torath 293 - Mar - 2024

تأملات في مستقبل التراث الرمضاني..

ًًرح ّّالة ومستشرقون يوثّّقون المظاهر الرمضانية في القاهرة قديما

المؤذن جميلا داعيا الناس إلى الصلاة، ثم ينطلق المدفع من قصر العباسية، فتعم الفرحة أرجاء القاهرة التي كانت صامتة، وينتقل إحساس الترقب المبهج إلى اللسان الجاف، والمعدة الخاوية، والشفاه الواهنة، فيشرب الناس من «قُُلّّةْْ» الماء، ويطلبون في عجلة الشيشة، مع قدح من القهوة ثم ينتظرون مباهج المساء. ومن المعروف أن العاصمة المصرية القاهرة، اهتمت على مر العصور، باستقبال شهر رمضان المبارك وأحاطته بأنواع من التكريم والتعظيم وأحيته بصنوف من العبادة وأغدقت فيه من الخيرعلى الفقراء والمعوزين، كما اهتمت بالاحتفال برؤية هلاله، في مواكب كان يتقدمها الحكام والوزراء ورجال الشرطة والجيش. وكانت ما تسمى بـ «دار الفطرة» تنجز كميات كبيرة من الكعك والحلوى وكعب الغزال يبدأ الإعداد لها من شهر رجب حتى منتصف رمضان، وكانت الميزانية المقررة لدارالفطرة، تبلغ عادة ستة عشرألف دينار، وذلك لشراء الدقيق وقناطير السكر واللوز والجوز والفستق والسيرج والسمسم والعسل وماء الورد والمسك والكافور، إلى جانب المناديل والمفارش الحريرية لإعداد السماط والفوط التي يغطي بها الكعك عند توزيعه على الخاصة والعامة. كما عرفت القاهرة، مواكب استقبال شهر الصوم، ومواكب رؤية هلال رمضان، وقد عُُرِِفََت مصر الفاطمية، باحتفائها اللافت للنظربرؤية هلال شهررمضان، إذ كان «يخرج الخليفة، في موكب، متحليا بملابسه الفخمة، وحوله الوزراء بملابسهم المزركشة، وخيولهم المطعمة، بسروجها المذهبة، وفي أيديهم الرماح والأسلحة المذهبة، والأعلام الحريرية الملونة، وأمامه الجند، تتقدمهم فرق الموسيقى وهي تصدح بأنغام شجية،

ويسير في موكب الرؤية التجار وصيّّاغ الذهب والصيارفة وغيرهم من أصحاب المهن والحرف»، ولاتزال الكثير من المظاهر القديمة لمواكب استقبال شهر رمضان باقية في المواكب المعاصرة التي تقام ببعض الأحياء الشعبية في القاهرة، احتفاء بقدوم شهر رمضان حتى اليوم. وتشهد ساحات ميدان مسجد الإمام الحسين، في حي الحسين الشعبي الشهيرفي القاهرة، زخما خاصا في ليالي شهر رمضان، وتستقبل مقاهيها الآلاف من الزوار الأجانب والعرب والمصريين، ويُُعد شهر رمضان مناسبة سنوية لحالة من الازدهارالسياحي في المنطقة التي تفتح مطاعمها ومقاهيها في كل ليلة من ليالى رمضان، قبيل موعد الإفطار، وتظل عامرة بروادها حتى انطلاق أذان الفجر إعلامي مصري

علي تهامي لليل القاهرة في شهر رمضان مذاق خاص، وصورة متفردة جعلتا لشهر الصوم في العاصمة المصرية، طابعا خاصاًً، جذب أعين الرحالة العرب، والمستشرقين الأوروبيين، طوال قرون مضت. وفرضت عوالم القاهرة وروحها الشعبية، سطوتها على الكثيرين من الكتّّـاب والمثقفين المعاصرين، الذين وقعوا في عشق مقاهيها ومعالمها التراثية، ومبانيها التاريخية، وعمارة «القاهرة المعزية» أو القاهرة الفاطمية. لكن تبقى ليالي شهر رمضان هي الأكثر عبقاًً، والأكبر تأثي ار في أعين وقلوب الرح ّّالة والمستشرقين الذين وثّّقت كتاباتهم الكثير من المظاهر الرمضانية في نهار القاهرة وليله قديما ًً. مثل البريطاني «إدوارد لين» عن رمضان قائلا «والليلة التي يُُتوقع أن صبيحتها رمضان تسمى ليلة الرؤية.. فيرسل عدد من الأشخاص الموثوق بهم إلى مسافة أميال عدة في الصحراء حيث يصفو الجو لكي يروا هلال رمضان». 1483 والرحالة الإيطالي «فيلكس فابري» الذي زار مصر عام ميلادية، والذي عب ّّرفي كتاباته عن دهشته ليلة دخوله القاهرة لكثرة ما رأى في شوارعها من الأنوار والمشاعل والفوانيس مختلفة الألوان والأشكال، يحملها الكباروالصغارولم ّّا استفسر

عن ذلك الصخب، قيل إنه شهر رمضان وإن المسلمين يحتفلون به على هذا النحو. والرحالة الفرنسي «جان باليرن» ميلادية، والذي قال في مذكراته بأن 581 الذي زار مصر عام المصريين يحرصون في رمضان، على توزيع اللحوم والصدقات على الفقراء ويتبادلون الزيارات والسهرات ويقومون بإنارة فوانيس كبيرة ملونة أمام المنازل والحوانيت وفي المساجد. والرحالة «برناردي بريد باخ» الذي قََد ِِم إلى مصر من مدينة البندقية في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، ووصف مظاهربهجة الناس بشهررمضان، مثل إنارة المساجد والدروب والإنشاد وحلقات الذكر. والأيرلندي «ريتشارد بيرتون» الذي ميلادية، وكتب عن مظاهر شهر 1853 وصل إلى مصر في عام رمضان في مدينة القاهرة قائلاًً: «تراعي مختلف الطبقات شعائر هذا الشهر بإخلاص شديد رغم قسوتها - على حد قوله - فلم أجد مريضا اضطر ليأكل حتى لمجرد الحفاظ على حياته.. وحتى الآثمين الذين كانوا قبل رمضان قد اعتادوا السكر والعربدة حتى في أوقات الصلاة قد تركوا ما كانوا فيه من إثم فصاموا وصلّّوا. والأثر الواضح على هذا الشهر على المؤمنين هو الوقار الذي يغلف طابعهم وعند اقتراب المغرب تبدو القاهرة وكأنها قد أفاقت من غشيتها فيطل الناس من النوافذ والمشربيات بينما بعضهم منهمك في صلاته وتسبيحه ينطلق مدفع الإفطار من القلعة، ويجلجل صوت ا � وأخير

69

68

2024 مارس 293 / العدد

ًً

رح ّّالة ومستشرقون يوثّّقون المظاهر الرمضانية في القاهرة قديما

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online