تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..
كان الأطفال يحظون بالكثير من التشجيع لصيام رمضان، وبخاصة الصوم لأول مرة، فيحضرونهم لتناول الإفطار مع الكبار، احتفاء بهم ولتشجيعهم والإشادة بإنجازاتهم، وكان الأطفال يتسابقون على الصيام وتحمّّل الجوع والعطش والحرارة الشديدة في رمضان ليتمكنوا من صوم الأيام والحصول على التكريم، حيث يقوم الرجال في المجلس بالتحدث إلى الطفل والافتخار بصيامه وحثه على أداء واجباته الدينية، كما يتم منحه كوبا من اللبن وحبة رطب عند أول صيام له يكمله؛ ليكون أول من يفطر من الرجال عند الأذان إكراما له، وهذا ما يترك الأثرالجميل على النفس طوال الحياة ويحرص الرجال على اصطحاب أبنائهم إلى المجلس لتناول الإفطار وتدريبهم عمليا على العادات والتقاليد العربية الأصيلة في الضيافة وطرق التعامل مع الضيوف وصب القهوة، كما يحتك الطفل بكبارالسن ويتعلم منهم الكثيرفتقوى شخصيته وتنمو معارفه، مما يساعده ذلك على تحم ّّل اختبارات الحياة والصبرفكان رمضان فرصة لتعليم الأطفال العادات والتقاليد وهناك آداب معينة على المائدة في رمضان، فعندما يؤذن المؤذن للصلاة يسمح للصبية الصغار فقط بشرب قليل من الماء ولكن الجميع ينتظرون الشيخ ليكون أول المفطرين، وبذلك يسمح للبقية أن تفطر بشرب اللبن والقهوة وقليل من الرطب وعندما يقوم الشيخ للصلاة يقوم الجميع لذلك يصطفون لتأدية الصلاة خلفه أو خلف الإمام الذي يعينه الشيخ ثم يعود الجميع بعد الصلاة إلى مائدة الإفطارلاستكمال إفطارهم ويتبادلون التهاني والتبريكات والدعوات الصالحات بحلول الشهر ثم ينصرفون إلى أسرهم، وعند صلاة العشاء يتجمعون مرة أخرى حيث تجلب القهوة العربية من كل بيت
لقد اعتاد رجال القبيلة الاجتماع معا لتناول وجبات الإفطار وأحيانا السحورفكانوا يجتمعون عند مسجد القرية يتوسطهم شيخ القبيلة، وكل أسرة تسهم في هذه المائدة بطبق أو أكثر، فتتنوع الأطعمة مثل الهريس والأرز واللحم والثريد والدجاج، وهناك خبز الرقاق والبلاليط واللقيمات والقهوة، ويبدأ تناول الإفطار ببضع من التمرات واللبن والقهوة بعد رفع الأذان ثم يؤدي الجميع الصلاة بإمامة المطوع، وبعد ذلك يعودون لاستكمال إفطارهم على المائدة التي يترأسها شيخ القبيلة وعلى يمينها المطوع وكبار القوم، بينما يجلس الصغار في طرف المجلس ويتم تكليف الصغارممن هم فوق عشرسنوات بصب القهوة للجميع. وخلال الجلسات تتنوع الأنشطة المجتمعية وتمتد الأحاديث بشأن الحياة والمشكلات العائلية والخلافات، مثل: مشكلات الزراعة والري والسفرإلى الهند وحكايات البحروالقصص التي كان بعضهم يحكيها عن سفراته. أما النساء في رمضان فكُُن يعانين من التعب والمشقة والمسؤوليات، وتتنوع بين الاهتمام بالأطفال والمنزل ورعاية
الزوج وتفقد العائلة والزيارات الاجتماعية ورعاية الحيوانات وحلبها وتنظيفها والقيام بأعمال الحياكة والسدو، كذلك القيام بمهام إعداد الطعام وتجهيزات الفطوروالسحوروغيرها، فالنساء كُُن يطبخن الهريس والثريد والبلاليط واللقيمات والخبز المدقوق والخبيص والبثيثة وغيرها من الأطعمة الشعبية التي كانت تسد رمق الصائمين وتقوي عظامهم حتى يستطيعوا القيام بأعمالهم اليومية.
والرطب وبعض الحلويات مثل العصيدة والبثيثة وغيرها. ويقوم الناس بإحياء ليالي رمضان في المساجد، فكان المطوع يتلو القرآن الكريم ويقرأ في الس ُُّنة النبوية المطهرة والأحاديث الشريفة وسير الصحابة والتابعين، وبعض القصص الأخرى مثل قصص الزير سالم وعنترة بن شداد وغيرها. وتعتبر ليلة النصف من رمضان من الليالي الحزينة في التراث المحلي، فهي الإيذان بانتصاف الشهر وقرب انقضائه فيحييها الناس بكثير من الحزن على فراق الشهر الفضيل، وذلك بالتزاور وصلة الأرحام والأذكار والتهجد كما كان المسحراتي يتجول في الطرقات ويدق بطبله وهو يردد بصوت مسموع: اصحى يا نايم واذكر ربك الدايم المسحر هو أحد مظاهر شهر رمضان في الإمارات قبل التطور الذي شهده المجتمع، حيث كان شريكا رئيسيا في مجالس أيام الصيام والإفطار سواء على مستوى الحضور الشخصي أو على مستوى تزامن عمله مع فترة إحياء تلك المجالس التي
37
36
2024 مارس 293 / العدد
رمضان في الإمارات.. مجالس رمضانية مستدامة وذاكرة محملة بتراث الماضي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online