torath 293 - Mar - 2024

تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..

متجذر في الثقافة والتاريخ يحتفل به الملايين من المسلمين في جميع أنحاء العالم كل عام خلال الشهرالتاسع من التقويم الهجري القمري الإسلامي وهو أحد أركان الإسلام الخمسة وهو إلزامي لجميع المسلمين الأصحاء. ويتميز الشهر الفضيل بتقاليد مشتركة مثل الصيام وتقديم الصدقات والصلاة بالإضافة إلى الممارسات التي تختلف من ثقافة إلى أخرى مثل طقوس الاستحمام في إندونيسيا إلى إضاءة الفوانيس في مصر. تختلف التقاليد الرمضانية من بلد إلى آخر. مثلا ينتشر تقليد (بادوسان) في إندونيسيا وهو دليل على تداخل الدين مع الثقافة الشعبية والكلمة تعني (الاغتسال) أو (الاستحمام) باللهجة المحلية وهو أحد الطقوس التي يمارسها أهل البلاد قبل البدء بصيام رمضان بهدف تطهير النفوس قبل شهر الصوم بيوم واحد حيث يستحم الناس في الينابيع المنتشرة في البلاد خاصة في إقليم جزيرة جاوة. وتحمل الينابيع أهمية روحية عميقة في الثقافة الجاوية، وهي جزء لا يتجزأ من عملية التطهيرالتي تسبق الشهرالكريم. وي ُُعتقد أن هذه الممارسة قد انتشرت على يد مجموعة من علماء الدين الموقرين الذين كانوا أول من نشروا الدين والتعاليم الإسلامية في جميع أنحاء جاوة منذ سنوات مضت، وكان من الشائع أن يقوم كبار السن المحليون والزعماء الدينيون باختيار وتخصيص الينابيع المقدسة حيث تتم عملية الاغتسال (بادوسان). في الوقت الحاضر، يذهب الكثيرون إلى البحيرات وحمامات السباحة القريبة، أو يتطهرون في منازلهم. وفي العديد من دول العالم العربي والشرق الأوسط يتم إطلاق مدافع الإفطار عند آذان المغرب خلال شهر رمضان للإشارة إلى نهاية يوم من أيام الصيام. ويقال إن هذا التقليد العريق قد بدأ في مصرعندما كانت البلاد تحت حكم السلطان أبو سعيد

سيف الدين خوشقدم الناصري أحد سلاطين دولة المماليك هجرية وتوفي 865 الجراكسة الذي تولى عرش مصر في عام هجرية. وأثناء اختبار مدفع جديد عند غروب الشمس 8 عام أطلقه خوشقدم (ويعني بالتركية قدم السعد) عن طريق الخطأ ودفع الصوت الذي تردد صداه في جميع أنحاء القاهرة العديد من المدنيين إلى افتراض أن هذه كانت طريقة جديدة للإشارة إلى نهاية الصيام. وقد شكره الكثيرون على ابتكاره وحثته ابنته الحاجة فاطمة على جعل هذا تقليدا طوال الشهرالفضيل. وقد وصلت هذه الممارسة إلى العديد من الأقطار حيث استخدم العثمانيون المدافع للاحتفال بالإفطار في جميع أنحاء البلاد التي سيطروا عليها في أنحاء الشرق الأوسط كله. وفي لبنان كانت هناك مخاوف من فقدان هذا التقليد العريق في عام بعد الغزو الإسرائيلي للبلاد الذي أدى إلى مصادرة بعض 1982 المدافع تحت ذريعة أنها أسلحة قتالية. لكن الجيش اللبناني أعاد مدافع رمضان وتم إحياء هذا التقليد بعد الحرب. وفي الهند وبنجلاديش وباكستان تجتمع النساء المسلمات عشية العيد بعد ثبوت رؤية الهلال الجديد التي تشيرإلى نهاية شهر رمضان وبداية أيام عيد الفطر، حيث تبدأ احتفالات جاند رات (ليلة القمر) أو (الليلة القمرية) وهي احتفالات الليلة الأخيرة من رمضان. بعد الإفطار الأخير تتدفق أعداد كبيرة من النساء والفتيات إلى الأسواق المحلية لشراء الأساور الملونة ورسم أيديهن وأقدامهن برسومات الحناء الجميلة. وفي ضوء هذا التقليد، يقوم أصحاب المتاجربتزيين أكشاكهم وتبقى مفتوحة حتى الساعات الأولى من الصباح. وأنشأت بعض النساء المحليات متاجر مؤقتة للحناء بالقرب من متاجر المجوهرات، حتى يتمكّّن من جذب العملاء للتسوق ووضع الحناء على الأيدي والأقدام. وتتميز الأجواء في الأسواق

المزدحمة إبان احتفالات جاند رات بالحيوية والابتهاج وروح التآلف تحسبا لاستقبال العيد في اليوم التالي. وفي أحياء المغرب يتجول المسحراتي أو النفار (نافخ المزمار أو البوق) خلال شهر رمضان وهو منادي المدينة الذي يرتدي الزي التقليدي المتمثل في الجلباب المغربي والنعال والجراب الجلدي والطربوش الأحمر. ويتم اختيار النفار من ق ِِبل سكان المناطق لصدقه وتعاطفه وهو يسير في الشارع بينما ينفخ في البوق النحاسي لإيقاظهم على السحوروي ُُقابل بالعرفان والشكر ويتم تعويضه رسميا من قِِبل المجتمع في الليلة الأخيرة من شهر رمضان. ويعود هذا التقليد الذي انتشر عبر بلدان الشرق الأوسط بما في ذلك المغرب إلى القرن السابع الميلادي عندما كان أحد صحابة النبي يتجول في الشوارع عند الفجر وهو ينشد الأدعية والتواشيح. وفي جنوب أفريقيا يحتفل (مان كيكرز) برؤية هلال العيد والعبارة في اللغة الأفريكانية المحلية تعني (مراقبو القمر). وفي الليلة الأخيرة من شهررمضان يتوجه المسلمون من جميع أنحاء جنوب أفريقيا إلى حضور فعاليات رؤية هلال العيد في مدينة كيب تاون حيث يتجمعون عند شاطئ البحر وفوق التلال. ولكن (مراقبي القمر) هم المعنيون فقط، من قِِبل المجلس القضائي الإسلامي في جنوب أفريقيا، بإعلان الرؤية الرسمية لهلال شوال وبدء أيام عيد الفطر السعيد وانتهاء شهر رمضان. وفي تركيا يتناول الناس السحور على صوت الطبول. ومنذ أيام الدولة العثمانية كان الصائمون في شهررمضان يستيقظون على صوت قرع الطبول قبل الفجر لتناول وجبة السحور. وعلى الرغم من مرورالوقت والاختراعات الحديثة فإنه لا يزال أكثر من ألفي قارع طبول يجوبون شوارع تركيا خلال الشهر الفضيل. ويرتدي عازفو الطبول الزي العثماني التقليدي بما في ذلك الطربوش والسترة المزينة بزخارف تقليدية. وأثناء تجولهم بالدافول (الطبل التركي ذو الرأسين)، يعتمد قارعو الطبول في شهر رمضان على كرم السكان لتزويدهم بالبقشيش أو حتى دعوتهم للمشاركة في وجبة السحور. ويعتقد العديد من السكان أنهم سيحصلون على الحظ السعيد مقابل تبرعاتهم لقارعي الطبول. وفي الآونة الأخيرة قد ّّم المسؤولون الأتراك بطاقة عضوية لقارعي الطبول من أجل غرس الشعور بالفخر في نفوس أولئك الذين يقومون بهذه الخدمة في سبيل الحفاظ على هذا التقليد القديم في دولة سريعة التغير أكاديمي وناقد: خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية

61

60

2024 مارس 293 / العدد

التقاليد الرمضانية في الإمارات ودول أخرى: جولة عالمية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online