سرد الذاكرة
)23 ذكريات زمن البدايات ( يونس البحري آخر ومضات نجم أفل
مثي ار للاهتمام غير تمكّّنه من اللغة العربية. ومما كتبه الأخ مفيد مرعي عن ذكرياته مع يونس البحري: منذ وصوله إلى أبوظبي، وإلقائه كلمة في مناسبة الاحتفال بوصوله إلى أبوظبي بدأت صداقتي مع يونس. بعد أن انتهى يونس من إلقاء كلمته، انتظرنا أن ينضم إلينا فنسمع أخباره ونتعرف انطباعاته عن أبوظبي، ولكن الرجل اختفى. بحثت عنه في كل أنحاء فندق
في حياته، وكان المرحوم يونس البحري قد أخبرني أنه تزوج أكثر من ثمانين مرة في عمره، وأنه لا يعرف جميع أولاده وأحفاده. تستطيع أن تحكم وأنت تصغي إلى يونس البحري أن الرجل عاش حياة حافلة، وأنه مر بتجارب كبيرة، وأنه في مرحلة الشيخوخة لا يريد أن يضيع يوما واحدا في حمل هم أو تحمّّل مسؤولية. كان يعلم جيدا أنه ينحدر إلى النهاية، وأن الأيام
وجهت هذا السؤال للأخ مفيد مرعي عندما وصلت إلى أبوظبي والتقيت بالبحري فأجاب: بعد انتصار الحلفاء وهروب يونس البحري من ألمانيا تقطعت به السبل، وتشرد في أنحاء الأرض بحثا عن عمل في مجال لا يجيد غيره ألا وهو الإعلام. إلى أن سمع بالمغفور له الشيخ زايد، فشد الرحال إليه والتقى به، وكان الشيخ زايد - طيّّـب الله ثراه - قد عرف عن الرجل الكثير، فرح ََّب به وفتح له المجال؛ ليسهم في إذاعة أبوظبي كمراقب لنشرات الأخبار ومدقق لغوي للمذيعين والمذيعات، وحصل - رحمه الله - على الراتب الجيد والسكن اللائق، واستقر في السنوات الأخيرة من حياته في هذا البلد مع زوجته الأخيرة وهي السيدة شهرزاد سورية الجنسية. كان يونس البحري، يعرف أن زمانه مضى، وأنه لم يعد إلا ذكرى، لذلك لم يحاول أن يقدم برنامجـا أو يذيع نشرة، أو حتى أن يسرد تاريخ حياته وفصول مسيرته الإعلامية. كان يكتفي بالحضور إلى الإذاعة يوميا والاستماع إلى بعض المذيعين الجدد، ويقدم تقريره عن مدى إجادتهم أوتعثرهم، ويمضي بعد ذلك إلى بيته بكل هدوء ودون مشاكل. سمحت لي الظروف أن أعرف إمكانات الرجل الرهيبة؛ فهو يملك ناصية اللغة العربية، واللغتين الألمانية والإنجليزية وقد سمعته يقلد بعض زعماء العالم في أثناء الحرب العالمية الثانية، مثل: هتلر، وتشرشل، وروزفلت، وموسوليني وغيرهم. كان يقلد حتى انفعالاتهم، فتكاد تشك في أنك تستمع إلى تسجيل لأولئك الذين يقلدهم سألته مرة: أستاذ يونس، في البحث عن كلمة «رغم»، وجدت أنها جائزة بالضم (رُُغم ََ) والفتح (رََغم ََ) وبالكسر (رِِغم ََ)، فبماذا
خليل عيلبوني
منذ الأيام الأولى لوصولي إلى أبوظبي وعملي في إذاعتها الوليدة التي انطلقت قبل عامين من وصولي، التقيت بشخصية إذاعية تركت أث ار عميقا في نفسي، إنها شخصية المرحوم يونس البحري. كان الرجل في نهاية العقد السابع من العمر، نحيف البنية كثيف شعر الرأس، أنيق الهندام، ذا صوت جهوري مميز. قدمه لي الأخ مفيد مرعي قائلا ًً: يونس البحري، أشهر من نار على علم. قلت: أهلا أستاذ يونس، سمعنا عنك كثي ارًً. ابتسم الرجل بحياء، ومضى إلى مكتبي الذي كان قريبا من مكتب قسم الأخبار. سمعت والدي - رحمه الله - يردد اسم يونس البحري كثي ار قبل أن أراه بسنوات عديدة، كان يقول: يونس البحري في الحرب العالمية الثانية كان أشهر من أحمد سعيد في الخمسينيات والستينيات. حتى الأخ مفيد مرعي عندما طلبت منه أن يكتب عن يونس البحري قال: لا أنسى دهشة المرحوم والدي عندما أخبرته أنني أعرف يونس البحري وأصبحت صديقا له. توطدت العلاقة بيني وبين المرحوم يونس البحري وأصبحنا صديقين. أصغيت له وهو يقلد هتلر بلغة ألمانية سليمة، حيث كان البحري من أنصار هتلر في الحرب العالمية الثانية لا حبا وإعجابـا به، بقدر ما فعل ذلك نكاية بالحلفاء الذين استعمروا الوطن العربي، واضطهدوا شعبه، وساعدوا الصهاينة على احتلال فلسطين وتشريد شعبها. يقول الأخ مفيد مرعي: عاش
زاخر الذي أقيم الحفل فيه فلم أجده، وانتهى حفل الترحيب به دون أن يودع أحداًً. انسحب يونس دون أن ينتبه إليه أحد. سألته في اليوم التالي: ما الذي جرى؟ وأين اختفيت أمس؟ فقال: خذها نصيحة، إذا أردت أن تغادر مكانـا لا تستأذن ولا تعتذر؛ لأنك سوف تحرج، وقد أخذت بنصيحته بعد سنوات عندما قررت ترك وظيفتي لأبدأ نشاطي في مجال الإنتاج التلفزيوني. التقى يونس البحري خلال عمله الإعلامي أيام الشباب بالعديد من رؤساء العالم، وحقق شهرة واسعة وترك بصماته الواضحة على الإعلام العربي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك باللجوء إلى الإثارة والمبالغات والتهويل الذي يبعد المستمع عن الحقيقة ويبعد الحقيقة عن المستمع. ومن خلال اللقاءات العديدة بيني وبينه تأكدت أن الرجل يعاني شعوار بالضياع، وهو يعتقد أن جميع الإعلاميين الذين التقى بهم لا يستحقون أن يكونوا حتى طلابا في مدرسته، وأنه الوحيد الذي يجب أن يكون سلطان الإعلام في الوطن العربي. ولم يكن يشعر بذلك مغرو ارًً، بل هو بعيد جدا عن الظهور وحتى عن محاولة الظهور، هو أدار ظهره للإعلام وتخلى عن الدور الذي قام به في شبابه، ولم يعد مجديا بالنسبة إليه
التي بقيت له معدودة، ولذلك لم يشأ أن يسلم نفسه للحزن والأسى، ولم يكن يحب حتى أن يتذكر الماضي، وعندما حاول الأخ مفيد مرعي أن يسجل له بصوته بعض ذكرياته عن ماضيه الحافل هب واقفا بانزعاج قائلاًً: لن أدخل بيتك بعد اليوم، أنا أرفض تسجيل مذكراتي أو كتابتها. فقال مفيد: ولكن تجربتك لم تعد ملكا لك وحدك، إنها ملك للأجيال القادمة. قال يونس بحدة: دع الأجيال القادمة تبحث عن تاريخ يونس البحري، أما أنا فلن يسمع أحد مني شيئاًً، اتركوني لشأني، أريد أن أغادر هذه الدنيا بهدوء. وبالفعل غادر يونس البحري دنياه بهدوء، ولم يحس بموته أحد، ذلك الذي شغل أسماع العرب في الأربعينيات من القرن الماضي، وهز المنابر بصوته وكلماته الجريئة، لم يشعر أحد بنهايته، ولا كيف غادر، فما كان يعاني أي داء برغم تجاوزه الثمانين من عمره. عاش يونس البحري بيننا أعواما عدة، لم يكن يبدو عليه أنه مهتم بشيء ما، جميع الأمور لديه سواء يجيب على أسئلة المذيعين الشباب دون إسهاب، لم يكن يرغب في إظهار معلوماته ولا استعراض قوته اللغوية. كل ما يهمه هو الحضور إلى الإذاعة، وقضاء وقت محدد مع المذيعين وخاصة الجدد، ثم المغادرة إلى بيته والاستعداد لبرنامج السهرة إما مع زوجته وإما مع الأصدقاء.
أن يفكر بالعودة إلى الظهور الإعلامي مرة أخرى. أعود إلى ما كتبه الأخ مفيد مرعي عن يونس البحري حيث يقول: كنت دائما أسهرفي بيت يونس البحري في الخالدية، أو أذهب لإحضاره هو وزوجته شهرزاد التي كانت تصغره بثلاثين سنة على الأقل؛ لنسهر في بيتي. وأذكر أنني قلت له ذات يوم ممازحاًً: هل ستكون شهرزاد آخر زوجاتك؟ أجاب: أعتقد، فلم يعد في العمر عمر، أنا الآن أقترب من الثمانين عاماًً. وفعلا كانت تلك الزوجة هي الأخيرة
يونس البحري دنياه غادر بهدوء، ولم يحس بموته أحد، ذلك الذي شغل أسماع العرب في الأربعينيات من القرن الماضي، وهز المنابر بصوته وكلماته الجريئة، لم يشعر أحد بنهايته، ولا كيف غادر، فما كان يعاني أي داء برغم تجاوزه الثمانين من عمره
كان يونس البحري في أواخر أيامه مسالماًً، لا يحب النقاش أو الجدال، ولا يبدي حتى وجهة نظره في الأحداث التي تمر بالوطن العربي وكأنها لا تعنيه، وكان السؤال الذي يطرح نفسه ونحن نصغي إليه: هل هذا هو فعلا يونس البحري الذي أقام الدنيا ولم يقعدها في برنامجه الشهير، حي العرب هنا برلين؟ إعلامي وشاعر
يونس البحري حياته طولا وعرضاًً، وبدأت شهرته في الحرب العالمية الثانية حين ناصر هتلر إعلامياًً، وافتتح إذاعة ناطقة باللغة العربية في ألمانيا؛ ليحشد الدعم العربي لهتلر، كان شعارها: حي العرب هنا برلين، وكان هو كل شيء يقرأ الأخبار، ويرتل القرآن، ويقوم بعمل اللقاءات. ولكن، ماذا حدث بعد ذلك، وكيف جاء يونس البحري إلى أبوظبي؟ ولماذا؟
تنصحني أن أنطقها؟، فقال: قال يونس: رُُغم أن النطق بها جائزفي الضم والفتح والكسرإلا أنني أنصحك أن تتميزمن غيرك من المذيعين وتنطقها بالضم؛ لأن الآخرين ينطقونها بالفتح، ومن يومها وأنا أنطق رُُغم بالضم. عانى يونس البحري من جيل الشباب الجديد الذي لم يكن يعرف عنه شيئـاًً، وبرغم قيامنا أنا ومفيد بشرح تاريخ الرجل لهم فإنهم لم يشهدوا فيه شيئـا
يونس البحري
93
92
2024 مارس 293 / العدد
) يونس البحري آخر ومضات نجم أفل 23 ذكريات زمن البدايات (
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online