تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..
العربية والهريس وغيرها من الأطباق. هذه روحانية رمضان في المجالس التي تجدد أواصر التعاون والتآلف وكأنها تعيد روح المجالس العربية القديمة، كما أن المجالس الرمضانية لا تزال تؤدي دورها في المجتمعات الإماراتية وأهم ما يميزها تلك العلاقة الإنسانية والروحية التي تظهر بين صاحب المجلس وضيوفه، كما أن هناك الكثير من المجالس التي لعبت دوار كبي ار في إحياء التقاليد الرمضانية منها مجلس القرية التراثية في منطقة كاسرالأمواج في أبوظبي الذي كانت تقام فيه الكثيرمن الأمسيات الشعرية والمحاضرات الدينية وهو تحت إشراف نادي تراث الإمارات وقد تطور هذا المجلس وأصبح يحمل اسم مهرجان القرية التراثية الرمضاني ويشارك فيه نخبة كبيرة من رجال الدين العرب من ضيوف الرحمن الذين كانت تتم استضافتهم لتقديم المحاضرات الدينية في مساجد الدولة ومجالسها على اختلافها برعاية من صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان - حفظه الله - استكمالا لنهج الشيخين، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان - رحمهما الله وطيّّـب الله ثراهما - كما نرى أن هناك عشرات من الخيم الرمضانية المنتشرة في إمارات الدولة جميعها وتعتبر مظه ار من مظاهر الاحتفال في رمضان، حيث تتم دعوة مجموعة من الشعراء والأدباء ورجال الدين للمشاركة في إحياء الفعاليات الرمضانية التي تستمر طوال شهر رمضان المبارك، ففي هذا الشهر تكثر النشاطات الثقافية بأنواعها كلها ومنها المحاضرات الدينية والفعاليات الاجتماعية والثقافية وأنشطة الجمعيات والأندية والمؤسسات غيرالربحية والخدمية لإحياء المظاهرالرمضانية وتعزيز الثقافة الروحية، وتتعدد المجالس ويتنوع دورها الديني والثقافي والتوعوي، مثل مجلس رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد - حفظه الله - الذي يعقد سلسلة من المحاضرات التي تقدم محتوى نوعيا يركز في جوهره على الإنسان وقضاياه ومستقبله بجانب الأمن والاستقرار واستشرافه المستقبل إضافة إلى رسالة الإنسان ومسؤوليته تجاه الإنسانية، وغيرها من الموضوعات الحيوية من خلال الحوار مع نخبة من العلماء والمفكرين والمبدعين في مختلف التخصصات من العديد من دول العالم الذين يطرحون آراءهم وتصوراتهم نحو المستقبل، ويقدمون فيض تجاربهم العلمية والعملية والحياتية، ولا ننسى المجالس الشبابية التي تنوعت في أنحاء الإمارات السبع كلها وأصبحت تقدم محتوى يتناسب
مع القضايا المعاصرة والحديثة التي تهم عامة الشباب وأصبحت تستقطب الكثير من النخب والمثقفين لمناقشة قضايا الشأن العام على المستويين المحلي والأحداث الجارية والعالمي ومافيه من تطورات، كما تقوم وسائل الإعلام بنقلها على صفحات الجرائد وتطرحها بشكل مستمر من أجل نقل الفائدة لشرائح شباب الوطن ورجال المستقبل كافة، وتتسم المجالس الرمضانية أيضا بموائد الإفطار الجماعية التي تقدم للمحتاجين والفقراء وعابري السبيل والتي تتضمن اللقيمات والهريس والساقو والكاستر والحلويات والفواكه والقهوة والشاي وغيرها من المأكولات الرمضانية التي تزين المائدة الرمضانية. تعتبر أيام رمضان فرصة لمراجعة النفس ومحاولة تجنب الأخطاء، وبواسطته نعيد ضبط ساعتنا الحياتية التي تشمل صلة الرحم والتواصل مع الناس بالرفق والمودة وفي منح كل محتاج بقدر الاستطاعة أيضاًً، حقا إن رمضان ليس شهر عبادة وأداء مناسك تعبدية فقط وإنما هو شهر يعيد للإنسان توازنه ويكشف له الضوء على ما مضى وكأنه يرشده لطريق الصواب أيضاًً. فليكن شهر رمضان فرصة فعلا لنتغير إيجابيا في الجوانب الحياتية كافة، في طعامنا واهتماماتنا وزياراتنا وعلاقاتنا الإنسانية، ليكن رمضان فرصة لننهل من القراءة من سيرة رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار
كانت تمتد أحيانا إلى فترة السحور، وكانوا يرددون المدائح النبوية والأناشيد الخاصة بفترة السحور، لقد كان المسحراتي من أهم طقوس رمضان وتفاصيله الجميلة الباقية في الذاكرة فقد كان يضرب على طبلته ليصل إلى أوسع مجال في الفريج، وقد تغير الحال وازداد حجم المدن وغابت مهنته في زحمة الحياة بعد قدوم الساعات والهواتف المتنقلة وغيرها. وتكثرالقصص والحكايات والذكريات، فالمجالس في المجتمع الإماراتي كانت لها مكانة اجتماعية ولها طقوس مرتبطة بالآداب المتوارثة «أبا عن جد»، لقد كان للمجلس دور تربوي وتعليمي وتواصل وتراحم وتعاون، تلك الواجبات الاجتماعية التي نتوارثها جيلا وراء جيل، فأهل الإمارات اعتادوا في الماضي وخلال شهررمضان التجمع بعد صلاة التراويح في خيمة كبيرة ت ُُنصب خارج المنزل وذلك بغرض التسامروتجاذب الحديث في شؤون الحياة أو القبيلة، وما يستجد في الأسواق من بضائع وخدمات والأمور الحياتية، كما ويتناولون القضايا المتعلقة بالعبادات وفضائل شهر رمضان وأثره الصحي والأخلاقي والاجتماعي على الفرد المسلم والمجتمع، وكان هناك حرص في الماضي على إقامة المجالس في الإمارات نظار لأهميتها وقيمتها في المجتمع في المحافظة على العادات والتقاليد والهوية، فكانت ملتقى للتجار والشعراء والمساجلات الشعرية وفرصة للحوار والتعرف على خبرات الآخرين. وتتناول النصح والفقه وأمور الدين والشريعة، والاستفادة مما ورد في القرآن الكريم وفي قصص الأنبياء عليهم السلام. كانت المجالس أو الديوانية بمنزلة خيمة أو مجلس لأحد الأعيان في السابق ترتاده مختلف فئات المجتمع، يلتقي فيه الرجال بعد صلاة التراويح لتبادل أخبارالتجارة ورحلات الغوص
والاستماع إلى الشعر والشعراء وتبادل الأخبار والمعرفة وكان الصغاريحضرون حتى يتعلموا من الكبارنظم القصيدة ومعارف الحياة وشؤونها، ولم تختلف المجالس اليوم عن السابق بل أصبحت المجالس العائلية والخاصة بالأسر والبيوت لها دور كبير في غرس قيم الاحترام والتقدير والتواضع والتسامح والتعاون، فكانت تجمع بين أبناء العائلة الواحدة وتمك ّّنهم من التشاور في أمور حياتهم وتوثق عرى التواصل والترابط بين الأهل والأقرباء والجيران ومن يأتي من الضيوف والزائرين، كما لا ننسى دورها في الاستماع للقصص والحكايات والتعرف على الموروث الشعبي من أفواه كبار السن، وتعتبر المجالس في رمضان فرصة للالتقاء بين الأهل وأفراد الأسرة الواحدة والحرص على الأرحام ومناقشة القضايا والمشكلات الطارئة، كما أنها مجالس للترفيه وقضاء الوقت يجتمع فيها الأهل وتدور بينهم فناجين القهوة والشاي، وفي تلك التجمعات في المجالس العائلية في شهر رمضان التي تجمع الصغير والكبير من أفراد العائلة نراهم يشعرون بالمحبة والتراحم ويسترجعون فيه ذكريات الماضي، ويتحدثون عن الذكريات الجميلة والمواقف المضحكة، ولا يزال المجلس ركنا من أركان البيت، إنها مدرسة شاملة يتعلم فيها الكبير والصغير، كل المبادئ والأخلاق ويكبر الصغير في هذه المدرسة وهو يتعلم من أسرته العادات والتقاليد ومواجهة أمور الحياة ومصاعبها وطرق التغلب عليها وكل القيم والمبادئ في التعامل مع التطورات السريعة. وكانت ًًا المجالس الإماراتية في رمضان مفتوحة الأبواب ليلا ونهار وتظل مُُشرّّعة حتى طلوع الفجر، وتبقى مكانا يجمع الأهل والأصحاب والجيران والضيوف ويتبادل الحضورفيه الأحاديث والذكريات والمشكلات ومصاعب الحياة ويقدم لهم القهوة
39
38
2024 مارس 293 / العدد
رمضان في الإمارات.. مجالس رمضانية مستدامة وذاكرة محملة بتراث الماضي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online