تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..
شهر الصيام سمته العرب من قبل «ناتق»
والرمل والتراب والحديد في الأرض الفضاء؛ وهذا بسبب أشعة الشمس. لذلك، وفي بيئة كهذه إذا ما سئل شخص من بادية مكة: ما الحالة؟ ستكون إجابته: إنها (رمضاء). أي إن كل شيء في الخارج ساخن - حار لا يحتمل. كان أسلافنا من العرب القدماء يستثمرون شدة الحر هذه؛ فيحولونها إلى نعمة ومنفعة؛ فكانوا يتصيّّدون الظباء - الغزلان؛ يتبعونها في ذروة الحر من النهار- الهاجرة، وهي تبدأ من وقت الضحى إلى ما بعد الظهر- حتى يرهقونها وتتفسخ قوائمها من شدة الحر فلا تقوى على الحركة، فيأخذونها قوتا لهم. وكانوا يطلقون على عملية صيد الظباء في الهاجرة: التّّرم ُُّض. لكن حالة التّّرم ُُّض هذه التي تدخلها الظباء في حر الصيف، ويستثمرها الإنسان في التقو ّّت، لا تقتصر على الغزلان فقط، بل تدخلها باقي الأنعام ومنها الغنم؛ فـ(رمض الغنم) يعني تركها ترعى في شد ّّة الحروتحت أشعة الشمس، في هاجرة النهارالتي غالبا ما تمثل ذروة أيام الصيف. لكن السؤال هل تُُستثنى الإبل من أثر الرمضاء؟ الجواب: لا، لا تُُستثنى من التأثر بالحرارة الشديدة، بل يجري عليها ما يجرى على غيرها من البهائم. وتطلق كلمة البهائم على الحيوانات ذات الأربع في البر والبحر ما عدا السباع الجوارح، خلافا لكلمة الأنعام التي وردت في القرآن الكريم التي تعني الإبل والبقر والغنم. فابن الناقة، الذي يسميه بعضهم الحوََار (وجمعه: حيران). واسمه لدى أهل البادية الفصيل (وجمعه: فِِصال). ابن الناقة هذا، عندما يترك في شدة الحر تحت أشعة الشمس بلا ظل واقٍٍ، فإنه يبرك على الأرض بعد أن تحرق الرمضاء خفافه (جمع خف). لأنه لا يستطيع الحركة؛ فهاجرة الصيف من أصعب أوقات النهار التي يواجهها البشر والحيوان. وهذه المعلومة مهمة لأنها ذات صلة بحديث أهم. .. ولعله من هنا نفهم - نحن المسلمين - مغزى حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي يذك ّّر فيه بهذا الوقت شديد الحرارة من نهارات الصيف، بقوله، صلى الله عليه وسلم:
محمد حسن الحربي يروي ابن رجب رحمه الله، في كتابه (من لطائف المعارف) يقول: كان عمرو بن قيس - رحمه الله - إذا دخل شعبان؛ أغلق تجارته وتفرّّغ لقراءة القرآن. وكان يقول: طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان. (إن صيام شهر رمضان عبادة، وترتيبه التاسع بين شهور التقويم الهجري، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وله مكانة خاصة لدى المسلمين في العالم كافة. فيه ليلة القدر (وهي خير من ألف شهر)، كما وصفها الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله. قبل الإسلام، ونزول الوحي على النبي العربي القرشي محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، في بداية القرن السابع للميلاد، بينما كان يتأمل في غار 610 الميلادي، تحديدا عام بجبل ح ِِراء في مكة المكرمة، تلك البلدة الجبلية الصغيرة - وقتذاك - المحاطة بأكبر إمبراطوريتين في العالم؛ الساسانية والبيزنطية.. قبل هذا الحدث الإلهي، قبل الإسلام، كان هذا الشهريحمل الاسم الحالي ذاته (رمضان). وبحسب روايات عد ّّة كان لشهررمضان اسم آخرهو (ناتق). المراد الوصول إليه هو أن الصيام - كشعيرة تعبديّّة - كان معروفا في الديانات التي سبقت الدين الإسلامي، لكنه لم يكن مرتبطا بشهراسمه (رمضان). الذي يقتصرصيام أيامه الثلاثين على المسلمين حص ارًً. رمضان في اللغة العربية إن معرفة معنى أي كلمة في العربية، دائما ما يسهّّـل فهم القصد من الجملة أو النص، أكان ذلك مباش ار أو إيحاء غير مباشر، أو عن طريق القياس. وذلك موضوع قد نعرض له في رمض. = ) غير هذا المقام. إن جذر كلمة رمضان هي (ر م ض ومعناها الحد ّّة في الشيء. ومنها الحد ّّة في الحر - أي أقصى شدته - وينسحب معنى الحد ّّة على غيره من الأمور الأخرى كما سنرى. فالرََّمََض إذاًً، هو شدّّة الح ََرّّ: السخونة في الحجارة
تحرق الجوف. كما تفيدنا لغتنا العربية، فمثلا نقول: قد أرمضه الأمر. أي أغاظه وأوجعه. وكما قلنا في الاستهلال فإن المعنى ٍ هو (رََميض). يقال: �ٍّ هوفي الحد ّّة عموما ًً. لذلك فإن كل شي حاد هذا سكين رميض، ونصل رميض، وشفرة رميضة. وإذا أردت ان تصنع من قطعة حديد سكيناًً، فإنك ترمِِضها بين حجرين أملسين حتى ترق وتصبح حادة قاطعة. كما يقال: ارتمضت لفلان، أي حزنت له. أما من ارتمضت كبده فقد فسدت، كأنها احترقت. وسمّّت العرب الشهر الفضيل من قبل (ناتقاًً). ذكر ذلك الماوردي والزمخشري وغيرهما من الأعلام. لأنه ينتقهم، أي يزعجهم بشدته عليهم، حيث يغيّّر من عاداتهم التي ألفوها واعتادوا عليها من مأكل ومشرب وسمر. كما للأصمعي رواية عن أبي عمرو في القول: إن رمضان مشتق من الرمض أي الحر. ومن هذا قولهم في سبب تسميته: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة، كما يأخذ الرمل والحجارة من حرالشمس. وبعد: يبقى شهررمضان المبارك، رغم ما في اسمه من حرارة، وما في صومه من مشقة، هو شهرأخروي الروح، وهو موسم للغفران، ومحطة للبر والإحسان، وسبيل إلى الرضوان. فاللهم تقبل صيامنا وقيامنا إعلامي وكاتب إماراتي
(صلاة الأوابين إذا رمض ََت الفِِصال). أي إن نافلة الضحى وهي صلاة الأوابين، أنسب الأوقات لادائها هو في هذا الوقت من النهار؛ حيث رمض ََت الفِِصال - الحيران - عندما تبرك عاجزة عن الحركة بسبب أشعة الشمس الحارقة وشدة الحرارة. وسياق الحديث يحدد موعد صلاة الضحى. لكن ما علاقة رمضان بالحر؟ حر الجوف شدة العطش من الطبيعي أن الصائم يرمََض في هذا الشهر لكن بشكل آخر، أي إنه يصيبه الحر غير أنه بمعنى مغاير عم ّّا يقع على المخلوقات الأخرى في الخارج، والرفض أو الحر المقصود هنا هو ذلك الذي يصيب جوفه من شدة العطش. لذلك س ُُمّّي شهر الصيام برمضان؛ إذ يرمض فيه الإنسان من شدة الجوع والعطش. لكن هذه الرواية ليست الوحيدة حول شهررمضان، هناك رواية أخرى تقول: إن اسم رمضان ورد بعدما وضع العرب أسماء الشهور قديما ًً، وسم ّّوها الأََزمنة، وكان لها علاقة بأحوال الطقس التي تتزامن مع حلولها، فوافق بعض تلك الشهور موسم الندى والمطر، فسم ّّوه ربيعاًً، ووافق زمن آخر أيام رََمََض الحر وشد ّّته، فسمّّوه رمضان. وصحة هذه الرواية بين الروايات الأخرى العديدة، نسبتها مرتفعة، سيما أن العرب تُُحسن التعبير بمعان حسي ّّة، لذلك تُُسمي حرقة الغيط (الرََّمََض)، وهي لمن جربها حرارة مرتفعة
27
26
2024 مارس 293 / العدد
شهر الصيام سمته العرب من قبل «ناتق»
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online