إضاءة
من البقاء إلى العدالة.. سيرورة القيم الأخلاقية
تحتل الأخلاق مكانة مركزية في تاريخ الفكر الإنساني، ولطالما تساءل الفلاسفة والمفكرون عن مصدر القيم الأخلاقية التي توجه دفة العلاقات الإنسانية، هل تنبع هذه القيم من التعاليم الدينية والنصوص المقدسة، أم إنها نتاج العقلانية البشرية؟ وتبرز هنا أهمية السؤال: هل هذه القيم ثابتة وغير قابلة للتغيير، أم إنها مرنة وتتطور مع تقدم الزمن؟ في عصور ما قبل التاريخ، كانت الأخلاق تعكس بشكل كبير الحاجة إلى البقاء. في تلك الأوقات، شكّّلت الظروف البيئية والموارد المحدودة تحديات جسام للبشرية. لذلك، كانت القرارات الأخلاقية تتأثر بمتطلبات البقاء الجماعي. على سبيل المثال، قد يبدوترك شخص مصاب خلف مجموعة تنشد الحياة والحماية والهروب من الخطر قرا ار قاسيا بمعايير اليوم، لكن في تلك الأزمنة، كان هذا القرار قد يمثل الفرق بين بقاء المجموعة أو تعرضها للإبادة والموت. الأخلاق في تلك العصور كانت تعتمد بشكل كبير على الظروف الواقعية والحاجة إلى اتخاذ قرارات صعبة لضمان البقاء. مع تطور البشرية وتغير الظروف المعيشية، تطورت الأخلاق أيضا لتشمل مفاهيم أكثر تعقيدا مثل العدالة، والتعاطف، والتعاون على نطاق أوسع. مع ظهور الحضارات الزراعية وتطور المجتمعات البشرية، حدث تحول كبير في تصور الأخلاق. هذه التغيرات جاءت نتيجة للتحديات والفرص الجديدة التي
شريف مصطفى كاتب وقاص مصري
فرضها النمط الزراعي للحياة، حيث بدأت تظهر تعقيدات القرى والمدن وتشابك المصالح، والتفاوت في ثراء الموارد، وبدأ النزاع على الفائض، وترسيخ الملكية، وتنظيم العمل، والحاجة إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بشكل أكثر تعقيدا ًً. لعب الدين دوار مهما في تشكيل الأخلاق خلال هذه الفترة. فقد قدمت الأديان المختلفة إطاار أخلاقيا يشمل مجموعة من القيم والمبادئ التي هدفت إلى تنظيم السلوك البشري وتعزيزالتعاون والتناغم داخل المجتمعات. كانت هذه الأنظمة الأخلاقية تتأثر بشكل كبير بالسياقات الثقافية والاجتماعية لكل حقبة. بالإضافة إلى ذلك، مع تطور المجتمعات، أصبحت القوانين والأنظمة القضائية تلعب دو ار مهما في تعزيز المعايير الأخلاقية وتنفيذها. أصبحت الأخلاق أكثر تجريدا وتعميماًً، وأقل ارتباطا بالحاجة المباشرة للبقاء وأكثر ارتباطا بالحفاظ على نظام المجتمعات البشرية المعقدة واستقرارها. يُُظهر تاريخ الأخلاق بوضوح أن القيم الأخلاقية ليست ثابتة وإنما تتطور مع الوقت وتُُغي ّّر السياقات الاجتماعية والثقافية، وتبرزقضايا مثل: العبودية، وزواج الأخوة، كيف يمكن للمعايير الأخلاقية أن تتغير بشكل جذري عبر الزمان والمكان. في حالة العبودية، على سبيل المثال، كانت هذه الممارسة مقبولة وحتى مثالية في العديد من الحضارات القديمة، فكانت تُُعتبر جزءا أساسيا من النظام الاقتصادي والاجتماعي. ومع ذلك، مع تطور المفاهيم الأخلاقية والحقوقية، بدأ المجتمع ينظر إلى العبودية على أنها غير أخلاقية وغير إنسانية، ما أدى
من الإشكاليات المهمة التي تواجه المجتمعات المعاصرة العلاقة بين الحرية الفردية والقواعد الأخلاقية السائدة في المجتمع. والتساؤل الذي طالما أرّّق المفكرين هو حول الإرادة الحرة للإنسان. حين تمتلك الإرادة الحرة كامل طاقتها، فهي قادرة على خلق المعايير والقيم الأخلاقية التي تحكم علاقتها بالإرادات الأخرى. هناك مفهوم خاطئ أن الإنسان يمتلك إرادة حرة مطلقة، ولكن مهما كانت درجة الوعي التي يصل إليها الإنسان، فإرادته الحرة خاضعة لمعاييرذاتية تنبع من اللاوعي الذي يتغذى وينمو في مراحل وعيه المختلفة، مختزنا تأثير العالم الخارجي بما فيه من مفاهيم وقيم وسلوكيات سائدة. لذلك، ستجد ثمة مشتركات بين الإرادة الحرة للفرد والعالم الخارجي، ولا يمكن للفرد صناعة قيمه بمعزل عن بيئته ونشأته في الختام، نستطيع أن نقول إن الأخلاق ليست قيما ثابتة، بل هي نتاج ثقافتنا وظروفنا، وهي مرنة وقابلة للتطور والتغير. هي رحلة إنسانية مستمرة نحو فهم أعمق لذواتنا وللعالم من حولنا، وتظهركيف نتفاعل مع التحديات والفرص التي تطرحها حياتنا المتغيرة والمتطورة
إلى إلغائها في معظم أنحاء العالم. بالمثل، زواج الأخوة، الذي كان مقبولا وحتى مقدسا في بعض الثقافات القديمة، أصبح اليوم غير مقبول في معظم المجتمعات بسبب التغيرات في التفهم الأخلاقي والمعرفة البيولوجية. ت ُُظهرهذه التغيرات أن الأخلاق ليست مجرد مجموعة ثابتة من القواعد، بل هي عملية ديناميكية تتأثر بالتغيرات في الوعي الإنساني، والاحتياجات المجتمعية، والتطورات الثقافية، والمعرفة العلمية، ويمكن اعتبار الأخلاق نظاما حيا يتطور مع تطور البشرية. الأخلاق هي نتاج ثقافتنا وظروفنا الزمنية والمكانية. إنها تعبر عن التفاعل المستمر بين قيمنا، وتجاربنا، وتطور معرفتنا. ما يعتبر اليوم غير أخلاقي قد يُُنظر إليه بطريقة مختلفة في المستقبل، وهذا يعكس ليس التغير في المعايير الاجتماعية فقط، ولكن التقدم في فهمنا للعالم ولأنفسنا أيضاًً. الأخلاق تنمو وتتطور معنا، وتعكس جهودنا المستمرة لتحقيق التوازن بين حقوق الأفراد ورفاهيتهم واحتياجات المجتمع.
99 2024 مارس 293 / العدد
98 من البقاء إلى العدالة.. سيرورة القيم الأخلاقية
Made with FlippingBook - professional solution for displaying marketing and sales documents online