تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..
الصيام ومستقبل الأثر الروحي
لولوة المنصوري نكبر ونفتقد مع الزمن تفاصيل عميقة وردت في التربية وفي الأثر وتقاليد الوصل السماوي مع الذات. وتكبر معنا الخشية من فقدان الكثير في ظل العولمة والانفتاح على الثقافات والهويات المختلفة. لقد كان رمضان ومازال هو الشهر الجذ ّّاب لشعوب الأديان الأخرى، وأعرف شخصيا الكثير ممن دخلوا الدين الإسلامي بعد تدبّّر عميق في الفكرة الروحية للصيام الرمضاني والخلوة الآسرة في ليالي السحروالتفاف الأسرة على المائدة، والتجمع والألفة والالتحام في صلوات التراويح وأهازيج استقبال رمضان في الأيام العشرة الأولى، وتراتيل وداعه في العشرة الأواخر.. وغيرها من الأجواء الرحيمة المحببة والدارجة ضمن أركان الصيام والعادات والتقاليد السمحة. ولي وقفة حسية هنا مع طاقة الصيام ومستقبل المعنى الروحي الذي يتذوقه الصائم في نهارات شهر رمضان الكريم. قد لا نختلف حول أن الصوم في رمضان أكثرمدعاة للتدبرمن الأيام الأخرى، ذلك أن الوعي الجمعي مركز في رمضان حول شعيرة الصيام، وهذا التركيز الجماعي من شأنه أن يكبر من الحقل الطاقي للأرض، فتتوحد النفوس والأدعية والاهتمامات والنوايا الطيبة، ويتعززفي اللاوعي بذورالثبات على الامتناع من الأكل والشراب وسائرالمفطرات وفق الميقات المحدد وحسب طبيعة كل بلدة وأرض. ولكن يبقى التساؤل دائ ار ًً: ما هو الأثر الروحي لرمضان؟ ولماذا بات مستقبله ذائبا في دائرة الغياب والتناسي، مكتفين بالفكرة السطحية المادية فقط (الامتناع عن الطعام)؟ يُُعد الصيام وسيلة من وسائل التنظيف الجسدي من السموم المتراكمة عبرالسنين، وسيلة تحررية من الصدمات والمخاوف والأحزان والاكتئاب، طريقة لفتح مسارات الطاقة في الجسد، بعد أن غلّّقت التخمة تلك المسارات الطاقية. الصيام تسهيل للدخول في عملية الخلوة والمحراب الروحي عبر فتح أبواب التنفس الكامل والصمت العميق والتركيز على
العالم الداخلي، وهي إحدى الرياضات الروحية التي درجت عليها الكثير من الأديان القديمة وثقافات الشعوب العريقة المتصلة بالكون، مع اختلاف الطرائق والطقوس والشعائر والمواقيت والكثير من التفاصيل، إلا أن الجوهر باق وخالد في الأعراف والأطياف كلها والمتمثل في السلوك القويم نحو السفر الداخلي ووصال الله. الصيام مُُرتقى الروح واتصال الروح بخالقها وتطهير للقلوب وولوج لأبواب الخلاص من الدنيوي، وسيلة للتوسع بالوعي وتفعيل الإرادة وتنظيم النوم وتأمل الهدأة. وهو السبيل إلى لتفعيل ا � حالة ترتقي فيها طاقة الخلق والإبداع، ومفتاح المشيئة الحُُرََّة والخيار الشخصي، تكون أنت القائد على جسدك وحياتك وسماوات فيض وصالك مع الله وذكرملكوته. الصيام ارتقاء في طاقة الخلق والإبداع وتفعيل للحواس، فأنت مدعوم في الأحوال كلها، سواء بدعم الوعي الجمعي أو بالدعم الكوني الم ُُطلق. أنت السيد على عرش ذاتك، بالصبر والتحدي ما ا � والمثابرة والإرادة والاستمرار والصمت الروحي، وسريع ت ُُطلق أجسادنا تردد التشافي والتحرر، وعن طريق الحضورفي اللحظة والانغماس في لذة التجربة الروحية تتجسد الأمنيات بعد عيد الفطر، يأتي العيد وأنت بنسخة جديدة منك، وكأنك
للصيام كي يختفي الإدراك العادي والم ُُضلل، ونعيد العمل على أنفسنا على الصعيد الروحي، فنتجاوز بذلك كل ما هو مؤقت وفان ٍٍ. وأمرإدراك شهررمضان في رسالته العميقة بمثابة فرصة جديدة لإعادة جدولة الحياة وتنظيم الجسد وتجل جديد لفهم أكبر وأوسع لجوهر الصيام. وهذا انعكاس كامل لفكرة أن يكون للإنسان الحرية الروحية في إدراك العالم باحثة وروائية إماراتية م ُُرتقى الروح واتصال الروح بخالقها الصيام وتطهير للقلوب وولوج لأبواب الخلاص من الدنيوي، وسيلة للتوسع بالوعي وتفعيل الإرادة وتنظيم النوم وتأمل الهدأة
وُُلِِدت من جديد، فإذا أتى العيد وأنت بنسختك القديمة فكأنك في الحقيقة لم تََص ُُم. هذا هو المعنى الروحي لرمضان والصيام في نهاره، القيمة العميقة الأصيلة التي بتنا نلحظ غياب استشعارها في النفوس، في ظل استشراء الراحة وطاقة الاستهلاك وانتشار المشتتات اليومية. ربما ولسنوات طويلة كنا نطفو على القشرة الخارجية لدلالة الصيام، فباتت الروح تبتعد ولا تصطفي شيئا من المادة سوى أبواب الأدعية في الخلوات، إن الجسد بحاجة ماسة أيضا للفكرة العميقة حول الصيام، فلا غنى عن الجوهر، يتعب الجسد ويمرض سريعا بمجرد تكريسه لخدمة الفكرة السطحية للصيام التي مفادها ليس الامتناع عن الطعام والملذات فحسب. بل لابد من أن نتذك ّّردائما الفحوى الأصيلة
29
28
2024 مارس 293 / العدد
الصيام ومستقبل الأثر الروحي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online