دراسات إماراتية
) 6 (ْْ ع ُُق ُُوق ُُها إلا الض ََّلال الض ََّلال في هذه الأبيات يسمو الشاعر بمرتبة الصحراء ومكانتها، ولا يقف عند حدود مساواتها بالأم، فهي كل الأهل والأقرباء، أم وعم وخال، وإهمالها والتخلي عنها لا يختلف عن عقوق الابن لأمّّه. وتتصف الصحراء بمعان كثيرة في هذه القصيدة، فهي: الأرض - السكن والدار، وهي صلة القرابة والرحم - العم والخال، ولها الانتماء ومن دونها يعيش المرء منبوذا ضائعا غريباًً. ولو تتب ّّعنا هذه الرحلة الزمنية مع الصحراء نراها ممتدة وقديمة تبدأ من مرحلة النشوء ثم الانتماء ثم الطاعة والولاء، هذه المعايشة اللحظية للصحراء والتدرج معها من مراحل الطفولة إلى الصبا والشباب وانتهاء بالكهولة والشيخوخة، لا شك أنها تعز ّّز أواصر الألفة والتوحد مع المكان والتجذر فيه، فهي ليست علاقة عابرة كعلاقة مسافر مر بمكان واستظل بفيء أشجاره ثم تابع مسيره، إنها العلاقة المزمنة، علاقة الابن بأمه وأعمامه وأخواله، وهل هناك علاقة أوثق وأمتن من هذه العلاقة؟ المكان والإنسان في هذه الأبيات جزء لا يتجزأ من كيان متكامل، فالمكان يعيش في الشاعركما يعيش الشاعر فيه. ونرافق الشاعرة هند القاسمي وهي ترسم لوحة ساحرة لصحرائها التي تتشكل مفرداتها من أشجار الغاف والظباء والن ُُّوق والطيورفيغدو المكان عام ار بالحيوية والحركة
ْْويََغُُص في س ََمْْعي السؤال َفِِر من هذا الشتاء �َ ْْل ِأ ِمال �ِّ وََأََح ُُط في وََهج الر ْْتلك التي ع ََرََفت مََساوئََنا وأنجبت الرجال
والحمام يشدو على الأغصان بنغمات عذبة تبعث في النفس راحة وصفاء. وترصد الشاعرة حركات قطعان الظباء برشاقتها وألوانها الذهبية فتضج جنبات المكان بسحرها وجمالها وألوانها فيزداد المكان جمالا على ج ََمال. ويضفي منظر النوق مسحة جمالية ثانية، وهي تتبختر في مشيتها، وكأنها تعانق بعضها بعضاًً؛ تعبيار عن السعادة التي تعيشها في أرجاء هذا السيح الأخضر، ونرى الأفعال الماضية: زانك/ملأ/نشر، فيها إشارة إلى جمال الطبيعة المتأصل في هذا السيح، وفي الأفعال المضارعة: يشدو/تتهادى/تزدهي، دلالة على الحركة والتجدد. وبهذا السبك بين ثبات الأفعال الماضية وحيوية وتجدد الأفعال المضارعة، رسمت الشاعرة لوحة متناسقة الأطوال والمعايير لهذا السيح الصحراوي، تجلّّت فيها عناصر الجمال بكل أبعادها وجزئياتها. إن الإبداع الفني الذي تجلى في حديث شعراء الإمارات عن مكانة الصحراء وجمالياتها، بكل مفرداتها؛ ظبائها وإبلها وغافها ومطرها، مرد ُُّه إلى حبهم لهذه الصحراء وتعلُُّقهم بها، وانتمائهم وولائهم لها، وصدق مشاعرهم وعواطفهم نحوها، ولا شك أن علاقتهم بها لم تكن مجرد علاقة بمساحة جغرافية وحسب، إنها علاقة متجذّّرة متأصلة راسخة، إنها علاقة الأبناء بأمهم، وعلاقة الأم بأبنائها، علاقة الأبناء بوطنهم، وعلاقة الوطن بأبنائه، ظلّّلتهم بالأمن والمحبة والحنان فََردُُّوا إليها الجميل انتماء وولاء وحبّّاًً، صنعت منهم رجالا وبرََّتهم على العزة والمروءة والشجاعة فكانوا لها أبناء بارّّين مخلصين أكاديمي سوري المصادر والمراجع: . الح ُُداء: الغناء للإبل وحثُُّها على السير. 1 ، وانظر ديوانه (مجد الخضوع)، 19 . مانع سعيد العتيبة، ديوان (المسيرة)، ص 2 . 84 - 83 ص . خضيل: روض ندي/ الوشاح: نسيج عريض يرص ََّع بالجواهر تشد ُُّه المرأة بين 3 عاتقها وكََش ْْحها. . أحمد المدني، ديوان (حصاد السنين)، قصيدة (أم الجميع)، المطبعة 4 . 141 - 140 ، ص 1968 الوطنية، دبي . كريم معتوق، ديوان (هذا أنا)، قصيدة (سؤال)، منشورات اتحاد كتاب وأدباء 5 الإمارات، دار الموسوي للطباعة والنشر، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، . 76 ص ، دبي، 1 . عارف الشيخ، ديوان (نداء الوجدان)، قصيدة (هائم في العوير)، ط 6 . والأبيات رد من الشيخ المر بن الشيخ 185 ، ص 1993 الإمارات العربية المتحدة مقرن بن سلطان على الشاعر عارف الشيخ. . 122 - 121 . هند القاسمي، ديوان (نفوس شامخة)، قصيدة (الس ّّيح)، ص 7
ًًوالجمال: ِيح سلاما �ِّ ِِأََيُُّـها الس ًًزانك الغََيث بِِزََهْْر ِِمََلأ الأرجاء نََفْْحا بِِش ََذا ع ُُوْْد بِِج ََمْْر ِِوحََمََام الدََّوح يََشدُُو
صفراء أو حمراء من لون المحب ََّة ) 5 ( حين يدعونََا البقاء إلى نِِزََال
ٌٌبيـن نََوََّار وََزََهْْر ِِوظِِباء فاتنات ل ََونـُُها صاف ك ََت ِِب ْْـر ِونِِيََاق تتـهادى
الصحراء عند كريم معتوق مصنعا ومدرسة تُُعنى بإنشاء الرجال وتتقن صناعتهم، وتُُعِِدُُّهم الإعداد الأمثل، تشذّّب أفعالهم وتصقل عزائمهم وتُُسلّّحهم بالقيم والخصال النبيلة، وتقدّّمهم بعد ذلك إلى معترك الحياة محصّّنين بالمروءة والشهامة والشجاعة. ويرى فيها الشاعر الملاذ من برد الشتاء، ففي وهج رمالها وحر هجيرها تتم صناعة الرجال. ومن اجتماع النقيضين: الشتاء ببرده، ووهج رمال الصحراء، تتجلى جمالية هذا المكان، فالصحراء الأم التي أنجبت الرجال كأنها عاشت فترة أمومة حقيقية وهي تُُنشئ أبناءها وتربيهم على الشجاعة وتزرع فيهم الفضائل والقيم النبيلة حتى استوى عودهم وأصبحوا رجالاًً. ويأتي عنصراللون ليضفي على هذا المشهد الصحراوي مسحة جمالية أخرى، فالرمال صفراء وحمراء. ويتجلى مفهوم الانتماء والتعلق بالأرض والذود عنها إذا ما تعرّّضت للغزاة والمعتدين. كذلك يتجلى عنصر الحركة ليضيف ب ُُع ْْدا جمالي ّّا ع ََب ْْر الأفعال: أ ََف ِِر ُُّ/أحط ُُّ؛ حيث رغبة الشاعر في الفرار والخلاص من المكان الذي هو فيه ليحط رحالََه على رمال الصحراء التي يعشقها. إن أهمية الصحراء تتجلى في نفوس شعراء الإمارات وتسمو مكانتها لأنها تشكّّل مرجعتيهم وذاكرتهم الجمعية، وكذلك أبجديات انتمائهم إلى الأرض. وفي رد الشيخ المر بن الشيخ مقرن بن سلطان على الشاعر عارف الشيخ؛ حيث كان الشاعر يتردد بين الحين والآخر في زيارة الشيخ محمد بن خليفة المكتوم في بيته؛ حيث صار الوصول إلى بيته صعبا بسبب الرمال، يستغرب شكواه من الرمال التي تعوق حركته في الوصول إلى بيت الشيخ؛ حيث يقول: ََّـحارى أرض ُُنا يا أََخـي ْْإن الص
�ِّ ًًفيعِِنََاق مُُستََمِِر نََش ََر الغاف ظِِلالا ) 7 (ِِ تزدهي في س ِِيْْح س ِِد ْْر
جمعت الشاعرة في هذا الس ّّيح كل معطيات الصحراء الفاتنة، وقد ّّمت لنا مكانا عام ار بالحياة والحركة والجمال؛ حيث الظباء والنوق والحََمام والأزهار، وأشجار الغاف التي تنشر ظلالها في المكان. إن المطر الذي سقى الأرض جعلها تتفتح خضرة وربيعاًً، فإذا الورود والأزهار تملأ المكان وعطرها يفوح في الأفق، وعذوبة رائحة الأرض التي تشبّّعت بماء المطر فغدت رائحتها الندية تحيي النفوس وتمتّّن أواصر التعلق بالأرض،
ِجال �ِّ ِ ودََار الر �ِّ ومََنْْبِِت العِِز ْْفيـها نََش ََأنََا وََلََها ننتمـي فََهِِـي لََنََا أُُم وع ََم وخ ََال ٍ ف ََهََل �ٍّ والله وََص ََّانا بِِأُُم
91
90
2024 مارس 293 / العدد
ْْ
الصحراء.. جمالياتها ومكانتها عند شعراء الإمارات
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online