــــــــــــــــــــــــــــــــوا ُُمعك القلـــــــــــــــــــــــــــوب تــــــعود للحـــــــــــــــــــــــــــب الذي هو للـــــــــــــــــــــــــــروح ونزِفِهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا التريــــــــــــــــــــــــــــــــــــاق وقد اتسع الشاعر بهذه القيمة من إطار مجتمعي إلى إطار قومي، متمنيا ببركات ونفحات هذه الأيام المباركات أن تنتهي سموم الخلاف ومأساته بين أبناء الأمة الذين تجمعهم روابط متينة، وأن تستعيد القلوب المحبة التي غرسها بتعاليمه خير : ) 1 ( ٍٍالورى الذي نمضي على خطاه رمضــــــــــــــان أدعــــــــــــــــــو الله فيـــــــــــــــــــــــــــك بحرقـــــــــة ًًوالهـــــــــــــــــــــــــــم في وســــــــــــــــــط الح ََشا حـــــــــــــــــــــــــــــــــر ََّاق ُُننسى الــــــــخلاف ونستعيـــــــــــــــــــــــــــد محــــــــــــــــــــــــــــــــــــبة الــكــــــــــــــــــــــــــــــــــــل لاسترج ِِاعهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا مشتـــــــــــــــــــــــــــاق

عـــادل نيــل على امتداد الشعر العربي، وفي ظل الحضارة الإسلامية، تشكّّل ضمن الاتجاه الديني في القصيدة العربية ما يمكن أن نسميه بالرمضانيات، وهو الشعر الذي كتبه الشعراء في شهر رمضان احتفاء به وإعلاء لقيمته وقداسته لدى نفوس المسلمين، وهو ما يمثل حضو ار لدى العديد من الشعراء، لارتباطه بالفضائل الأخلاقية الجامعة، والمعاني المجتمعية النبيلة، ولذلك قبل أن تكون هذه الرمضانيات شعار دينيا ًً، فهي تدخل بالكثير من معانيها في الاتجاه الاجتماعي الذي يرتبط بتفاصيل دقيقة في تشكيل ملامح المنظومة الأخلاقية والإنسانية بين أفراد المجتمع. وقد تغنى بعض شعراء الإمارات بشهر رمضان معبرين عن مشاعر جمعية يختلط فيها تقديس هذه الفريضة، بالتعبير عن الشغف الوجداني الذي يحمله هذا الشهر، وأثره في نفوس الصائمين، إذ إنه ترويض للنفس على البذل والعطاء والمحبة والوئام بين الإنسان وغيره، لذلك تعالت في نصوص رمضانيات شعراء الإمارات قيمة المحبة المجتمعية والإنسانية بشكل يعكس تأثيرأجواء هذا الشهرالكريم في قلوب صائميه،

. موقع وزارة الثقافة والشباب (التراث غير المادي). 3 م. 2023 ديسمبر 6 . صحيفة «البيان» الإماراتية، 4 م. 2010 سبتمبر 1 . صحيفة «الوسط» البحرينية، 5

23

22

2024 مارس 293 / العدد

مستقبل التراث الرمضاني من حضارة الماضي.. إلى حاضر المستقبل رمضانيات «الرمس» أنموذجا

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online