إضاءة
الباب والتراث الشعبي
الموروث الشعبي من أدوات وآليات، ولذا فإنهم وفق هذه الموروثات يرون في حدوة الحصان أداة لها تأثيرها الفعال في منع العين والحسد والسحر، ولذا علقوها على باب الدار لمنع الأذى والحسد والشر وفق معتقداتهم. الباب أداة الدخول للدار والأمان والحصن والعتبة الأولى، ولذا فإن مسؤوليته كبيرة لدرء الأخطار المعنوية كالحسد والشر، ولذا ربط الإنسان بينه وبين المنع بتداول مثل هذه الأشياء التي يعلقها على الباب لاستكمال تحصينه المعنوي ضد هذه الأخطار. الباب هنا يمثل رسميا في الموروث الشعبي عينا ساهرة عن حمايتهم، ليس عن ا � أمني ل � ويعتقدون به مسؤو اللصوص والباغين والعادين ولكن من العادين معنويا أيضا والمستخدمين لأساليب معنوية في إنزال الضرروالحسد الذي هو شر مستطير في عرف الذاكرة الشعبية المتدينة والمؤمنة بعمق ٍٍ، حيث إن الحسد مذكور في القرآن وموجود في ذاكرة الناس بعمق على مدى التاريخ، ولذا فإن الحماية منه هي مسؤولية الباب إضافة إلى مسؤولياته المتعددة الأخرى، ومن أجل ذلك ت ُُعلق عليه التمائم والأحجبة ورموزالمنع وقتل العين الرائية ومنع الحسد
يهودي ويستخدم كتعويذة لصد الحسد والسحر وموجودة في التراث اليـهودي والمسيحي وتستخدم في عموم الوطن العربي وبعض دول أفريقيا، وتستخدم هذه التميمة تسميات مختلفة لدى الديانات والمذاهب. المهم أنه يعلق على الباب في بعض المناطق الشعبية العربية والريفية كرمز للحماية من الشرور وجلب الرزق في آن. الباب مدخل الدار مسؤول عن الأمان المادي والمعنوي لأهل الداخل، ولذلك فإنه استخدم وطبقا للمعتقد الشعبي ليكون أهلا لهذا الأمان المنتظر ومن الأمور الغريبة الموجودة في الموروث الشعبي هو أهمية أن يعلق حذاء قديم على باب الدار ليكون في استقبال الأشرار وأصحاب النوايا السيئة ويعتقد بعض الناس أن هذا الحذاء يرد العين ويدفع الحوادث ويبدو أن الحذاء القديم هو رمز للرد والدفع والحماية التي تسهم في تغليف الباب وتحصينه ضد القادم الذي ينوي الشر، ولا يؤمن جانب الخطر القادم من عينه اللامة أو سوء ظنه الحاسد للنعمة التي يرفل فيها أهل الداخل إلا بوضعه أو بوضع غيره من المعوذات المانعة للحسد والأذى. هناك أشياء ومواد أخرى يرى الناس في المناطق الشعبية ووفقا لذاكرتهم وموروثهم الثقافي والتراثي أن هذه المواد يجب أن يكون الباب متعانقا معها أوبها ليكون الحصن الآمن المادي والمعنوي. ومن هذه الأشياء التي ما زالت متوارثة وموجودة في صعيد مصرأن بعض الصعيديين يحصنون باب دارهم بـ «قرون الخروف» ويعلقونها أعلى الباب كوجاء وحماية وحفظ البيوت من الشر وفلق العين الحسودة وتعتبر القرون هذه إحدى أدوات الحماية والدرء في يقين الذاكرة الجمعية الشعبية ولها دلالات مستلة من تاريخ طويل من ممارسات شعبية تهتم بدرء الحسد واستخدام واجهة الباب الرئيسية للدار منعا من شر الحاسدين وبالتأكيد هذه الممارسات أو دلالات هذه القرون مرتبط بجذرعميق متوارث أجيال عن أجيال وبالتوازي مع هذه الأشياء تعتبر حدوة الحصان رم از متوازنا لدرء الشر والحسد والعين أيضاًً، حيث إن الحسد يمثل أحد الشرور التي يحاول الناس اتقاءها فيضطرون إلى اللجوء إلى الأساليب الشعبية والمعتقدات لمنع عين الحاسد الحاقد وفق ما يجده في
يمثل الباب ذاكرة شعبية مهمة حيث دارت حوله القصص والحكايات الجمعية الشفهية في عموم الوطن العربي الكبير من أقصى الشرق العربي إلى مغربه، وتكاد تكون الحكايات واحدة وتحتفظ الذاكرة بالعديد من الممارسات الشعبية التي اهتمت بالباب بوصفه المدخل الأول والعتبة الأولى نحوالداخل ونحومكونات الداروالسكن وبالتالي فإن الباب هوالوجاء الأول المانع للدخول من ناحية، ومانع نظر الرائي أو المتطلع بشر أو سوء أو حسد أو بعين لامة لأهل الداخل ومتاعهم ومحتويات دارهم وممتلكاتهم. ولذا سنجد للباب اهتماما من الناس لدرء مخاطر القادم في شكل ممارسات متعددة. الباب في التراث ومنع الحسد: تم الاهتمام به من حيث الشكل وهندسته وإزجاء ألوان ونقوش ورسوم محفورة أو ملصوقة كعنوان للعز والفخامة والتعبير عن أهميته. ولم يتم الاكتفاء بذلك فتم استخدام الباب لدرء الحسد وعين الرائي القاصدة الضرر والإمعان في إنزال الخطر على أهل الداخل المتحصنين بالباب، فكان بعضهم يلجأ إلى صيد هدهد وذبحه ووضعه داخل كيس قماش ويعلق أعلى باب الدار أو المسكن، حيث إن الهدهد في اليقين الشعبي يمنع الحسد والغل والخطر من القادم الداخل للدار. والهدهد يحظى في الذاكرة الشعبية باهتمام كبيرويعد من أقرب الطيور البرية إلى الناس حتى إن المصريين القدماء لفرط حبهم كانوا يربون الهدهد في البيت ويربطون بينه وبين عين حورس التي كانوا يعتقدون على قدرتها على رؤية العوالم الخفية، وفي الحضارات كلها والذاكرة الإنسانية عموما إجلالا وحبا لهذا الطائر. واعتبره العرب رم از للبر بالوالدين ونسبوا تاج الهدهد إلى أسطورة تتحدث عن هذا البر. ففي الذاكرة الشعبية المصرية حتى عهد قريب كانوا يرون في دم الهدهد واقيا من الحسد والعين ولذا كانوا يعلقونه، أي الهدهد، على الباب درءا للحسد وطردا للعين الحسودة وبالطبع أنسب مكان لذلك هو حلق باب الدار وقبل دخول الحاسد لمنع حسده وقبل دخوله إلى الدار والنظر إلى مكنونها ومكتنزاتها. ومن الممارسات المعروفة في الموروث الشعبي هو تعليق الخرزة الزرقاء على الباب وهو طقس شعبي كان إلى عهد غير
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
بعيد مستخدم في البيوت في الأحياء الشعبية أو في بعض المنازل في الريف المصري، حيث يؤمن بعضهم أن الخرزة الزرقاء تمنع العين اللامة والحسودة وترد شر الحاسد عليه.. وتعود أصول هذا المعتقد إلى المصريين القدماء حيث ورثها بعضهم ظننا منهم بأن القوى الخفية الشريرة تسبب الأذى والضرر، لذا تلجأ مجموعة منهم إلى نوع من التمائم لدرء هذا الأذى وتلك الأضرارالمتوقعة والحماية وتوفيرالأمن والأمان من تلك القوى الخفية ومن الحسد والعين اللامة أيضاًً؛ ولذلك اعتقدوا بالخرزة الزرقاء الموروثة من المعتقدات المصرية القديمة وقاموا بتعليقها على الأبواب كوجاء وحماية. ومن أشكال تحصين الباب ضد الرائين والحاسدين وأصحاب ضمائر السوء العابرين لأهل الداخل تتعدد أشكال هذا التحصين، حيث يتم وضع يد على شكل كف مفتوح وهذا الكف ترفع في وجه الآخر، فحين يرى أحدهم أن الآخر يلمز ًًا بحسده فإنه يرفع كفه المفتوح قائلا خمسة وخميسة درء لهذا الحسد الذي يراه متقصدا من الطريق الآخر، وهذا التعبير مستخدم في الموروث الشعبي العربي، وخمسة وخميسة تقال في وجه الحاسد وحولوا هذه الكف إلى شكل ملموس مصنوع من الخشب أو الحديد أو الخزف أو الطين المحروق وعلقوه أعلى أبوابهم كحماية من عين الحاسد قبل ولوجه إلى أعماق الداخل ورفع خطره وإبطال مفعول عينه من العتبة الأولى ومن عند الباب وقبل عبوره له. وهذه الخمسة أو خمسة وخميسة التي يعلقها بعضهم على بابه لدرء الحسد أو السحر.. هي رمز
71 2024 مارس 293 / العدد
70 من والتراث الشعبي
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online