torath 293 - Mar - 2024

تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..

عادات متوارثة وهوية تراثية إماراتية شهر رمضان..

قبل قدوم شهر رمضان يجمعون الحطب ويجهزون «الصخام» ويتم ربطه جيدا حتى لا يصاب برطوبة تفسده وبعده لا يصلح للطهي أو للاستخدام، كان الرجال يقضون الفترة الصباحية في قضاء حاجاتهم والذهاب إلى السوق لتوفير ما تحتاجه الأسرة من نواقص، كل حسب استطاعته، وفي فترة القيلولة ينام الرجال تحت ظل شجرة الغاف أو السدرة يستظلون بظلالها خوفا من أشعة الشمس الحارقة، ومن بعد صلاة العصر يعودون لمتابعة حلالهم من (هوش وبوش) إلى أن تبدأ الشمس بالغروب فيعودون أدراجهم قبل الأذان، ونحن النساء كنا نع ّّد وجبة الإفطار، لم يكن لدينا الكثير من الطعام، وفي أيام طفولتي كانت وجبة الإفطار، في مرات عديدة، لا تتعدى اللبن أو الحليب والتمروقهوة مفعمة برائحة الهيل وقليلا ما كنا نجد الزعفران، لكن عندما كبرت تغيّّرت الحياة بعض الشيء وبدأنا بالاستقرار بحكم طبيعتنا كبدو، ومن خلال استقرارنا أصبح لنا فريج يجمعنا كأسرة وعائلات مترابطة، تعلمنا الكثير من بعضنا بعض، فأصبحت أكلاتنا الشعبية متنوعة ما بين اللقيمات والفقاع أو العوامة والخنفروش والبلاليط والعيش السيلاني (الأرز الأبيض) بالسمن مع سمك أو اللحم، والخمير والجباب والهريس، واذكر عندما جاء إلينا (الفيمتو) كنا لا نعرف كيف نشربه، فكنا نصبه في فنجال (فنجان القهوة) ويوزع علينا، دون خلطه بالماء، طعمه كان شديد الحلاوة. تقاسمنا الطعام، وساعدنا بعضنا بعضاًً، كانت المرأة عندما تعد وجبتها تحسب حساب جيرانها، لثقتنا بأن طعام الواحد يكفي لاثنين، وتبدأ عادة تبادل الأطباق قبل أذان المغرب فهي تعتبرمن أجمل العادات الاجتماعية، وهذه العادة تكون طوال شهر رمضان الكريم، يركض الأطفال حاملين هذه الأطباق بين أياديهم الصغيرة، منها يتعلمون على العديد من القيم كاحترام الجار والعطف والرحمة ومنها تكون رياضة لنفض الكسل من خلال ركضهم ما بين البيوت والأزقة مع الحرص على عدم إسقاط هذه الوجبة الشهية التي يحملونها بفرح وسعادة ليفرح بها جارهم». يقول أحد الرواة: «إذا جاء شهر رمضان في فصل الصيف يكون اليوم طويلا في هذا الشهر وحره شديدا ًً، ففي السابق لم يكن لدينا أجهزة تكييف، كنا نستظل بظلال الأشجار من حولنا ونشعر بالعطش والتعب والإرهاق، بعكس

مريم سلطان المزروعي إن لشهر رمضان الكريم مكانة تاريخية ودينية ونكهة خاصة يختلف عن غيره من شهورالسنة، بقداسته وبما يحمله من أجواء رمضانية تدخل البهجة والسرور على الجميع. ولهذا الشهرالفضيل ذكريات مختلفة محفورة في ذاكرة كل واحد منا، تختلف تفاصيلها بناء على طبيعة البيئة التي عاش فيها وترعرع بين جنباتها باختلاف تضاريسها، وهذه التفاصيل لها ذاكرة مختلفة تختلف لدى كبار السن فهي مزيج جميل من البساطة التي تتضمن الأذكاروالعبادات والأناشيد والعادات والتقاليد الاجتماعية والألعاب الشعبية والطقوس التي تقام قبل قدوم هذا الشهر الفضيل بفترة ليست بقصيرة وخلاله، فكان لابد أن يشاهد هلال رمضان جماعة، وتُُسند هذه المهمة لمن هم أهل الثقة من رجاحة عقل ودين وقوة إبصار، فتصعد هذه الجماعة إلى أعلى منطقة محيطة بها تراقب فيها الهلال مع غروب الشمس، فإذا رآه أحدهم وتأكدت الجماعة من رؤيته تطلق عياار ناريا لتعلن للجميع في منطقتهم أو جماعتهم برؤية الهلال، وإذا لم يروه يعتبرونه مكملا لشهر شعبان، وقد رسم هذا الموقف الشاعر ابن الوردي قائلاًً: ّّــــــــــــــــــــيام ليــــــــــــــس يُُــــــــــــــــــــــــــــــــرى ْْقلــــــــــت هــــــــــــــــــــــــــلال الص فلا تصومــــــــــــــــــــــــــــــوا، وارضــــــــــــــــــــوا بقول ثقـــــــــــــــــــــــــــــــه ُُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوني حققـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوا فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرأوا ْْفغالط وكــــــــــــــــــــــــــــــل هذا من قُُـــــــــــــــــــــــــــــــــــوة الحدقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه وعند رؤيته يجتمع أبناء المنطقة يصلون صلاة التراويح ليلتها ويعقد الصيام بالإجماع، وتكون القرى ومن حولها قد سمعت بإطلاق النار، وبهذا يتناقل خبر قدوم شهر رمضان الفضيل، ويهنئون بعضهم بعضا ًً، أومن خلال إرسال المندوب الذي ينقل الخبر لباقي القبائل أو القرى القريبة منه. كنت أذكر جدتي شمسة بنت حميد - رحمها الله - كثيار ما كانت تقول: «إن القلوب كانت متقاربة ومتكاتفة، الجار يشعر بجاره، وإن قلّّت المعيشة، وهذا التكاتف كان واضحا في المناسبات الدينية كشهر رمضان الكريم شهر العبادة والطاعات والرحمة، الذي له طابع خاص وطقوس جميلة وعادات أجمل، كان الرجال

إذا ما جاء في شهر الشتاء، كان الأهالي يحثوننا على صيامه، ففيه تصفد مردة الشياطين، وتستغفر له الملائكة وتصفو الأنفس، ويقول الشاعر: ّّـــــــــــــــــوم قصــــــــــــــــــــرت ط ُُولــــــــــــــــــــه إذا طال شهر الص بحمــــــــــــــــــــــــــــــراء يحــــــــــــــــــــكي الج ُُلنار احمـــرار ُُهــــــــــــــــــــــــــــــا بِِر ُُـهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا يقصــــــــــــــــــــر ع ُُمر الليل، إن طال، ش ويعمل في ع ُُمــــــــــــــــــــــــــــــر النه ّّــــــــــــــــــــــــــــــار خمــــار ُُهــــــــــــــــــــــــــــــــــا ويكمل قوله: «كنا نستقبل شهر رمضان بالفرح والأهازيج والأناشيد، وتكثر الأذكار والمساجد لا تتوقف عن الذكر والعبادات، وكانت بعض من المنازل تقام فيها المالد التي هي عبارة عن تراتيل وأناشيد دينية تتضمن ذكر الله والصلاة على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذه العادة لا تزال بعض البيوت هنا في مدينة أبوظبي محافظة عليها كبيت السيد سعيد بن أحمد العتيبة، وغيره من البيوت التي تحيي هذه العادة وتتمسك بها وبشدة لتعلم الأجيال القادمة، وكنا نختم القرآن الكريم في المساجد ونتسابق ونتنافس في ذلك، والناس تتصالح بعضها مع بعض. فرسالة الصيام ليست مقتصرة على الجوع والعطش، بل إنها رسالة إنسانية تنبع من أخلاق الإسلام وأخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام، فشهر رمضان له حلاوة خاصة بجمعتنا وتآلفنا، كانت النساء يتجمعن في بيت إحداهن والكل يحضر بلا استثناء دون خجل أو تردد حتى لو لم تحضر معها طبق». لقد ظل الإنسان الإماراتي محافظا بطبعه على عاداته وتقاليده المتوارثة، وإن قل تداولها، إلا أن هناك العديد من العادات التي لا تزال مستمرة مثل «حق الليلة أو ما يطلق

عليها ليلة النصف من شعبان»، وحضور المجالس الرمضانية التي تدار بطريقة معينة تجري فيها الأحاديث الممزوجة ما بين الدين والدنيا، وهنا جاء دور دولتنا الحبيبة التي قامت بإحياء هذه المجالس طوال شهررمضان الكريم بالمحاضرات الدينية التثقيفية وإرسال الدعوات للجميع مجانا دون استثناء وفتحت أبوابها للجميع، كما يتم إحياء المساجد باستقدام أهل الذكر (ضيوف الرحمن أو ضيوف رئيس الدولة) من كل الدول في شهر رمضان الفضيل يوصون الناس ويعظونهم ويفقهونهم في الدين والعبادة، وفي العشرالأواخرتمتلئ المساجد بعقد صلاة قيام الليل، فيتسابق الجميع لكسب أجر هذه الأيام المباركة، ويمسك رب العائلة بأيدي أسرته ويحثهم على الصلاة والعبادة ويتسابقون للصلاة في الصفوف الأولى، يحيطهم الأمن والأمان من حولهم، كما وقد أُُقيمت المهرجانات التراثية التي تقام لإحياء التراث بالملابس التقليدية والأكلات والألعاب الشعبية المتنوعة على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة، وتتزين الشوارع التي تخيم عليها الفرحة والسعادة بقدوم هذا الشهر الكريم، ومن الجهود المبذولة التي بذلتها دولتنا الحبيبة، عندما أعلنت دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي عن إدراج «الهريس» الأكلة الشعبية الأساسية في هذا الشهرالفضيل في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو، وهذا دليل على أهمية الحفاظ على التراث الشعبي بمختلف مكوناته لما له من دورفي حفظ الهوية الوطنية وصونها، والحفاظ على إرث الآباء والأجداد في رحلة ازدهارنا على مر السنوات باحثة من الإمارات

47

46

2024 مارس 293 / العدد

شهر رمضان.. عادات متوارثة وهوية تراثية إماراتية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online