torath 293 - Mar - 2024

أدب ونقد

لعبة اللغة والدلالة )2( في قصيدة النثر الإماراتية

حبيب الصايغ

هيثم الخواجة

عبدالله السبب

الهنوف محمد

. إنه عبرهذا الفحوى ) 3 ( للأحدب أن يطعن قوس القزح العالي..) لا يبتعد عن المفهوم الذي أطلقه أجدادنا العرب القدامى والأوربيون للشعرالذي يأتي بصورة أخرى تحاكي الواقع بملامح مختلفة تكون على غير هيئة الاستنساخ والتسجيل كونه لغة منغمسة في الحلم والمجاز كما يؤكد الزمخشري وابن رشيق وصولا إلى أحمد عبد المعطي حجازي ومحمود درويش. ولعل المقولة العربية المتداولة: أجمل الشعر أكذبه - بمعنى مخالفته للمألوف - تأتي تعبي ار لتكريس هذا المجاز الذي تحوّّل إلى هاجس دائم ومََلْْمََح ملازم لتراكيب حبيب الصايغ، كما يستخلص هيثم يحيى الخواجة في كتابه (لعبة اللغة والدلالة)، وهو ما أضفى على هذه التراكيب صفة التشكيل البصرية وميله إلى الصورة التي تبلغ في ملامحها قواما غرائبيا وخصوصا في إصداراته (ميارى، والملامح، وقصائد على بحر فهو يقول في إحدى قصائده: ) 4 ( البحر، وغد..) (إذا أهملتني سنوات البرد حاصرني ظلي عرقلني ظلي والشمس محدودبة الظهر كشكل بارد ) 5 ( والظل يقظان..) إن الشاعر حبيب الصايغ تبوأ مكانة متقدمة في قصيدته النثرية ليس على الصعيد الإماراتي كما يرى الناقد هيثم يحيى الخواجة بل على الصعيد العربي أيضاًً. والإعجاب عينه لا يخبو ولا يتغير في مقاربته لنتاج عبد الله محمد السبب الشعري الذي يقوم على لعبة المعنى ضمن لغة شعرية لا يتوقف الاختزال فيها عند حدود التكثيف بل يتعداه إلى حافة استقطار التكثيف نفسه. وفي هذا المنحى الذي يحوز فيه المعنى على

الأولوية، لا يقوم على حساب الدال الذي يتم الإيماء إليه ويتم اختزانه واستثماره لمصلحة المدلول - كما هي الحال - وهي وضع الجسد في الظل لمصلحة النفس والعقل حسب تعبير . وهو ما يتبين منه مقدار الصعوبة التي يتكبدها ) 6 ( علي حرب الشاعر حين يصر على بلوغ المعنى دون إنفاق الكثير من التراكيب والمفردات الشعرية إلى حد لا تتعدى الشطرة عنده أكثر من كلمة واحدة كقول الشاعر عبد الله محمد السبب على سبيل المثال: (وفي فيك دم

أحمد حسين حميدان في مقاربتنا الثانية للنقد والدراسة التي تناولت قصيدة النثر الإماراتية، نؤكد مرة أخرى أهمية الإصدار النقدي (لعبة اللغة والدلالة) الذي أصدرته وزارة الثقافة والشباب في أبوظبي للكاتب والناقد الدكتور هيثم يحيى الخواجة، الذي جاء اهتمامه منصبا على ملامح قصائد النثر الإماراتية رغم أن هذا اللون من الكتابة مازال بين أخذ ورد ّّ، ومازال م ُُخ ْْت ََلفا عليه للكاتب والناقد الخواجة ليقارب النتاج الشعري الإماراتي ) 1 ( وخصوصا من الناحية الفنية، ويأتي كتاب لعبة اللغة والدلالة الذي تم إنجازه بقوام قصيدة النثر مشددا ومؤكدا أن هذا اللون الشعري ليس متروكا للمزاج بل ثمة سمات أساسية لا بد من توافرها في نصوصه في مقدمتها التكثيف والاقتصاد اللغوي الذي يحرص عليه الشاعر ليبعد عن قصيدته الحشو والترهل. وكذلك الدلالة والرمز والتعبير الخلاق والتخييل حيث البحث عن تراكيب جديدة ودلالات ومعاني غير معهودة فالمكان في القصيدة ليس هو الحيز الجغرافي وقوانينه المألوفة، بل هو المتخيل والمرسوم برؤية الشاعر والأمر عينه يتعلق بالزمان الذي لا يبقى في صورته المعاشة بل يتلون تبعا لما تطرحه من خلاله القصيدة فتتوالد في منظومته الأحاسيس بما يتوافق مع المكونات الشعرية للقصيدة. وفي القسم الثاني من كتابه يقارب إصدارات كل من الشعراء حبيب الصايغ، وعبد الله محمد السبب، ومروى الخانجي، والهنوف محمد، ساعيا عبرها إلى مقاربة النواحي الفنية والتعبيرية في نتاجهم التي ابتدأ فيها بقصائد حبيب الصايغ الذي بدا له أن أهم ما يشغلها البحث عن (الأنا) الفردية المتماهية مع (النحن) الجمعية ويأتي التعبير عن هذا التوجه في قوله: (واركضي في وجهي الشارد ) 2 ( وامضي كشتاء واقف بين عيوني..)

دامع دامغ في الرماد وعلى جبينك طبع الرماة قبلة ََح ََس ْْب ُُكََ ح ََس ََب ُُك سحبك حبك ) 7 ( بك..)

إن هذا التماهي للمفرد في الآخر كأنما يستجدي فيه حبيب الصايغ الانعتاق من المآل النهائي للحياة الإنسانية المتمثل بالموت الذي ينفي عن الوجود البقاء الخالد ويجعله عارضا ومؤقتا وكأنه بذلك يتوازى مع قوانين الحياة المؤقتة ذاتها القائمة على ثنائية الحضور والغياب، الشروق والغروب، الفرح والحزن.. وكان من مؤدى هذا الانقلاب بالحال إلى نقيضه إلى جعل المكان في قصائد الشاعر الصايغ يصبح رهن المد والجزر ورهن التحولات التخييلية فالبحر عنده يخرج عن ملامحه وصورته المعهودة ويصبح جسدا وقبار غامض المعالم والصحراء من حوله تتخلى عن هيئتها لتكون مراكب وأشرعة وهو بهذا التوجه يحاول مع شخصيات قصائده العوم فوق أزمات الواقع اليومية ويسعى للانتصار بتصميم العزيمة والإرادة على أي إعاقة يمكن لها أن تضعف المجابهة الإنسانية لكل ما يعكر صفو العيش والحياة ويقول حبيب الصايغ بهذا الصدد: (آن

إن الشاعر السبب دائم البحث عن ذاك المختلف عم ّّا بلغه وأنجزه ذلك أن الحداثة هي بحث مستمر وهي اكتشاف مستمر أيضاًً. فهو يهجس بالتنويع وخوفه من المباشرة دفعه إلى الغموض كما أنه يلجأ إلى التكرار المتعم ّّد الموظف وإلى التجريب المستمر وأهم العناصر التي يعتمد عليها لتكون عوامل مساعدة له في تخصيب قصيدته إضافة إلى التكرار المتعم ّّد، والاشتقاق والتحفيز وبث صيغ الأسئلة في تراكيبه

85

84

2024 مارس 293 / العدد

) 2 لعبة اللغة والدلالة في قصيدة النثر الإماراتية (

Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online