torath 293 - Mar - 2024

تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..

المشرق العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لما يمثله من عمق روحي وقدسية، ولطقوسه وعاداته المختلفة أيضا ًً، ومن هؤلاء إيتيان دينيه الذي صو ّّرفي لوحاته الكثيرمن طقوس رمضان الدينية، وهو مقيم بين أهل «بوسعادة»، ومن

كمظهر من مظاهر الإيمان العميق يكون أكثر، فأنجز العديد من اللوحات في الموضوع ومنها لوحة صلاة الفجر، فيبدو فيها الأب والابن والجد يؤدون الصلاة واللوحة زاخرة بمشاعر الإيمان والخشوع مع دقة في التفاصيل وتلاعب بالظل والضوء الذي يضفي مسحة من الرومانسية والسحرعلى المشهد، كما بدت لوحاته مفعمة بالحركة، حيث صو ّّر الحركات التي يقوم بها المسلم في أثناء الصلاة، وله لوحة صلاة العيد التي يؤديها المسلمون في الهواء الطلق أيضاًً، والملاحظ على لوحاته الخاصة بالصلاة أنها تمارس في حضن الطبيعة، وليس داخل المساجد كما هو الأمرفي لوحات المستشرقين الآخرين، وذلك لطبيعة “بوسعادة” الصحراوية حيث يفضل الإنسان أداء الصلاة في أي مكان يدركه وقتها، أما لوحة «لباس العيد» وتمثله طفلة تحيط بها نساء عدة يلبسنها الملابس الجديدة، ويبدو الفرح والسعادة على محيا الجميع، وتبدو الألوان زاهية وضاج ّّة بالحياة مع اقتناص لحظة الفرح التي تبدو على ملامح الشخصيات، كما غلب الطابع الصحراوي كدلالة على الصفاء والطهر والتصوف الذي يسم الصحراء وأهلها. الرحلة الثانية في حياة دينيه رحلة الحج الرحلة الثانية في حياة دينيه كان لها الأثر الكبير على حياته من عمره حج إلى بيت الله 68 وفكره وأعماله، فعند بلوغه الـ م، وبعد أن أنهى مناسك 1929 الحرام برفقة صديقه باعامرسنة الحج كتب رسالته الشهيرة من المملكة العربية السعودية، وتحديدا من محافظة جدة، يقول فيها: «هذه الرحلة تركت في نفسي انطباعات لم أشعربما هو أسمى منها في كل حياتي؛ فلا أحد في العالم يمكنه أن يعطي فكرة عما شاهدته من جوانب هذه العقيدة الوحدانية، من حيث المساواة والإخوة بين نحو ألفا من الناس من مختلف الأجناس كانوا مزدحمين 250 الواحد بجانب الآخر في صحراء موحشة». ِي بـ (الحاج ناصرالدين)، وعاد بعدها �ِّ وبعد رجوعه من الحج س ُُم إلى باريس، ولم يتمكن من العودة إلى الجزائر؛ لأن المرض لازمه، فعاد إليها ميتا بعد أن صل ّّى عليه كثير من الشخصيات الإسلامية، وممثّّلون عن الحكومة الفرنسية في مسجد باريس الكبير، ثم نقل جثمانه - حسب وصيته - إلى الجزائر، ودفن في مقبرة (الدشرة القبلية) في «بوسعادة» في ضريحه الذي بناه لنفسه بجوار قبر رفيق دربه باعامر. وك ُُتب على شاهدة قبره بالخط الثلث: «هذا قبر المرحوم بمنة الحي القيوم

م، واعتنق 1861 الحاج ناصر الدين، وُُلد بتاريخ مارس سنة م، ولب ّّى دعوة بر ّّه بتاريخ ديسمبر سنة 1913 دين الإسلام سنة م». 1929 تحولات جذرية في منتجه التشكيلي مما لاشك فيه أن المتابع لأعمال دينيه يلحظ أنها تنتمي إلى مرحلتين من حياته: مرحلة ما قبل الإسلام، ومرحلة ما بعد الإسلام؛ إذ تصور أعماله التي رسمها قبل الإسلام النمط الفني الذي كان سائدا عند رسامي فرنسا من حيث رسم المرأة عارية، لكنه بعد أن أعلن إسلامه تغير هذا المنحى عنده فأصبحت ريشته لا ترسم إلا الجمال والطهر والعفاف. كما صوّّرت ريشته مدينة «بوسعادة» التي أحبها وفق أسلوب فني يقول عنه المؤرخ الدكتور عفيف البهنسي: «امتاز أسلوب الحاج ناصر الدين بالواقعية التقريرية التي فرضتها قوة ملاحظته، وبذلك كان قريب الصلة بالناس، ومع أنه رسّّام دقيق إلا أن مقدرته التلوينية الخارقة قد أعطت واقعيته معنى خاصاًً». متاحف العالم تقتني إبداعاته أهم أعماله كان ألفونس إيتيان دينيه رساما يعمل بالأسلوب الاستشراقي الذي كان شائعا خلال فترة وجوده، لكن الإسلام وتأثيراته المختلفة الروحية أثرت في أعماله فقد ترك دينيه لوحات خالدة، وتعد لوحات: الصلاة، والعودة، وغداة رمضان، ولوحة امرأة مطلقة طردها زوجها مع أطفالها، ولوحة سطوح الأغوار، ولوحة الخروج من المدرسة القرآنية، التي يصو ّّر فيها أطفالا يلعبون مع أحد أقرانهم بعد خروجهم من مدرسة تحفيظ القرآن، ولوحة الراقصة ذات الوشاح. لم يكن دينيه رساما مشهو ار فقط، بل كان مفك ار وكاتبا ًً، سخ ّّرقلمه لنصرة الإسلام والمسلمين؛ إذ نشر آراءه في كثير من الكتب التي يتحدث فيها عن الإسلام، وعظمته. ومن كتبه (الحج إلى بيت الله الحرام)، الذي كتبه بعد عودته من الحج، أما كتابه (محمد رسول الله)، الذي يصوّّر فيه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي شاركه في تأليفه سليمان بن إبراهيم، فيعد من أهم مؤلفاته، وكان قد وضع مقدمة هذا الكتاب الشهير شيخ م 1956 الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود في مارس سنة أكاديمي وباحث في التراث

لوحاته الخاصة بطقوس رمضان: لوحة «مراقبة هلال رمضان»

وهي تُُمثّّل ثلاثة رجال وطفل يراقبون السماء ويرفعون أيديهم بالدعاء، وتبدو ألوان اللوحة مضيئة ونورانية وشفافة ويطبعها الهدوء والدفء الدال على الانسجام بين الألوان والأحاسيس، وتعبّّر عن دقة في نقل أحوال أصحابها النفسية والمشاعر الدالة على الخشوع وعلى عمق الإيمان. لوحة رؤية الهلال والصلاة ومن طقوس رمضان عند دينيه رؤية هلال رمضان التي جس ّّدها في لوحاته، وكان لها احتفالية خاصة عند السكان هناك ومراسم للاحتفال الشعبي والرسمي عبر إقامة الزينات والفرح والابتهاج بقدوم شهر رمضان، ومن طقوس رمضان الأخرى في أعمال إيتيان دينيه، الصلاة، فرغم حضورها كطقس يومي في حياة المسلمين فإن الحرص على أدائها في الشهر الكريم

67

66

2024 مارس 293 / العدد

كيف غيّّرت الرحلة حياة الفنان التشكيلي الفرنسي «إيتيان دينيه» من إيتيان دينيه إلى الحاج ناصر الدين دينيه لوحات بطقوس رمضانية

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online