torath 293 - Mar - 2024

أثر العابر

ارتياد الآفاق

ِقها هذا الكتاب. تزوََّج �ِّ ومن السنغال بدأ بارك أسفاره التي يوث بارك واستقر به المقام في منطقة (بيبلز) حيث كان يمارس ِ، لكن الحكومة البريطانية أقنعت ْْه بالسفر مجد ََّداًً. �ِّ مهنة الطب أبحرت السفينة الم ُُق ِِلََّة له من ميناء (بورتسماوث) الإنكليزي في م وقد خط ََّط بارك أن يقتفي أثر 1805 الثلاثين من يناير عام نهر النيجر إلى حيث منبعه أو أن يقضي نحبه خلال المحاولة، فكانت الأخيرة، حيث هاجمه السكََّان الأصليون خلال عبوره مجرى ضيقا من مجاري النهر في منطقة (بوسا)، وقاموا بقتله مع مُُرافقيه جميعهم عدا أحد الزنوج المصاحبين له. حفظت ِ هذه السفرة المميتة، �ِّ لنا يومي ََّات مونغو بارك جانبا من سجل وهو يََختِِم بما يشي بأنه سوف يلقى حتفه، وهو السجل الذي م تحت عنوان «يوميََّات بعثة إلى 1815 نُُشر أو ََّل مر ََّة في عام بقلم مونغو بارك، وأرفقها بوثائق 1805 أدغال أفريقيا في عام أخرى رسمية وخاصة متعلقة بالبعثة ذاتها علاوة على تصدير ِد بارك» �ِّ يتضمن وقائع حياة السي باحث في أدب الرحلة المصادر والمراجع: . الكتاب الأصلي باللغة الإنجليزية: 1 Travels in the Interior of Africa (1795-7) Vol.1, Author: Mungo Park, Editor: Henry Morley, London-Paris-Melbournem Cassell & Company edition-1893. ، تأليف مونغو بارك، ترجمة ودراسة د. 1797 - 1795 . أسفار في أعماق أفريقي 2 م. 2022 نعيمة الحوسني، طبعة دارالمتوسط ودارالسويدي للنشر، . تاريخ أفريقيا العام - المجلد السادس، ج . ف، آديآجابي، منشورات اليونسكو، 3 ، م . ط، حسيب درغام، لبنان. 1997

ِيْْن)، يقول في �ِّ القادر) ملك (فوتا - تورا) و(دامل) ملك (الجالوفي نهايتها: ... ومن ضمن مََن تم أسرهم كان الملك (عبد القادر) ِب الذي كان قبل شهرقد �ِّ نفسه. وها هو الأميرالطموح المتعص أرسل رسالة تهديد ووعيد إلى (دامل) يُُساق إلى مجلس غريمه (دامل) أسي ار ذليلا مهاناًً. كان مسلك (دامل) في هذه الواقعة ِين الم ََد ََّاحين وتبجيلهم، وإنه لأمرخارق حق ََّا ما �ِّ محل مدح المغن ًًا أتاه ذلك الأمير الأفريقي، ما يجعل تصديق القارئ للرواية أمر شبه مستحيل. فما إن سيق الأسير الم ََل ََك ِِي م ُُكب ََّلا بالأغلال إلى حضرة الأمير(دامل)، وط ُُرح أمامه فوق الأرض، وعوض أن يضع الأمير وََف ْْق ََا للعادات السائدة ق ََد ََم ََه فوق ع ُُنق غريمه، ويطعنه بر ُُمحه وج ََّه الأميرالشهم الواسع الأ ُُف ُُق كلامه إلى خصمه الأسير كالتالي: (أجب عن هذا السؤال، يا عبد القادر. إن كانت واتتك الفرصة لتكون في مكاني فماذا كنت فاعلاًً؟) «كنت غرست رُُمحي في قلبك ََ»، قالها عبد القادر بتوكيد وثقة، وأردف: «وأنا أعلم أن هذا المصير ينتظرني». فقال دامل: «لا، ليس هكذا، فرُُمحي مخض ََّب بدماء رعاياك وجنودك الذين لاقوا حتفهم في ِبه أكثر بدمائك ََ، لكن هذا لن �ِّ المعركة، وبوسعي الآن أن أُُخض يعيد بناء بلداتي المخرََّبة، ولن يعيد الحياة إلى آلاف القتلى في الغابات. ولهذا فأنا لن أقتلك بدم بارد، ولكنني سأحتفظ بك كعبد لي حتى أتأكد من أن عودتك لمملكتك لن تكون مصدر ِرأفضل ط ُُرُُق التعامل معك ََ». �ِّ خطرعلى جيرانك، وعندها سأقر وعليه فقد تم احتجاز (عبد القادر) فعمل كعبد لمد ََّة ثلاثة أشهر، وفي نهايتها أصغى (دامل) لتوس ُُّلات أهالي (فوتا - تورا)، وأعاد لهم ملكهم. ومهما بدت لكم تلك القص ََّة غريبة عجيبة، فأنا أشهد بص ِِد ْْقها.. صاحب الرحلة المولد والرحيل: للميلاد لأب مزارع 1771 و ُُلد مونغوبارك في العاشرمن سبتمبر ِ في مقاطعة إدنبرة �ِّ من بلدة فاولشيلزبعد أن أنهى دراسته للطب الإنكليزية وهو لم يتجاوزالحادية والعشرين عاما ًً، غادرإنجلترا كمساعد جرََّاح على مََتْْن سفينة متََّجهة إلى الهند الشرقية. وعند رجوعه كانت الجمعية الأفريقية بحاجة إلى مستكشف يحل محل الرائد (الميجور) هوتون الذي فقد أثره. تطوََّع مونغو بارك، وكان حينها في الرابعة والعشرين من العُُمُُر، لأداء المهمََّة، وقبلت الجمعية تطوعه. وفي اليوم الثاني والعشرين م ركب السفينة المتََّجهة صوب سواحل 1795 من مايو السنغال، حيث وصل إليها في شهر يونيو من العام نفسه.

أماكن في القلب

رحلة الإنسان مع الحياة، في تقاطعات أسفاره وتنقلاته، في وفي تغييرمواضع إقامته من مدينة إلى أخرى، يلتقي أماكن لم يرها من قبل، يشعر إزاءها بحميمية ودفء غريبين، ومصدر الغرابة هنا أنه يشعر بأنها قريبة منه كثي ار وأنه رآها من قبل، وعاش فيها، وسكنها، وكوّّن ذكريات في أرجائها، بينما في الحقيقة تكون المرة الأولى التي يرى فيها هذه الأماكن! كثيرون منّّا عاشوا هذا الشعور في أماكن يرونها لأول مرة، ويشعرون إزاءها بالحنين، وبتواصل روحاني شفيف ومحير مع تفاصيلها، تستقر النفس وتشعر بالسكينة بينما تتجول في أنحاء هذه الأماكن، فهل للأماكن روح وألفة؟ وهل للحس ٍ في عمق اللاوعي يكوّّن صوار لأماكن �ٍّ الإنساني بعد غير مرئي لم يرها أو يستكشفها من قبل، ولكن حدسه صوّّرها له في عالم آخرٍٍ؟ تبقى هذه الأماكن في روح الإنسان أينما حل وارتحل، يحملها في تنقلاته وأسفاره، ويحيا بتفاصيلها، وتظل حية في ذاكرته، بصورها ورحابتها، وأدق خفاياها، تحفزه دائما لارتياد الآفاق بالحنين وبالدهشة والرغبة ا � ليبحث عن مثيلها، مدفوع في الاستكشاف ومعرفة نفسه، فالإنسان يعرف نفسه بالأسفار والتقاء الأماكن الجديدة، وبالآخرين، وبتقدم الزمن، وبإحساسه المتغير في العالم. ما الذي يمنح الأماكن خصوصية وتمي از عن غيرها؟ هل هو التاريخ وما عاشته من أحداث ووقائع منحتها صفات أكسبتها فرادة عن سواها؟ هل هي الطبيعة في حوارها المستمر ق مع هذه الأماكن، في نحتها زواياها وصقلها ا والهادئ الخلّا أركان بيوتها وساحاتها؟ هل هم البشر في مرورهم عليها بما منحوه إياها من ضجيج وحيوات صاخبة وآمال وأحلام وانكسارات قبل أن يرحلوا عنها وقد تركوها شاهدة على ذكريات تختزنها في أركانِِها التي عايشت كل تفصيلة لهم؟ هل تبد ل الفصول والأيام واندفاع الزمن في تفاعله مع طبيعة هذه الأماكن هو ما يمنحها خصوصيتها؟ هل هو الوقت؟ ذلك الزائر الساحر الغريب، يمر بالأشياء فيغير طبيعتها ولا يغيره أحد أو يستطيع إيقافه أو إبقاءه ولو برهة بلا اندفاع؟!

حمزة قناوي شاعر وناقد مصري

ما الذي يُُكسب الأماكن سحرها؟ ولماذا ننجذب إلى بعضها بصورة آسرة كالمسحورين، ولا يشدنا الآخر؟ إن ما ينطبق على الأماكن ينسحب على مُُدن بأكملها، ما إن يصل إليها المرء حتى يستشعر ألفة وحنينا غير مألوفين في روحه لها، كأنما يعرفها منذ زمن، وعاش فيها وكوّّن ذكريات وصداقات رغم أنها المرة الأولى التي يفِِد إليها! يتعمق الإحساس بالمكان - أو يخف ويتراجع - وفق أوقات معينة أيضاًً، فثمة أماكن يتلمس فيها الإنسان هذا الحس العميق بتواصله الروحي معها مع أول خيوط الفجر وإشراقة النهار، فتبدأ في البوح له بأسرار آسرة لا تبوح له بها إلا مع تسلل ضوء الشمس بين ظلمة الليل المنسحب، مفسحا المساحات كلها للنور والتماس الضوء، وثمة أماكن أخرى لا يجد الإنسان فيها ذلك الصدى الروحي العذب سوى مع بدء المساء والليل المنسدل على الطرقات والبيوت والساحات والزوايا والأرصفة، حينها يبدأ حوار خافت بين روحه وهذه الأماكن، كأنما يتعرف إليها للمرة الأولى، وكأنما تعرفه منذ زمن. للأماكن سحر لا يبوح بخفاياه وأسراره إلا لمن ينصت ويصغي لأعماقها البعيدة وتفاصيلها القديمة الضاربة في التاريخ، تاريخ البشر والطبيعة والتواصل مع تفاصيلهما التي لا ت ُُمحى. والإنسان في عبوره بها وانتقاله منها إلى غيرها إنما يترك بعض روحه فيها، ناسيا ذاته، وعائدا إلى نفسه في الوقت ٍ لا ينتهي بينهما �ٍّ ذاته، في حوار أبدي

83 2024 مارس 293 / العدد

82

م رحلة الجغرافي والمستكشف الأسكتلندي مونغو بارك 1797-1795 أسفار في أعماق أفريقيا

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online