مجلة تُراث عدد 299 - سبتمبر 2024
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
2024 سبتمبر 299 هيئة أبوظبي للتراث العدد
عن تراثية ثقافية منوعة تصدر
الناقة في ثقافة الأمثال الشعبية الإماراتية... غيث» فزعة إماراتية « تجبر خاطر الإنسانية ذكريات زمن البدايات: مشاهد من الإعلام البترولي فاكهة البيان
الشاعر ربي ّّع بن ياقوت البحر وشعراء الإمارات رحلة الملوك إلى افتتاح 1869 قناة السويس لوز الإمارات بشارة القيظ من المفازعة الق ََب ََلية إلى منظومة عصرية التطو ُُّع في الإمارات..
كلمة رئيس التحرير
الفزعة: روح التكاتف في مجتمع الإمارات
«الفزعة» قيمة أساسية نبيلة متجذرة في المجتمع الإماراتي عبرالعصور، حيث ت ُُعب ّّرعن روح التعاون والتضامن تعتبر الاجتماعي الذي كان ولا يزال جزءا أساسيا من هوية الشعب الإماراتي. كما تمثل دو ار تطوعيا يعكس التلاحم المجتمعي ويسهم في تماسك المجتمع وقوة ترابطه في مختلف الظروف والمواقف عادية كانت أم استثنائية. ويتجلى مفهوم الفزعة وأهميتها في الاستجابة الفورية لنداء المساعدة، مما يجسد شكلا من أشكال التضامن المتبادل بين أفراد المجتمع. وقديما ًً، لعبت الفزعة دو ار حيويا في تعزيز الأمن والاستقرار في المجتمعات على مختلف بيئاتها، حيث يتكاتف الأفراد لمواجهة التحديات المشتركة، سواء كانت طبيعية مثل الفيضانات والجفاف، أو اجتماعية مثل الحروب والصراعات، الأمر الذي يعكس قيم النخوة والمروءة والإغاثة التي تتجسد في الاستجابة الفورية لنداء المساعدة. وتكمن أهمية الفزعة في قدرة المجتمع على التكاتف والتعاون لحل المشكلات وتحقيق الأهداف المشتركة، وهي قيمة تتجاوز الجوانب المادية لتشمل الدعم النفسي والعاطفي، مما يعزز أواصر المحبة والتآخي بين الناس. ويحفل تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة بالعديد من الأمثلة على الفزعة التي أظهرها الآباء والأجداد، ما جعلهم حماة للوطن في الجوانب الأمنية والاجتماعية. وفي المجتمع الإماراتي المعاصر، تظل قيمة الفزعة وثقافة التطوع حاضرة وبقوة، مجسدة روح العطاء من دون مقابل. وتعكس هذه الثقافة التزام الأفراد تجاه مجتمعهم، وقد تطورت بشكل ملحوظ لتصبح جزءا لا يتجزأ من الحياة ٍ سواء. وتتجلى هذه القيم من خلال العديد من المبادرات والمشاريع التي تنظمها �ٍّ اليومية للمواطنين والمقيمين على حد المؤسسات والجهات الرسمية، وتشمل حملات تطوعية تسهم في مختلف المجالات، مثل: التعليم، والصحة، والبيئة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك برنامج «تكاتف»، الذي يهدف إلى تشجيع الشباب على المشاركة في الأنشطة التطوعية والمساهمة في التنمية المجتمعية؛ وحملات «إمارات الخير» التي تنظمها مختلف المؤسسات الخيرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتهدف إلى تقديم المساعدة للفئات المحتاجة داخل الدولة وخارجها. كما تتجلى الفزعة والتطوع بوضوح في استجابة المجتمع الإماراتي للكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية، مثل حملات الإغاثة للمتضررين من الزلازل والفيضانات في الدول الأخرى. وتعكس هذه الجهود مدى وعي الأفراد بأهمية العمل الجماعي وروح التضامن. ونظ ار لأهمية قيمة الفزعة في تراث دولة الإمارات العربية المتحدة واستمرار تجلياتها في المجتمع الإماراتي المعاصر، ومساهمتها في إثراء الهوية الوطنية وتعزيز روح العطاء والتكاتف بين الأجيال المختلفة، جاء اختيارنا لهذا الموضوع ليكون عنوانا لملف العدد، وكلنا أمل بأن تستمتعوا بموضوعاته المتنوعة.
السلسلة التراثية الثقافية
ي � ه ر � ظ ا � ل � ة ا � ش مسـ �� رئيسة التحرير
torathehc
www . torath . ae
2024 سبتمبر 299 / العدد
العدد محتويات محتويات العدد
ارتياد الآفاق 79
تراث السيرة 90 بحوث ودراسات
البحر وشعراء الإمارات إن البحر باتساعه متنفس للشعراء، وشاطئه أمان واستقرار، وشكوى الشعراء إليه تخفف من وطأة آلامهم وعذاباتهم، وهذا يذك ّّرنا بشعراء الطبيعة الرومانسيين الأوروبيين - ومعه الصحراء عند الوجدانيين العرب - رمز للأسرار والامتداد والأبد، تتداولهما أحوال من الثورة والهدوء، ومن الكدرة والصفاء ما يمثّّل أحوال الناس وتقلّّب الوجدان، وفي رحابهما من الجمال والاعتزال ما ينتزع الشاعر من معترك الحياة والناس إلى مجالََي التأمل والاستشراف والذكريات ... قتيبة أحمد المقطرن
م 1869 (رحلة الملوك) إلى افتتاح قناة السويس كان افتتاح قناة السويس للملاحة حدثا عالمياًً، وأراد الخديوي الظهور بمظهر العظمة أمام الملوك والأمراء والسفراء، واستدعى سمو الخديوي أيضا ممثلي الصحافة العالمية، ورجالات العلوم والفنون والتجارة والصناعة، ليشاهدوا احتفالات افتتاح قناة السويس التي لم يسبق لها نظير في العالم في ذلك الوقت، ونجد من بين المدعوين عددا من السائحين من ألمانيا وروسيا وإسبانيا، وعلماء وفنانين. تطلبت احتفالات افتتاح قناة السويس استعدادات ضخمة وكرّّس الخديوي جهوده لتخليد ذكرى إتمام شق خليج السويس، وفتح طريق ملاحي جديد يربط بين الشرق والغرب ... محمد عبد العزيز السقا
90
20
96
58
سرد الذاكرة 88
98 جلساء التراث
«الحلواني.. ثُُلاثيََّة الفاطميِِّين».. سرد تاريخي مشوق برؤية عصرية
مشاهد من الإعلام البترولي إنشاء قسم للإعلام البترولي في الوزارة كان مهمة صعبة؛ إذ لم تكن في المبنى مساحة ولا غرف كافية؛ ففي غرفة واحدة كان يتجمع عدة موظفين، ولم يكن بالإمكان لإدارة الإعلام التي خططت برامجها ونشاطاتها أن تنطلق من مكتب عادي. وقد وجدت الحل المناسب عندما طلبت من معالي الدكتورمانع العتيبة أن أحول جراج سيارته المنفصل عن مبنى الوزارة الرئيس إلى مكتب، ومكتبة، ومكتب للسكرتيرة. وافق معاليه، وخلال أسبوع كان هناك مبنى منفصل عن الوزارة، يحمل لافتة مكتوب عليها «إدارة الإعلام البترولي» ... خليل عيلبوني
ِين». �ِّ تََقُُودنا الكابتة المصرية «ريم بسيوني» في روايتها «الحلواني.. ثُُلاثيََّة الفاطمي إلى جدل الهوية والانتماء، وهذا في سياق غير بعيد عن الحالة العالمية الراهنة، ولكنها لا تذهب بنا بعيدا إلى حيث بداية تشكل القبيلة والشعب والأمة والوطن، أو إلى مولد الحضارات الأولى في مصر، ولو فعلت ذلك لكانت اليوم ـ دون قصد ـ ت ُُب ْْعدنا عن السياق التاريخي الراهن لمصر في بعدها الوطني، وفي أبعادها الأخرى القومية والدينية والعالمية ... خالد عمر بن ققه
72
110
5
4
2024 سبتمبر 299 / العدد
محتويات العدد
محتويات العدد
عبد الفتاح صبري - محاورة مع الباب 70 ضياء الدين الحفناوي - لشبونة: مدينة الضوء وسحر التاريخ 72 لولوة المنصوري - الظمأ الأنطلوجي للتعبير على لسان الحيوان 77 شعر: الدكتور شهاب غانم - غمغمات شاعر 78 حمزة قناوي - ألف ليلة وليلة» والتأثير الثقافي العالمي « 87 نورة صابر المزروعي - ضعف الأندلس وانعكاسه على الفنون 96 ب ِِي ْْدار الل ََّه ْْج ََة الإمارات ّيّة فيما طابق الفصيح 109 محمد فاتح صالح زغل - 2 ألفاظ الحيوان وما دار في فلكه. مريم سلطان المزروعي - والأمثال الشعبية: الإرث والتغيّّـر المرأة 110 موزة سيف المطوع - لوز الإمارات بشارة القيظ 114 زينب قندوز غربال: 116 هشام أزكيض - تراث المدن العتيقة التونسية فاكهة البيان 122 مريم النقبي - الشاعر ربي ّّع بن ياقوت خالد صالح ملكاوي - القيظ ومواسم الفرح 124 وديمة حمود الظاهري - الثقافة الدينية في شعر فتاة العرب 129 فاطمة حمد المزروعي - خروفة العنود وتحدي الشيخ حمد 130
تراث النغم 103
عودة إلى الزمن الجميل يظهر، أو ّّل ما يظهر، في النصوص البرعمي ّّة للكتابة المسما ير ّّة أو الجدا ير ّّة أو على أوراق البردي وغيرها، أعني هذه النصوص، فيما يسم ّّى بــ«عصور ما قبل التاريخ»: أن قسما بُُكائيّّات على ماض يحنّّون إليه أقدم من زمنهم. بل إن ا كبي ار من هذه النصوص ليست إلّا محاولة لتوثيق بكاء على الأجداد العظماء الّّذين لم ا بعض منحوتات الكهوف، ليست إلّا يأت بعدهم مثلهم. ووثّّقت حضارات...نصوص مغنّّاة تحمل نفس المعنى، نصوص كانت ت ُُغن ََّى في المعابد، تعتذرلمختلف الآلهة عن تقصيرهذا الجيل عم ّّا كان عليه من سبقهم من بأس وقوّّة ... مصطفى سعيد
تراثية ثقافية منوعة تصدر عن:
رئيس التحرير شمسة حمد العبد الظاهري
الإشراف العام فاطمة مسعود المنصوري موزة عويص علي الدرعي
104 دراسات إماراتية
الناقة في ثقافة الأمثال الشعبية الإماراتية يعد حضور الناقة في المثل الشعبي حضوار بارازًً، فقد استحضرها الإنسان العربي والإماراتيون بالذات في كافة مناحي تجاربهم وعاداتهم وممارساتهم، وضربوا بها المثل في توجيه النصح، والسخرية والطرفة والتعليق على الوقائع، وفي ذكر العديد من الموضوعات، مستغلين صفاتها وطبائعها لتكون لهم رماز كنائيا في أمثالهم السائرة من جهة أوصافِِها، وأحوال هََدْْأََتِِها، وحََركتِِها، وأص ََواتِِها، بل وألمها، وراحتها، وفرحها، وحزنها. وها نعود لبحث البروفيسور الصاعدي الماتع، الذي أكد فيه أن علاقة العربي بالإبل، عميقة الجذور، بما يجعلها ركنه الركين سلما وحرباًً، حلا وترحالاًً، سعة وضيقا ... عائشة الغيص
الإخراج والتنفيذ غادة حجاج
سكرتيرإداري وشؤون الكتاب سهى فرج خير torath@ehcl.ae
114
110
36
10
التصوير: مصطفى شعبان -
أسعار البيع مملكة البحرين - بيسة 800 سلطنة عمان - الكويت دينار واحد - ريالات 10 المملكة العربية السعودية - دراهم 10 : الإمارات العربية المتحدة المملكة الأردنية الهاشمية ديناران - ليرة 100 سورية - ليرة 5000 لبنان - جنيها 250 السودان - جنيهات 5 مصر - ريال 200 اليمن - دينار واحد 3 بريطانيا - الجمهورية التونسية ديناران - دنانير 4 الجماهيرية الليبية - درهماًً 20 المملكة المغربية - فلسطين ديناران - دينار 2500 العراق - . دولارات 5 الولايات المتحدة الأمريكية وكندا - يورو 4 دول الاتحاد الأوروبي - فرنكات 7 سويسرا - جنيهات
الاشتراكات : للأفراد من خارج الدولة / درهماًً 150 : للأفراد داخل دولة الإمارات للمؤسسات / درهماًً 150 : للمؤسسات داخل الدولة - دولار 200 . دولار 200 خارج الدولة
الإدارة والتحرير: الإمارات العربية المتحدة - أبوظبي 024092336 - 024456456 هاتف: عناوين المجلة
ما ورد في هذا العدد يعبر عن آراء الكتاب ولا يعكس بالضرورة آراء هيئة التحرير أو هيئة أبوظبي للتراث
2024 سبتمبر 299 / العدد 7
6
ّمحتويات العدد
قصيد
ريت البدو من ناس طي ّّبين الشاعر علي بن رحمة الشامسي
ريـــــــــــــــــــــت البـــــــــــــــدو مـــــــــــــــــــــن نـــــــــــــــــــــــــــــــاس طي ّّبيـــــــــــــــــــــــــــــــن
وقلوبهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم للصاحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب وْْســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
لــــــــــــــــــو زرتهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم كــــــــــــــــــــــــل ساعــــــــــــــــــــــــة وحيــــــــــــــــــــــــن
تسمــــــــــــــــــــــــع بكلمــــــــــــــــــــــــة مرحبـــــــــــــــــــــــــــــــــــا الســــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
الضيــــــــــــــــــــــــف لــــــــــــــــــــــــه معهـــــــــــــــــــــــــــــــــم قوانيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
والجــــــــــــــــــــــــار لــــــــــــــــــــــــه عــــــــــــــــــــــــــــــــــــادات وس ْْنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
فــــــــــــي كــــــــــــــــــــــــل واجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب مستعدّّيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
يــــــــــــوم الخـــــــــــــــــــــــــــــــــــوي يشــــــــــــــــــــــــرى ولا يبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
علــــــــــــــــــــــــى الســــــــــــــــــــــــــــــــــــــرى والــــــــــــــــــــــــدوب ضاريــــــــــــــــــــــــن
مــــــــــــــــــــــــــــــــــــا هم ّّهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم دنيــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ولا ط ْْمــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
تفــــــــــــــــــــــــرح بهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم إن يــــــــــــــــــــــــــــــــــــوك عانيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
يــــــــــــوم الخصيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم يْْبــــــــــــــــــــــــــــــــات مرتــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
أهــــــــــــــــــــــــــــــــــــل الكــــــــــــــــــــــــــــــــــــرم والجــــــــــــــــــــــــــــود باجيــــــــــــــــــــــــن
والمــــــــــــدح فــــــــــــي الطيبيـــــــــــــــــــــــــــــن مــــــــــــــــــــــــا ضــــــــــــــــــــــــاع
التطوُُّع في الإمارات.. من المفازعة القََبََلية إلى منظومة عصرية - خالد صالح ملكاوي 10 الفزعة في الإمارات وآفاقها التراثية وصورتها المعاصرة - أحمد حسين حميدان 16 الفزعة: إرث حضاري أصيل في حياتنا - سرور خليفة الكعبي 20 الفزعة الإماراتية: بين الأصالة والقيم في التراث الشعبي - أحمد عبد القادر الرفاعي 23 «الفزعة» سنع إماراتي وث ّّقه الشعر النبطي - الأمير كمال فرج 30 الفزعة الإماراتية.. ملحمة تاريخية ملهمة للأجيال القادمة - فاطمة سلطان المزروعي 36 الفزعة في الأدب الإماراتي ... كيف وث ّّق الإبداع موروثا قيميا كان دستور القبائل وقانونها - نشوة أحمد 43 إرث حضاري أصيل الفزعة الإماراتية:
رابعتهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم مــــــــــــــــــــــــن ماضــــــــــــــــــــــــي سنيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
وعرفــــــــــــــــــــــــــــــــــــت منهــــــــــــــــــــــــم كــــــــــــــــــــــــل الأوضـــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
وصلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت ويــــــــــــــــــــــــــــــــــــن إمــــــــــــــــــــــــا مشتيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
وبيــــــــــــــــــــــــت الشعــــــــــــــــــــــــر فــــــــــــــــــــــــي راس مطــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاع
واعــــــــــــــــــــــــــــــــــرف دروب المــــــــــــــــــــــــــــــــــــورد منيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
مـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا بيــــــــــــن رمــــــــــــــــــــــــــــــل وسيــــــــــــــــــــــــــــــــــــح وقــــــــــــــــــــــــاع
واحيدهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم للضيــــــــــــــــــــــــــــــــــــف راعيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
محــــــــــــــــــــــــروز لـــــــــــــــــــــــــــــــــي ضافــــــــــــــــــــــــــــــــــــي بلجنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
لــــــــــــو فــــــــــــي الدجــــــــــــا والنــــــــــــــــــــــــــــــــــــاس هيعيــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
ضيانهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم تسفــــــــــــــــــــــــر فــــــــــــــــــــــــــــي لبقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
سوسيولوجيا القيم في المجتمع الإماراتي 46 الفزعة وقيم البطولة والمروءة ونجدة الملهوف
والبــــــــــــــــــــــــــــــــــــن واصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوات الفناجيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
تسمــــــــــــــــــــــــع لهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا م البعــــــــــــــــــــــــــــــــد قرقــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع
رواية «ساحل الانتقام» نموذجا - محمد فاتح صالح زغل ثمرة من ثمار ما زرعه «زايد» رائد العطاء والعمل الإنساني 48 «غيــث» فزعة إماراتية تجبر خاطر الإنسانية - أماني إبراهيم ياسين الفزعة.. أيقونة الشعب الإماراتي في التلاحم لمواجهة الأزمات - خالد بن محمد مبارك القاسمي 54
وصــــــــــــــــــــــــوت الحـــــــــــــــــــــــــــــــــــوار وحنــــــــــــــــــــــــة الهيـــــــــــــــــــــــــــــــــن
والــــــــــــدار خصـــــــــــــــــــــــــب وموســــــــــــــــــــــــــــــــــــم فقــــــــــــــــــــــــــــــــــــاع )، وهو من مؤسسي برنامج «في أحضان البادية» الذي كان 2006 - 1930 القصيدة للشاعر علي بن رحمة الشامسي ( يبث عبر إذاعة صوت الساحل في الشارقة، و«مجلس شعراء القبائل» في تلفزيون دبي أيضاًً. يتميز شعره بسهولة الألفاظ وجزالتها، وقد تناول في أعماله جميع أغراض الشعر النبطي. وفي هذه القصيدة، يمدح الشاعر حياة البدو والبادية، ويصف خصالهم؛ فهم أهل كرم وجود، وقناعة، وعزة نفس، يمتازون باتساع قلوبهم، ويرحبون بالضيوف، ويحرصون على أداء الواجب في السراء والضراء.
الفزعة والتطوع من السنع الإماراتي الأصيل - محمد نجيب قدورة 58 الفزعة الإماراتية.. أصالة وتراث وتكافل اجتماعي - عبد الرزاق الدرباس 62 الطريق نحو التسامـح 66 الفزعة الإماراتية وطرائق التطوع على الصعيد العالمي - صديق جوهر
9
8
2024 سبتمبر 299 / العدد
ريت البدو من ناس طيّّبين
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
التطو ُُّع في الإمارات.. من المفازعة الق ََب ََلية إلى منظومة عصرية
خالد صالح ملكاوي رافق العمل التطوعي مجتمع الإمارات منذ قديم الزمان، إذ هوجزء أصيل من تراث هذا المجتمع وإرثه الحضاري، حيث ورثت القبائل الإماراتية، شأنها شأن مختلف القبائل العربية التي عاصرتها أو سبقتها، ثقافة تقوم على قيم الفزعة والتكافل والتعاضد، وعلى الدفاع عن الإنسان وتأكيد حقوقه المشروعة، كما التزمت هذه القبائل بدين حنيف كر ََّم الإنسان واحترم حقوقه وإنسانيته ونش ََر مبادئ العدل والمساواة، ما هيََّأ لقيام مؤسسات تنظم العمل التطوعي، وتشكل نواة لمنظومة عصرية للعمل التطوعي القائم على التخصصية والنوعية جعلت هذا الميدان في الإمارات يأخذ مكانة عالمية متقدمة في خدمة التنمية والسلام في العالم أجمع. فالفزعة والتطوع من القيم الأساسية في تاريخ الإمارات، إذ إن بُُنية مجتمع الإمارات قائمة على التكافل والتعاون منذ ما قبل اكتشاف النفط، فكانت البيئة مهيأة وطبيعية لقيام مؤسسات رسمية ترعى قيم الفزعة وكوامن من فئات ا � بذارها، وتنظم العمل التطوعي وتدعم عدد المجتمع، ثم جاءت فيما بعد أشكال تنظيمية جعلت من العمل التطوعي أكثر فاعلية وتأثي ار وذلك بتوزيع أدواره واختصاصاته، فقامت مختلف المؤسسات والجمعيات التي تدعم كل منها قطاعا بعينه من قطاعات المجتمع وفئاته وشرائحه. حس مشترك بالمسؤولية الاجتماعية وتعكس الصلات الاجتماعية القوية والحيوية واقعها في نسيج المجتمع الإماراتي تماسكا وحيوية، وتجسّّد معاني الترابط بين المواطنين بروح يسودها الود والانفتاح تجاه الجميع، فيسهم الإماراتيون في المشهد الاجتماعي النشط الذي يوفّّر الحيوية للمجتمعات المحلية، بتكافلهم واحتضانهم الفئات
غير أن هذا التكوين الاجتماعي الاقتصادي ذي الطابع القبلي مر بتغيرات جذرية بعد اكتشاف النفط والانتقال من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد الوفرة، وما واكب ذلك من ثورة تحديثية طالت البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة، حيث قاد ذلك إلى الانتقال من مرحلة القبيلة إلى مرحلة الدولة الحديثة ذات المؤسسات، وما ترتب على ذلك من تفكيك مؤسسات المجتمع التقليدي، وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، وبروز الدور المحوري للدولة في عمليات التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فيما أفضت مجمل التغيرات التي واكبت هذه الثورة التحديثية إلى قيام وازدهار المنظمات التي تشكّّل أساس المجتمع المدني الذي عماده التطوع. لقد استمر عمل الخير والتكافل الاجتماعي يمثل ركنا ركينا من دعائم المجتمع الإماراتي، وهو الذي ساعد الإماراتيين على الاستمرار والصمود في وجه الصعاب التي واجهتهم قبل اكتشاف النفط والتنعّّم بعائداته، وقد كرََّست القيادة هذه الروح الإنسانية في سياساتها ونهج حكمها، وعبر اتصالها وتواصلها مع أبناء شعبها، ومن خلال دواوينها المفتوحة لمساعدة كل محتاج أو ملهوف. وقصة بناء فلج الصاروج في العين الذي كلف الكثير من الجهد والوقت تشهد على واحدة من صور الفزعة المجتمعية، حين هب الأهالي وعلى رأسهم المغفورله - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - للمساعدة في المشروع الذي بدأ العمل عاما من الجهد 18 م، واستغرق بناؤه نحو 1948 فيه منذ عام الشاق والعمل المستمر. وتطورت هذه الروح مع تطورالمجتمع والدولة ونموهما لتصبح شبكة واسعة ثرية التنوع والخبرة من
مؤسسات وجمعيات خيرية وأهلية ومشتركة، تنظم وترعى تلك الروح التي زادت رسوخا كلما زادت هذه الدولة تقدما وازدها ارًً. ِرة كل من �ِّ وتساوى في حمل هذه الرسالة الإنسانية الخي المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والمبادرات الأهلية من أبناء هذا الوطن، حتى غدت الإمارات دولة العطاء التي تفزع لكل مستنجد، وتمد يد العون والمساعدة إلى مختلف أرجاء المعمورة.
ٍ متضامن، كما تنمّّي �ٍّ كافة لضمان اندماجهم في مجتمع متواد المبادرات الأصيلة والأعمال الخيرية والأنشطة التطوعية حس ّّا مشتركا بالوعي والمسؤولية الاجتماعية، وتعزز قيم العدل والمساواة وروح التضامن في ثقافة المجتمع. فقد اتََّسم المجتمع الإماراتي خلال مرحلة ما قبل اكتشاف النفط وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، بتكوين اجتماعي ذي طابع قبلي مربتط بحياة البداوة والصحراء، وما اربتط بذلك من الكفاف الاقتصادي وندرة الموارد، حيث كانت تسود المجتمع السمات التقليدية مثل سيطرة العلاقات القبلية، والسلطة الأبوية، والخضوع التام لسلطة العادات والتقاليد. ولقد أفضت هذه السمات إلى أن تصبح القبيلة بمنزلة محور ارتكاز التكوين الاجتماعي الاقتصادي برمته، بل كانت القبيلة تمثل مجتمعا مدنيا قائما بذاته، فهي التي تدافع عن مصالح أفرادها، وتحقق لهم الترابط والتضامن الذي كان يتخذ صيغة المفازعة الاجتماعية والسياسية.
11
10
2024 سبتمبر 299 / العدد
التطو ُُّع في الإمارات.. من المفازعة القََبََلية إلى منظومة عصرية
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
موروث عريق يلحظ المتتبع لتاريخ العمل التطوعي والخيري والإنساني في الحضارة العربية والإسلامية أن العمل الأهلي غير الحكومي لم يكن غريبًا عن المجتمعات العربية والإسلامية، فقد عرف العرب قبل الإسلام أشكالا مبّكّرة للتجمعات الأهلية غير الحكومية من خلال ظاهرة التجمع الخيري التي كانت تأخذ أشكالا متنوعة، فرأينا لديهم صوار متعددة للإحسان والرعاية، ومنها: رعاية اليتيم، إذ أقاموا بيوت الأيتام لكل من فقد والده أو توفي أو قُُتل في حرب، وكان أشهرها بيت أيتام غطفان. ومع مجيء الإسلام، أسس القرآن الكريم للعمل الإنساني والخيري في آيات عدة، وركز الإسلام على أن العمل الصالح والإحسان فيهما فائدة للذات وفائدة للناس. وفي ذلك يقول المولى عز وجل: «وََمََا تُُنفِِقُُوا ِمِن َخَيْْر فََلأنفُُس ِِكُُمْْ»، وكذلك: «م ََن ع ََم ِِل َصَالِِح ًًا ف ََلِِنََف ْْس ِِه ِِ»، ويقول تعالى: «لا خ ََيْْر ف ِِي ك ََثِِير م ِِن نََج ْْوََاهُُم إِِلامََن أََمََر بِِص ََدََقََة أََو مََعْْرُُوف أََو إِِص ْْلاح بََيْْن النََّاس وََمََن اْْر ع ََظ ِِيماًً»، ومن يََفْْعََل ذََلِِك ابْْتِِغََاء مََرْْضََاة اللََّه فََسََوْْف نُُؤْْتِِيه أََج الحديث الشريف: «اصنع المعروف مع أهله ومع غيرأهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله». فليس من الغرابة أن يمثل ما حققته الإمارات في مجال العمل التطوعي الذي يشكّّل أساس عمل منظمات المجتمع المدني، وعصب المجتمع نفسه، إنجا از نوعيا ًً، فقد توافرفيها العنصر البشري التََّواق بثقافته وإرثه الديني إلى التطوع، المتحفّّز بقيََمه وسلوكه للمشاركة في المسؤولية المجتمعية، خدمة
لمجتمعه أولاًً، ومساندة للإنسان في مجتمعات أخرى ثانياًً، ووجدت القيادة التي حملت الدولة إلى مسابقة الدول الكبرى والمتقدمة، فسبقتها في مد يد العون والمشاركة في إنقاذ المجتمعات البشرية دون تمييز، وكذلك حين التقت إرادة الدولة وعزائم مواطنيها على حب الخيروتحقيق التكافل، ونشر المساواة بين البشر. ولطالما ظل التضامن والتكافل الاجتماعي سمتين أصيلتين من سمات المجتمع الإماراتي، واستمرت الحكومة تعتزبحرصها على الالتزام بروح العطاء التي كر ََّسها المغفورله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - في المجتمع الإماراتي، فهي
فغدا للعمل التطوعي مواثيقه التي تحدد أداء العاملين وتوجههم في مجاله. وتصاعد الاهتمام العالمي بأخلاقيات العمل التطوعي، وصارهناك ما يعرف بميثاق الشرف الأخلاقي للمنظمات التطوعية أوللمتطوعين، وهونظام أومدونة لسلوك هذه المنظمات، تحدد وتوجه وترشد أداء هذه المنظمات في علاقتها بالفئات المستهدفة بعضها ببعض، وفي علاقتها بالحكومات والداعمين والرأي العام، وبما يتفق مع طبيعة المجتمع المدني غير الربحية والطوعية وذات النفع العام. ولأن المتطوعين هم عماد العمل ومصدر الحيوية، فقد أضحت الجهود تتجه نحو بناء ثقافة للتطوع، وتهيئة البيئة
لا تألو جهدا في توفير سبل الدعم والتشجيع كافة للعديد من مبادرات العمل التطوعي وبرامجه التي تنفذها مختلف الجهات الحكومية والخاصة، ولا تتباطأ أبدا في السعي إلى تهيئة جو ملائم للعمل التطوعي على المستويين المحلي والدولي. ميثاق شرف وثقافة للتطوع وفي ظل حالة الانفتاح المعرفي بين المجتمعات المختلفة، برزت للعمل التطوعي قيم، وأصبحت هناك حاجة ملحََّة لاكتساب أخلاقيات تحكم العمل التطوعي، حتى يكون بمنأى عن الشبهات، وحتى تتضح الفروق بينه وبين العمل الدعائي،
13
12
2024 سبتمبر 299 / العدد
التطو ُُّع في الإمارات.. من المفازعة القََبََلية إلى منظومة عصرية
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
وتنوعت أعماله وتخصصت، مما ساعد على تخريج جيل مؤهل من المتطوعين القادرين على تلبية الاحتياجات المختلفة للاحتياجات الحديثة ا � للمجتمع. لقد وعت الإمارات مبكر والمتواصلة للمجتمعات، ورغبت في أن تكون لها الريادة في خدمة بعض الاحتياجات، والتميز في خدمة أخرى، فاستندت إلى ذخيرة المجتمع من المتطوعين ووفََّرت لهم كل السبل لتأهيلهم نوعيا بما يحقق غناها ويلبي الاحتياجات الإنسانية القائمة، وذلك عبر منظومة عريضة من الجهات التطوعية. وقد تكون هيئة الهلال الأحمرالإماراتي أعرق الجهات التطوعية وأوسعها في الدولة، وتتوزع أدوار المتطوعين فيها على ثلاث فئات: فئة الهلال الطلابي التي تشمل طلبة وطالبات المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، وفئة الهلال الجامعي التي تتكون من طلبة وطالبات الكليات والمعاهد والجامعات، وكذلك فئة المتطوعين التي تضم جميع أفراد المجتمع. وثمة العديد من الهيئات التي يزخر بها تاريخ هذه الدولة في العمل التطوعي؛ مثل أكاديمية الإمارات للتطوع، مجموعة فزعة، برنامج تم التطوعي، برنامج تكاتف للتطوع الاجتماعي، مبادرة زايد العطاء، هيئة الأعمال الخيرية، مؤسسة نهتم للمسؤولية الاجتماعية، مؤسسة الإمارات لتنمية الشباب، المستشفى الإماراتي الإنساني العالمي المتنقل (علاج)، والشرطة المجتمعية في أبوظبي إعلامي مقيم في الإمارات
المصادر والمراجع . سورة النساء: 46 . سورة فصلت: الآية 272 ) القرآن الكريم: سورة البقرة: الآية 1( . 114 الآية ) الأفلاج أقدم تكنولوجيا للري، حمدي نصر، مجلة تراث، أبوظبي، نادي تراث 2( م. 1999 ، فبراير 3 الإمارات، عدد ) تأثيرالعولمة على الخيرالعربي، سري ناصر، موقع مركزالتميزللمنظمات غير 3( http://www.ngoce.org . 2002 الحكومية، ) تقرير الأهداف الإنمائية للألفية لدولة الإمارات العربية المتحدة، التقرير 4( م. 2012 ، أبوظبي: المركز الوطني للإحصاء، 2011 الثالث )، موزة غباش، أبوظبي، 1994 – 1971 ) التنمية البشرية في دولة الإمارات ( 5( م. 1996 المجمع الثقافي، ) ثقافة التطوع، أماني قنديل، مؤسسة الأميرة العنود الخيرية والقطاع 6( الاجتماعي بالمكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل ووزراء الشؤون الاجتماعية م. 2009 بدول مجلس التعاون، ) جمع الجوامع للسيوطي ومسند الشهاب للقضاعي. 7( ) دليل أخلاقيات العمل التطوعي، أماني قنديل، مؤسسة الأميرة العنود 8( الخيرية والقطاع الاجتماعي بالمكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل ووزراء م. 2009 الشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون، ) قوة التطوع، يوسف بن عثمان الحزيم، الرياض: مؤسسة الأميرة العنود 9( م. 2012 الخيرية، ) المجتمع المدني في الإمارات العربية المتحدة، عبد الخالق عبد الله، 10( م. 1995 وآخرون، الشارقة: جمعية الاجتماعيين، www.abudhabi.ae . ) الموقع الإلكتروني لبوابة حكومة أبوظبي 11( www.msa.gov.ae . ) الموقع الإلكتروني لوزارة الشؤون الاجتماعية 12(
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لإفراز متطوعين، سواء من المنظور الكمي أو من المنظور الكيفي، يسهمون بشكل أكثر فعالية في التعامل مع تحديات التنمية البشرية، حيث هناك علاقة اربتاط إيجابية بين التطوع من ناحية، ومؤشرات التنمية البشرية من ناحية أخرى، إذ تُُعََرََّف ثقافة التطوع على أنها مجموعة من القيم والمعتقدات والاتجاهات والمعرفة التي تشكّّل وعي الإنسان وسلوكه إزاء الآخرين وإزاء المجتمع كله، لكي يخصص الوقت والجهد دون توقُُّع عائد مادي، لتحقيق منفعة للمجتمع جميعه، أو لبعض الفئات المحتاجة المهمشة، وذلك بشكل إرادي ومن دون إجبار. ولا نجانب الصواب إن قلنا إن الإمارات اليوم وكأنما هي تمثل وحدة طوارئ دولية خاصة مدرََّبة ومجهََّزة ومهيََّأة بتخصصات عدة لإغاثة المنكوبين والمحتاجين ومعالجتهم ومساعدتهم في مختلف مناطق العالم، وهي كذلك كأنما تُُع ََد أكاديمية تطبيقية رائدة في تأهيل كوادر المتطوعين الإماراتيين لخدمة مجالات التنمية المختلفة في المجتمع الإماراتي، وللمساعدة في دفع مسارات التنمية في مجتمعات تحتاجها في بقاع مختلفة من المعمورة، حيث قطعت شوطا كبيار ومتقدما في مجال العمل التطوعي الذي تنوعت ميادينه وأوجه نشاطاته لتشمل مختلف مجالات التنمية، واتسع نطاقه ليصل في ساحات عمله إلى بقاع مختلفة من هذا العالم. واليوم، بات قطاع العمل التطوعي يمثل أحد أسرع القطاعات الاجتماعية التي تُُحدث حراكا إيجابيا واسعا في المجتمع الإماراتي، حيث توس ََّع
هذا القطاع على مدى السنوات القليلة الماضية بمعدلات نمو متسارعة، نتيجة للنمو السكاني المتسارع، وما نتج عن ذلك من الحاجة المتنامية إلى زيادة مشاركة أفراد المجتمع، بمختلف فئاتهم وتخصصاتهم، بالمساهمة في تنفيذ الكثير من البرامج والأنشطة الاجتماعية التي تدعم قضايا المجتمع، حيث يحظى العمل التطوعي، بشكليه المؤسسي والفردي، بأهمية كبيرة، ويلعب دوار ملحوظا في إحداث تغييرات مهمة في طريقة حياة الناس، عن طريق مساهمته في تلبية حاجات المجتمع، والتخفيف من معاناة الآلاف من المحتاجين خارج الدولة. جهات تطوعية لخدمة نوعية من الجلي تماما أن الاهتمام بالعمل المجتمعي اربتط اربتاطا مضطردا بتطور المجتمع الإماراتي وتنامي الحاجة إلى أدوار المجتمع المدني، فشهدت المشاركة في المسؤولية المجتمعية ازديادا في أهميتها بشكل ملحوظ، تماشى مع النمو المتزايد للمجتمع الإماراتي، ومع التنوع والخصائص الدولية التي يحظى بها، في ظل الاهتمام المتزايد بالعمل التطوعي، وأصبح البحث عن سبل التطوع ودعم القضايا المجتمعية أسهل من أي وقت مضى. وبفضل الجهود التي بتذلها الجهات الرائدة في ميدان العمل التطوعي في الإمارات، والدعم الذي تقدمه العديد من الجهات الحكومية للمشروعات المجتمعية من خلال التمويل والاستشارات والتدريب، ازدهرقطاع التطوع بشكل كبير، ونما
15
14
2024 سبتمبر 299 / العدد
التطو ُُّع في الإمارات.. من المفازعة القََبََلية إلى منظومة عصرية
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
وهو ما يبدو جليا في الأعراف والتقاليد وفي العديد من السور القرآنية وآياتها الكريمة التي جاء في ذِِكرها الحكيم: َنفُُسِِكُُم وََمََا تُُنفِِقُُون إِِلا ابْْتِِغََاء وََجْْه �َ ﴿وََمََا تُُنفِِقُُوا مِِن خََيْْر فََلِأ الَّلِّه وََمََا تُُنفِِقُُوا مِِن خََيْْر يُُوََف إِِلََيْْكُُم وََأََنْْتُُم لا تُُظْْلََمُُونََ﴾ ).﴿يََوْْم تََج ِِد كُُل نََفْْس مَّّاعََمِِلََت مِِن خ ََيْْر ُّمّْحْض ََرًًا﴾ 272 (البقرة: ). ﴿وََاَّلِّذِين يُُؤْْتُُون م ََا آتََوا َّوُّقُلُُوبُُهُُم وََج ِِلََة أ َََّنُّهُم إِِلََى 30 (آل عمران: ِّهِم رََاج ِِع ُُون ََ* أُُولََـئِِك يُُس ََارِِع ُُون فِِي الْْخ ََيْْرََات وََه ُُم لََهََا س ََابِِقُُون ََ﴾ � ر ََِّب . وعلى هدي هذه الآيات الكريمة، جاء في ) 2( ﴾) 60 (المؤمنون: الحديث النبوي الشريف: (من نََفّّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نََفّّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، . ) 3( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم من خلال الآيات القرآنية الكريمة السابقة، والحديث النبوي الشريف أيضا تأتي الدعوة الإلهية والنبوية إلى الإقدام على مساعدة الآخر أي تقديم الفزعة له، وعبر هذه الدعوة ذاتها يتبين أن الإنسان الذي يقوم بالفزعة اتجاه الآخرين فهو يقوم بها لنفسه أيضا لأنه بالقيام بها سيتبوأ عند ربه مكانة عظيمة وجزاء عظيما حسنا لأنه بفزعته الكريمة ينتمي إلى الفئة الكريمة الملبية دعوة ربها ورسولها الكريم عليه السلام؛ وفي هذا السياق عينه يتقاطع الكاتب الإماراتي عبد الله عبد الرحمن الحمادي مع هذه الخلاصة، ويلتقي في كتابه (الفزعة مع ما أكدت عليه من ) 4( قيم التلاحم في المجتمع الإماراتي) حسن شيم المرء المتصف بمبادرة مساعدة الآخرين والتي ينتج عنها إزكاء روح التكافل والتعاون ضمن العلاقات الإنسانية الاجتماعية التي وُُصف فيها المجتمع الإماراتي باعتباره قام على هذا التعاون والفزعة والمساعدة التي توقف عندها في كتابه
الفزعة في الإمارات وآفاقها التراثية وصورتها المعاصرة
السابق وأكد فيها أن هذه الصفات متأصله فيه منذ القدم، الذي كانت الفزعة بادية عند أفراده بالتعاون الذي يظهروه في مناسبات الأفراح والأحزان سواء في المدينة أو الريف، فكانوا يقدمون السند لبعضهم ولعل أكثرمايتبدى ذلك في مناسبات الزواج التي كانوا من خلالها يسهمون بمبالغ مالية يقدمونها كهدية للعريس وذويه لمشاركتهم في مصاريف الزفاف، وكذلك في حالات المرض والعلاج يسهمون بفزعة مالية لمساعدة
الإقدام عليها بالفعل والتلبية، وهو ما يقودنا إلى القول بأن الفزعة في شِِقّّها اللغوي وفي التراث الإماراتي تعني المبادرة والمضي إلى تقديم العون والمساعدة التي انتقلت من جيل إلى آخر حتى أضحت من القيم العربية الإماراتية الأصيلة التي لم تنقطع عن حياة المجتمع الإماراتي وأبنائه الذين مازالوا يفزعون ويهبّّون للمساعدة في أوقات الرخاء والشدة مما يقوي الترابط الأسري والاجتماعي بينهم وذلك بعد اتسامهم بروح الفزعة وسلوكها السامي الذي يقوم على التطوع والإيثار والشهامة والكرم والشجاعة. الفزعة في تراثها المشهود قيم دينية واجتماعية سامية.. الفزعة في تطبيقاتها القيّّمة ومعانيها الرفيعة التي اتسمت بها المجموعة والفرد في المجتمع الإماراتي منذ نشوئه وتشكّّله لم تأت من فراغ، بل كانت وليدة تراث زاخر بالقيم السامية، ووليدة تربية دينية واجتماعية تقوم على الترابط والرفعة،
أحمد حسين حميدان مازالت الفزعة رغم ق ِِدمها يتردد صداها حتى اليوم وما برحت قيد الإشادة بالكلام وبالفعل والممارسة في الحياة المعاصرة، وهي في الممارسة الفعلية والعملية سمة أصيلة في المجتمع الإماراتي وم ِِف ْْص ََل رئيسي في تراث أبنائه وسلوكهم ولم تغب عن مشهد تعاملات حياتهم الراهنة، فما هي الفزعة ودلالاتها في اللغة بداية وضمن الواقع المعاش أيضاًً؟.
الفزعة بين آفاقها اللغوية وآفاقها السلوكية والعملية..
ما ورد في المعنى الدلالي اللغوي، وما أجمعت عليه المعاجم أن الفزع من مقاصد ) 1( والقواميس ومن ضمنها لسان العرب معانيه الخوف، وحين يفزع إنسان إلى القوم أي يستغيثهم من خطرأو أمرجلل ألم به طلب ًا لنجدتهم، والفزعة من خلال ذلك لا تتوقف في ضروبها اللغوية عند النجدة والمساعدة، بل بتلغ
17
16
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة في الإمارات وآفاقها التراثية وصورتها المعاصرة
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
شمولا وسعة في الحياة المعاصرة التي تقوم على مؤسسات وإمكانيات أكثر وفرة وأقوى من إمكانيات الأفراد، ونستطيع القول إنها رغم هذا التطور الحاصل لم تؤثر سلبًا في الفزعة الفردية ولم تلغها، بل أغنتها وأضافت إلى مساعيها وجهودها جهودا أخرى فأصبحت على عطاء أكبر وأكثر شمولا وتحولت إلى ما يسمى بالنفع المشترك الذي يتعذرتحقيقه بجهود فردية لأن الانتفاع فيه لم يقتصرعلى الأفراد وحدهم بل امتد ليشمل الصالح المجتمعي العام وتتم إدارته من منظومة جماعية ومن مؤسسات بعد أن تكبر فيها الفزعة وتتحول إلى مرافق لابد من الإشراف عليها من أصحاب الكفاءة وهو ما أدى في البداية إلى وجود الجمعيات الخيرية ومن خلال ما يأتيها من بترعات تقدم بالمعونات الخيرية والعلاجية إضافة إلى كفالة الأيتام وفق شروط لا تمانع من خلالها أن يتم ذلك من الأفراد الميسورة أحوالهم المادية بعد موافقة سائر عائلتهم على ذلك إضافة إلى أن تكون العائلة تتمتع بسمعة لا شائبة أخلاقية عليها وعلى سلوكها، إضافة إلى ذلك تطورت فزعة الجمعيات الخيرية لتبلغ إعطاء المعونة لمن يرتاد المشافي ودائم العلاج فيها وفق إثباتات معينة يتم تقديمها إلى إدارة الجمعية، إضافة إلى المساعدة والإشراف على حفر الآبار ذات النفع العام وبناء مصحات ومشافي ومساجد. والإقدام على ذلك له جذورتراثية إذ إن معايير الخير والفزعة والمساعدة فيه تقوم وفق القرآن الكريم على دعامتين ومعيارين أساسيين هما، الشمول، والأفضلية، وفي سياق ذلك يتبدى لنا ما أقامه الرسول الكريم بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة وفق هاتين الدعامتين، ويضاف على ذلك بناء مسجد في قباء إضافة إلى
الشخص المريض وأهله في تحمّّل تكاليف علاجه وخصوصا ، وفي ) 5( إذا كان يحتاج علاجا جراحيا ولا يقوى على سداده حالات الخلافات يتدخل أصحاب المروءة والفضل ويفزعون لفض الخلاف ويكون ذلك حسب طبيعة هذا الخلاف الذي يمكن أن تأخذ الفزعة فيه شكلا ماديا أو معنويا حسب طبيعة المشكلة وما يمكن أن يكون قد نشأ فيها من خلاف يتحدد من خلاله شكل ودوافع الفزعة. الفزعة: أنواع وأشكال متعددة من خلال ما جاء عليه الخطاب الديني بآياته القرآنية وبأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وما حثت عليه في مرامي آفاقها السلوكية والتربوية، تأخذ الفزعة بما تنطوي عليه من معاني التعاون والنجدة والمساعدة على جوانب حياتية متعددة، ومن ضمن أنواعها: المساعدات النقدية وتُُقََدم عادة للفقراء حسب المواسم والمناسبات والأعياد الدينية، كما يتم تقديمها في أوقات الأزمات والضيق العامة مثل الكوارث أو الأزمات والشدائد الأسرية الخاصة مثل أوقات المرض والوفيات وسواهما. والمساعدات الثانية يمكن أن تكون عينية تشمل ما يحتاجه الإنسان في أوقات الضيق والأزمات فتكون الفزعة في مستلزمات الحياة الضرورية كالطعام والكساء والدواء والمأوى وخصوصا في أوقات حصول الزلازل والكوارث الطبيعية. إن الفزعة ونوع المساعدة تحددها نوع الحاجة وتحددها حالة مََن يحتاجها وإذا كان من ميسوري الأوضاع المادية أو من الفقراء، وحسب نوع الأزمة التي وقع فيها إن كانت تتعلق
بشخصه وحده أو أن عائلته مشمولة معه بالأزمة التي أصابت حياتهم معاًً، وإذا كانت الفزعة ابتدأت على نحو فطري وفردي حتى غدت حالة وتقليدا بين العوائل والأسر، غير أنها في الحياة الحديثة والمعاصرة وما اكتنفها من تطور وما اتصفت به من تعقيدات أسهمت إلى حد كبير في تغيير واقع الحياة وطرق العيش فيها، وهذا التغيير لم تكن الفزعة بعيدة عنه ولم تعد محصورة كما هي صورتها الفردية المتعارف عليها، بل أضيف إليها صورة أوسع وأشمل اتسعت للفرد والجماعة أيضا وذلك حسبما استجد من جوانب وفدت إلى الحياة المعاصرة جراء التطورات في جوانب مجالاتها المتعددة. الفزعة من التراث إلى المؤسساتية الفزعة لم تكن سلوكا مؤقتا أو طارئا في المجتمع الإماراتي، بل هي ركن خيري اجتماعي مرافق لحياة الأفراد والجماعات منذ زمن بعيد حتى أضحت صفة متأصلة لأبناء المجتمع الإماراتي وقيمة سلوكية سامية لأبنائه كما تؤكد دراسات عديدة، وهذه الفزعة لم تبَق كما كانت عليه في فترتها الماضية والغاربة، بسبب ما اعتراها من تأثر بشكل مباشر من المتغيرات الحاصلة والحاضرة في الحياة الحديثة والمعاصرة جراء التطورات التي شملت جوانب الواقع المتعددة على اختلافها، والفزعة إزاء هذه التغيرات وإزاء هذا التأثرالذي شملها، بتاينت فعالياتها في حيز الواقع ومجالاته، فهي في البداية أخذت طابعا فطريا وفرديا بلغ أثرها فيه الأقرباء ومحيط الجوار من الناحية الاجتماعية والجغرافية، غير أنها بعد ذلك تجاوزت الحيز الضيق وتطورت إلى صورة أخرى أصبحت فيها أكثر
المسجد النبوي وتجهيزبئررومة للمنفعة العامة، وضمن سياق هذه المنفعة العامة قدمت الإمارات في فزعتها الجماعية غير إنجازلم يقف عند المشافي والمساجد والمدارس والجامعات، يل يضاف عليها تأسيس صندوق الزواج الذي بدأ يقدم منحا مالية لكل مََن يعقد العزم على الزواج من الشباب الإماراتي، هذا علاوة على الفزعات والمساعدات المؤسسية لدور الإيواء ومستوصفات العلاج والرعاية الاجتماعية التي تقدم خدماتها للأيتام والعجزة والأرامل وذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة الذي تتكامل من خلاله الخبرات كما ) 6( إلى العمل التطوعي يُُنََمي الشعور بالمسؤولية المجتمعية التي يتم عبرها تقاسم الأعمال والمهمات بجهود مشتركة تجسدت فيها الفزعة والمساعدة بروح التعاون فجعلت صورتها زاهية وقوية وذلك بعدما اجتمعت فيها عديد الخبرات التي قامت على الإعداد والتأهيل العملي والنظري والمهني أيضا كاتب وأديب من سوريا هوامش وإحالات ) لسان العرب، ابن منظور، محمد بن مكرم، تحقيق عبد الله علي الكبير، دار 1( المعارف، القاهرة. ) القرآن الكريم: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة المؤمنون. 2( ) الحديث النبوي الشريف رواه أبو هريرة. 3( ) الفزعة قيم التلاحم في المجتمع الإماراتي، عبد الله عبد الرحمن الحمادي، 4( م. 2017 هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، أبوظبي، ) الفزعة نجدة بلا أرقام وتكاتف في الأفراح والأحزان، ملحق جريدة الخليج 5( م. 2001 إبريل، الشارقة، 25 الإماراتية، عدد ) الفزعة تعزز مفهوم العمل التطوعي، أمينة صدقي، ملحق جريدة الخليج 6( م. 2015 مارس، الشارقة، 20 الإماراتية، عدد
19
18
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة في الإمارات وآفاقها التراثية وصورتها المعاصرة
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
الفزعة: إرث حضاري أصيل في حياتنا
سرور خليفة الكعبي احتوى التراث الإماراتي والخليجي والعربي الأصيل بشكل عام، العديد من المعاني والقيم الحياتية التي جسدت عبر الزمن، المعاني الحقيقية لمفهوم الإنسانية الحقة، واحتوى القاموس العربي على مفاهيم شك ّّلت الهوية العربية الخاصة بين الأمم، ما أكسب الإنسان العربي الاحترام والتقدير من جميع الأمم على هذه الأرض، فكانت هذه المفاهيم التي اعتبرها الإنسان معايير وأساليب حياة، كانت في أمم أخرى أمنيات وتطلعات اجتماعية صعبة المنال. وعلى الرغم من أن الفزع يعني الخوف الشديد والقلق، فإن مفهوم الفزعة الذي نتحدث عنه لا يخلو من الخوف والفزع، غيرأنه يكون بخوف الإنسان من التلكؤ والتأخرفي تقديم المساعدة لمن يحتاجها في وقتها، لذا فإن هذا الإنسان يسارع في تقديم العون كمسارعة المفزوع الهارب من خوف ما قد يلحقه من لوم إن تأخرعن تقديم هذه المساعدة، وهويسمع الشخص (يستفزع) أي يطلب الفزعة ويستنجد.
فزعاتهم التي ي ُُشار إليها بالبنان لكل محتاج في هذا العالم. وهاهي الفزعة تستمر إرثا حضاريا وتراثيا وثقافيا على مر الأجيال، وليس أجمل من أن يفزع المرء لنصرة بلاده وقيادته ومن يستجير به، وفي عهد قريب من التاريخ الحديث مازلنا نذكر الفزعة الكبرى التي قام بها شباب الوطن جميعهم على مختلف مشاربهم لنصرة الكويت ورد العدوان عنها، حتى فزع أهل الإمارات لنصرة أهلنا في اليمن، ناهيك عن الفزعة لنصرة الإنسانية في لبنان وكوسوفو وأفغانستان والكثير غيرها من البلدان في العالم، والتي لم تقتصر على الوقفة العسكرية الحازمة فحسب، ولكن امتدت لتشمل تقديم المساعدات الغذائية والدوائية العلاجية، وكذلك الفزعة لضحايا الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والأوبئة والأمراض. إن الفزعة لهي الشرف الكبيرالذي يستشعره الكريم في تقديم كل ما يستطيع من عون لنصرة المستضعفين والمحتاجين في ساعة العسرة، وهي البذل الذي يجمع أبناء المجتمع الواحد
من هذا المنطلق كانت الفزعة من أساسيات الحياة في بلادنا وتاريخنا وإرثنا الحضاري العريق الذي تناقلته الأجيال، فالفزعة هي الوقوف عند الحاجة وبدون دعوة وبدافع ذاتي إلى جانب ليس من تربطك به عصبة الدم أوالنسب فقط، ولكنها النخوة المبذولة لكل من يحتاج العون وفي أشد الأوقات صعوبة أو إلحاحاًً، فالمنقطع في الصحراء يحتاج إلى (فزعة) كل من يمكنه المساهمة في البحث عنه ونجدته وإعادته إلى أسرته وإنقاذ حياته، كذلك الغريق والحريق، وكل من يقع بضوائق الدهر التي يعجز عن مواجهتها منفرداًً، ومن أجمل الجمل التي يقولها الإنسان الإماراتي في هذا قولهم «افزع خويك»، أي أسرع لتقديم المساعدة له فهو في أمس الحاجة إليها، ومن أجمل المديح قولهم: والنعم بفلان ما قصر فزع لنا، أي قدم مساعدته دون طلب. والفزعة ليست مستحدثة فهي فزعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لأصحابه المستضعفين، وكذلك فزعة المعتصم الشهيرة، وفزعة طارق بن زياد، وغيرهم
الكثيرون في تاريخنا العربي المشرف، ومن تاريخنا المحلي لا ينسى أهل الإمارات فزعة الشيخ سعيد بن طحنون الأول لأهل ليوا، وفزعته لسلطان ع ُُمان أيضا ًً، والكثير الكثير غيرها لشيوخنا الكرام وعلى رأسهم باني هذه البلاد ومؤسسها المغفور له- بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - الذي لم يدع زاوية من زوايا هذه البسيطة إلا وكانت له بصمات واضحة من الفزعة التي قدمها للدول والأمم في بعد 1973 العالم، ومن أروع الأمثلة فزعته للعرب في حرب عام أقل من عامين من قيام دولته، فقام بواجبه العروبي والإنساني بالوقوف إلى جانب الحق وتقديم الفزعة لأمته العربية في حربها، في وقت لم يكن لديه ما يمكن تقديمه، فأقدم على الاقتراض لكي يقوم بذلك الواجب، دون أن يعير التهديدات والتحذيرات أي اهتمام أو تردعه عن القيام بما يمليه عليه الواجب والحق، فكانت فزعته مضرب الأمثال وستبقى، وعلى هذا النهج سار أبناؤه من خلفه، الذين لم يتوانوا عن تقديم
21
20
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة: إرث حضاري أصيل في حياتنا
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
الفزعة الإماراتية: بين الأصالة والقيم في التراث الشعبي
أحمد عبد القادر الرفاعي الشعرالنبطي صورة صادقة لعادات أهل البلاد وأخلاقهم الأصيلة وتقاليدهم الرفيعة، نستطيع من خلاله التعرف على واقعهم وانتمائهم وهوية سلوكهم وثقافتهم، وهو بالتالي ترجمة لهذه العادات والتقاليد بما تحمله من جذور الأصالة حيث الفخر والكرم والانتماء، وهو مصدر الفضائل والمكارم ومنبعهما، وليس أصدق منه في تصوير القيم المجتمعية ووصف المجتمع بتفاصيله كلها، وليس أوفى منه في حفظ تراث الشعوب وهويتهم المعرفية والفكرية فهو انعكاس لوعي المجتمع ومقومات الوجود من ثقافة ولغة وهوية وانتماء وأخلاق وعادات وغيرها، وقد كانت الفزعة بكل معانيها وأهميتها ظاهرة في الشعر النبطي في الإمارات تعب ّّـر عن القيم النبيلة المتوارثة منذ قديم الزمان والمتأصلة في المجتمع الإماراتي، والتي أسهمت في التكاتف والتعاون والإخاء بين أبناء الشعب الإماراتي، وغرست في نفوس الأجيال الحالية روح النجدة لنصرة المظلوم وتقديم يد العون إلى خارج الدولة لتشمل إخوانهم العرب والمسلمين والأصدقاء في إطار الإنسانية، وقد حمل لنا أدب أهل الإمارات بأشكاله وتجلياته كلها هذه القيمة الأصيلة بأبهى الصور وأجمل العبارات، فالفزعة فضيلة من الفضائل الموروثة في أخلاق الشعب الإماراتي إلى جانب الكرم والسخاء والعطاء والجود والتكافل والتكاتف من أجل نصرة المظلوم وهو ما يبرز قيم الشجاعة وحب الخير للآخرين.
في بوتقة ينصهر فيها ليقدم أروع النماذج من البذل والعطاء، ولا يقتصر هذا المنح والعطاء على الأموال والفزعات العينية، ًًا ولكن يشمل ذلك الدعم المعنوي الذي قد يكون أكثر تأثير من المادي في أحايين كثيرة، لذا فإن الوقوف مع الجار في الشدائد والمحن وكذلك الأفراح والمناسبات السعيده، تكون ذات تأثيرات إيجابية كبيرة تمتد إلى الأجيال القادمة. وقد نهل أهل بلادي من تراثهم العريق القيم الأصيلة لمبادئ فزعة الملهوف وإغاثة المستضعف ونصرة الحق، كما هي الحال في فزعة الصديق والأخ عند الحاجة وفي حالات الفرح والسعادة والمناسبات السعيدة، وقد ضرب لنا الأولون أروع الأمثلة في الفزعة والوقوف إلى جانب المحتاجين عند اللزوم، فكانوا يتعاونون في الأعمال كلها التي تتطلبها عمليات الزراعة وبناء المنازل والأعراس وكذلك عند الديّّات والمطالبات، وعند المصائب كاحتراق المنازل أو غرق المحاصيل بالأمطار وغيرها من الأوضاع الصعبة، فكانوا كالجسد الواحد في مواجهة تلك الأزمات التي تمربهم. وفي الوقت الماضي كان الناس يعتمدون على بعضهم لتوفير الأمن والحماية ضد إغارة الأعداء عليهم وسلبهم أموالهم، فكانوا يضعون أبراج الحراسة على الطرقات ومداخل المدن والقرى لتحذير الناس من الإغارة والهجوم عليهم، وكانوا يطلقون على مََن يطلق الإنذار (مصيّّح) حيث يصيح بأعلى صوته أو يطلق النار تحذي ار لهم، كما يطلق الكثير من عبارات طلب الفزعة لصد الهجوم والعدوان. وفي أيامنا هذه وبتوافرالأمن والأمان، تحو ّّلت الفزعة إلى تقديم العون للمحتاجين للمساعدات العاجلة، فليس مستغربا رؤية
الجموع الكبيرة من المتطوعين عند حدوث الأنواء الطبيعية، أوالقيام بالأعمال المجتمعية الخاصة بحماية البيئة وتنظيفها، وكذلك المسارعة في المشاركة في حملات التبرع بالدم التي تنظمها الجهات الصحية، باعتبارها من مظاهر الفزعة التي يقدمها عيال زايد لإخوانهم في البلاد، أو المجهودات الطبية في الخارج وتقديمها حسب الاقتضاء والحاجة أينما كانت. لقد كان هذا المفهوم والقاعدة الحياتية التي تربى عليها الآباء، هي من أكثرالسمات التي يفاخربها أبناء وطني، والتي لا يتنازلون عنها أو يتغيرون عليها، فالمسارعة إلى تقديم العون دون تفكير أوروابط لكل محتاج، ستبقى أبدا سمة عيال زايد الخيرما بقي الليل والنهار، وستبقى الفزعة مصدر الفخر والاعتزاز باحث وكاتب إماراتي المستضعفين والمحتاجين في ساعة العسرة، وهي البذل الذي يجمع أبناء المجتمع الواحد في بوتقة ينصهر فيها ليقدم أروع النماذج من البذل والعطاء إن الفزعة لهي الشرف الكبير الذي يستشعره الكريم في تقديم كل ما يستطيع من عون لنصرة
23
22
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة: إرث حضاري أصيل في حياتنا
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
يــمــشــــــــــــــــــون عـــــــــــــــــا خـطـــــــــــــــــــــــــات وانظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام
عــلــمــوهــــــــــــــــــم كيــــــــــــــــف مـــــــــا ينشــــــــي الوليــــــــــــــــــــــــــد
ومع هذا الثراء الاجتماعي في محتوى الشعر النبطي، تمكنت القصيدة من رسم صورة عميقة للعادات والتقاليد والأعراف والشمائل والقيم الروحية في المجتمع الإماراتي على الصعيدين الزماني والمكاني، وإبراز قيم الخير والعدل والحكمة، والحث على التمسك بهذه القيم وخاصة قيم تعاضد المجتمع وتماسكه وتمسكه بأصالته وهو ما يعرف بقيم «الفزعة» وهذا ما نجده في قصيدة للشاعرة «فتاة العرب» تقول فيها: بـالــتــمــاســــــــــــــــــــــــــك بـيـنـهـــــــــــــــــــــــــم إيــــــــــــــــــــــــــد بإيـــــــــــــــــــــــــــــــــــد مــــــــــــــــــا دخـــــــــــــــــــل فــيــهــــــــــــــــــم دخيــــــــل ولا لــــــــــــــــــــــــدود والــقــعــايــــــــــــــــــــــــــد لــــــــــــــــــــــــــي لـهـــــــــــــــــــــــــن راي سديـــــــــــــــــــد عــلــمــــــــــــــــــن لاولاد عـــــــــــــــــــــــــــادات الجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدود
ع مــســتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوى الـــحــالــــــــــــــــــــــــــــــــــه ممشيــــــــــــــــــــــــــــــــن
نـشـيـــــــــة الفتيــــــــــــــــان مــــــــــــــــــــــــن صـــــــــدق وصمــــــــود
عــلــــــــــــــــــــــــــــــــــى الــصــبــــــــــــــــــــــــــر تـتـقـــــــــــــــــــــــــــــــــزر أيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام
مـــــــــــــــــــــــــــن تـــــــــــراث وكــــــــــل تـــــــــــــــــــاريــخ مجيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد
ونـــــــــــــــــــــــــــــــــــاس صــبــرهــــــــــــــــــــــــــم طــــــــــــــــــــــــول اسنيــــــــــــــــــــن
واستحــــــــــــــــــس الطفــــــــل نـفـســـــــــه فــــــــي صعــــــــود
نـــــــــــــــــــــــــــاس عـــــــــــــــــــــــــــزاز الـنـفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــس واكــــــــــــــــــــــــــــــــرام
الكرم والجود: صور من الفزعة يقول الشاعر الإماراتي علي بن سلطان بن بخيت العميمي عن القيم والفضائل في المجتمع الإماراتي واصفا ا � معبر العادات والتقاليد الأصيلة فيه بما فيها من أمهات الفضائل، وهي الكرم والجود والصدق والحمية: لـــــــــــــــــــــــــوّّل يـــــــــــــــــــــــــــــــلا مـــــــــــــــــــن عـــــــــــــــــــــــــزم وشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام يــطــلــــــــــــــــــب سـبـــــــــــــــــــــــــب رزقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه بخصيــــــــــــــــــــــــن والــنــــــــــــــــــــــــــاس فــــــــــــــــــي عرشــــــــــــــــــــــــــــــــان وخيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام وبــيــــــــــــــــــــــــــت الـشـعـــــــــــــــــــــــــر فــــــــــــــــي الـبــــــــــــــــــــــــــــر بانيــــــــــــــــن
واهـــــــــــــــــــــــــــل الــعــوايــــــــــــــــــــــــــد نـــــــــــــــــــــــــــاس طيبيــــــــــــــــــــــــــــــــن
للــضــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف بــالــمــايـــــــــــــــــــــــــــــــــــــوب جــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدام
وللـــضـــيـــــــــــــــــــــــــــف ســــــــــــــــــــــــــــــــــاروا مستعديــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
وإلــهــــــــــــــــــــــــــــــــــم عــلـــــــــــــــــــــــــــى الربعــــــــــــــــــــــــه استفهــــــــــــــــــــــــام
كـــــــــــــــــــل شـــــــــــــــــــي مــعــهــــــــــــــــــم لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــه قوانيــــــــــــــــــــــــــــــــن
الــجـــــــــــــــــــــــــــار نـسـعـــــــــــــــــى لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــه علــــــــى اقــــــــــــــــــــــــدام
ونــتــعــــــــــــــــــــــــــب لـجـــــــــــــــــــــــــل مـرضـاتــــــــــــــــه الهيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
عــلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى الــطــــــــــــــــــــــــــوي لـــــــــو يكثــــــــــــــــر احيــــــــــــــــــــــــام
تــلــقــــــــــــــــــى الـــدلايــــــــــــــــــــــــل فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي المعاطيــــــــــــــــــــــــن وقد تغنت الشاعرة موزة بنت جمعة المهيري بالكثير من العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية في المجتمع الإماراتي ومن هذه العادات نزوع الناس إلى الخير من خلال بنائهم الأمكنة ومراكز الخدمات العامة التي يستفيد منها المسافرون وأبناء السبيل والمتنزهون الذين كانوا يخرجون إلى بعض الوديان. ومن ذلك ما أشارت إليه في إحدى قصائدها من أن أهل الخير كانوا يحفرون الطويان (الآبار) ليرد عليها الناس، والبوش وسائر الحيونات، ومن ذلك ما نظمته أيضا بمناسبة حفرأحد أحفادها طويا في قرية غمض، وقد رُُفعت الأعلام في الطرق والدروب التي تقود إليه ليستدل الناس عليه، ودعت له بالمطر والسقيا على عادة الشعراء القدماء، تقول:
ّّـــــــــــــــــــــــــــــــــوي عـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ماثــــــــــــــــــــــــور جــمــعــــــــــــــــــــــــــــــة مـس
ّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات حــــــــــــــــــــــــــــــــــق الــذي بــســيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر كش
يــيــنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا وســوّّيـنـالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه انـشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور
وعـــلــيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه عــد ّّلــنــــــــــــــــــــــــــا بنيّّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات
يــاللــــــــــــــــه عـــســــــــــــــــــــــــــــــــى تسقيــــــــــــــــــــــــــــــــه لمطــــــــــــــــــــــــــــــــور
ويـعـــــــــــــــــــــــــل امـطـــــــــــــــــــــــــره فــــــــي كــــــــل ساعـــــــــــــــــــــــــــــــــــات وفي معاني «الفزعة» المتعددة والمتأصلة في المجتمع الإماراتي نجد معاني مماثلة في قصيدة «شرفت ويلا الشرف سايل» للشاعرة موزة بنت جمعة المهيري، حيث جرت العادة أن يجتمع أهل الحي وأن يتفقد بعضهم بعضا في مختلف الظروف والأحوال، وذات ليلة كان المطر قد هطل غزي ار على غير توقع الناس؛ فما كان من الشاعرة موزة إلا أن خرجت مبكرة في صباح اليوم التالي لتطمئن على جيرانها؛ وأدهشها ما رأت من أمر المطر، فقالت: ِِـــــــــــــــــــــــــــــرف ســــــــــــــــــــــــــــايل شــرفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــت وإيــــــــــــــــــــــلا الـش ّّـبــــــــــــــــــــــه يــْْيــََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــري م البطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاح وأتـحـس وتعلقت الشاعرة موزة المهيري بجيرانها من سكان شرف كواكب، وأحبت فيهم الخصائل العربية الأصيلة وخاصة كرم
25
24
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة الإماراتية: بين الأصالة والقيم في التراث الشعبي
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
اعـــصـــــــــــــــــــــــــــــــــور حــلـــــــــــــــــــــــــــــــــوة لــيــــــــــــت تنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدار
الضيافة، فقالت في مدحهم والثناء على صنيعهم والدعاء بالسقيا لديارهم: ايـــعــــــــــــــــــــــــــــــل ذاك الـشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــرف سـحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب ومــــــــــــــــــــــــــــــن الــســمــــــــــــــــــــــــــــــاء يــــــــــــــــــــــــــــا رب هلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه لــــــــــــــــــــــــــــــي سـاكـنـيـنـــــــــــــــــــــــــــــه عــــــــــــــــــــــــــــرب وأنيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب مـــتـــحــــــــــــــــــــــــذر عــــــــــــــــــــــــــــــــن كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل خلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ودلالــهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــم مـــــــــــــــــــــــن صنـــــــــــــــــــــع الأذهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب والــــبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن فــيــهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن بنعملــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه وإن يـــيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت ضـيـــــــــــــــــــــــــــــف لا تهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب يــــديــــرونــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه فـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي المحلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه نـــــــــــــــــــــــــــــــاس يــثــنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون الــتــرحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب يــــبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرون روح مـسـتعلّّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه ويقول الشاعر محمد بن صبيح الفلاسي داعيا إلى صداقة الكرام والتطبع بطباعهم للوصول إلى المكانة العالية: مـــــــــــــن رابــــــــــــــــــع الأجــــــــــــــــــــواد يـفـعـــــــــــــــــــــــــــل فعلهــــــــــــــــــــم وفـــــــــــــــــــــــلان يعـــــــــــــــــــــرف مــــــــــــــــن ربعتـــــــــــــــــــــه فلانــــــــــــــــــــــــــــا ّّـــــــــــال يــــــــــــــــــــــــــــــوم تبخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ومـــن رابـــــــــــــــــــــــع الـبـخ ومـــــــن رابـــــــع الشينيـــــــــــــــــــــن لا شـــــــــــــــــــــك شانــــــــــــــــــــــــــــا ومــــــــن ســـــــــــــــار فـــــــي درب المعالـــــــــــــــــــــي توفــــــــــــــــــــــــــق واحتــــــــــــــــــــــــــــل فـي روس المعالــــــــــــــــــــــــــــي مكانـــــــــــــــــــــــــــــــــــا ويمتدح الشاعر خليفة الدرمكي ما ساد المجتمع من صفاء النفوس ونقاء القلوب والتراحم الموصول:
وتــعــيــــــــــــــــــــــــــــــــد ذاك الــوقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت بالفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور
يـــــــــــــوم الــخــــــــــــــــــــــــــــــــوي مـــــــــــــــــــــــــا فــيــــــــــــــــــــــه لكــــــــــــــــــــــــــــــدار
نــظــيــــــــــــــــــــــــــــــــف قــلــبــــــــــــــــــــــه مــــــــــــــــــــــــــــــا بــــــــــــــــــــه اكــــــــــــــــــــدور
يـــــــــــــــــــــــوم الــرحــــــــــــــــــــــم كــــــــــــــــــــــــــــــل يــــــــــــــــــــوم يــنــــــــــــــــــــــــــــــــزار
والـــيـــــــــــــــــــــــوم ع الـشـهـريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن بيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــزور وينقل لنا الشاعر سعيد بن عتيج الهاملي احترامه للمواقف النبيلة وكرم الكرماء الذي كان وراء بعض قصائد المديح التي في حياته. منها قصة مرضه «يقال قرحة في المعدة» ومبادرة خلف العتيبة بأن يرسله على حسابه الخاص إلى البحرين للعلاج. ذلك الموقف بقي في ضمير الهاملي وهو يشرح حالته ويصف الظرف الذي كان عليه أثناء مرضه، وكيف أن العتيبة أنقذه من الموت. في ذلك يقول: ِِعييــــــــــــــــــــت مــــــــــــــــــــــــن هـمـــــــــــــــــــــي ومـــــــــــــــــــــــن عبراتــــــــــــــــــــــي واشـــــــــــــــــــــــوف دنـيـايــــــــــــــــــــــــــــــه غـــــــــــــــــــــــــــــــدت عبــــــــــــــــــــــرات وعـيـنـــــــــــــــــــــــي تــهـــــــــــــــــــــــــل الدمـــــــــــــــع مــــــــــــــــــــن عبراتــــــــــــــــي وش ذا الزمـــــــــــــــــــان اللـــــــــــــــــي كذيــــــــــــــــــــــه مسيــــــــــــــــــــره والــحـمـــــــــــــــــــــد للــــــــــــــــــه يــــــــــــــوم جـيـنـــــــــــــــــــــا صــوبـــــــــــــــــــــــــــه لـــــــــــــــــي سمعتــــــــــــــــــــه عـنـــــــــــــــــــــد المــــــــــــــــــــلا منصوبــــــــــــــــه عـســــــــــــــــى أن لــــــــــه عيـــــــــــــــن الرضــــــــــــــــا منصوبــــــــــــــــه عــنــــــــــــد الــــــــــــذي مــــــــــــا مــــــــــــن إلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه غيــــــــــــــــــــــــــــــره شــــــــــــروى خــلــــــــــــــــــــــف مــــــــــــا ريــــــــــــــــــت مثلــــــــــه حــــــــــــــــــــد
لــــــــــــي بــالــكــــــــــــرم مـــــــــــا لــــــــــه قيـــــــــــــــــــــــــــــــــاس وحــــــــــــــــــــــــــــــد
اع ــــــــــ ل الب ــــــــــــــــــــ ى طاي ــــــــــ ه الفت ــــــــــ ر يـشـري ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الــفــخــ
يــوصــــــــــــــــــــــــــــــــل بــعــــــــــــزم ومــاضـيــــــــــــــــــــــات الحـــــــــــــــــــــــــــــــد
ي ــــــــــــــــــــ ه ارتياع ــــــــــــــــ ا ب ــــــــــ دات مــ ــــــــــ ى الش ــــــــــ ي عل ــــــــــــــــــــ الل
الطمع والبخل: تناقض بين العقل والفطرة ويقول الشاعر راشد بن محمد بن عبلان الكتبي محذ ار من البخل وداعيا إلى الكرم: لا خــيـــــــــــــــر في مــــــــــــــال تحـــــــــــــت إيـــــــــــــد لبخيــــــــــــــــــــــــــل ولا يـنـفــــــــــــــع الـنــــــــــــــاس البخــــــــــــــــــــــــــالا بخلهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ويقول الشاعر ابن محين الشامسي محذ ار من الطمع فهو لا يجتمع مع العقل والفطرة السليمة كما لا يجتمع ضدان: والـطـمـع ضــد العقل مـا يرث خير مـثـل مـا أن العقل ضـد الينان
يــثــقــــــــــــــــــــــل ومــــــــــــن ثـقـلـــــــــــــــــــــــــــــــه يثقّّــــــــــــــــــــل غيـــــــــــــــــــــــــــــره وفي هذه المقاطع الثلاثة من قصيدة الهاملي يصور معاناته من المرض ومساعدة العتيبة له ويسأل الله أن يجعل أعماله الخيرة في ميزان حسناته، فهو يعطي ويصل المحتاج بل ويثقل له بالعطايا، والأبيات تمثل وصفا واضحا لطبيعة الناس المتراحمين في جومن التكافل الاجتماعي المعروف حتى اليوم. ويقول الشاعر راشد بن محمد بن عبلان الكتبي مصو ار الكرام بصوربيانية جليلة تظهرقدرته على إصابة المعنى والقدرة على التعبير بأبهى المعاني والصور والدلالات: ة ــــــــــــــــــــ ار الظليل ــــــــــــــــــــــــــــ روات الأشـجـ ــــــــــ ــ ــــــــــ ـواد ش ــــــــــ والايـ ا ــــــــــــــــــــــــــ ذ رطبه ــــــــــــــــــــ ي لذي ــــــــــ ق ل ــــــــــــــــــــ ه البواس ــــــــــــــــــــ وشـــبـــ ه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ار الهويل ــــــــــ روات الاشـج ــــــــــــــــــــ ـذال شــ ــــــــــ والانـ ا ــــــــــــــــــــــــــ ن حطبه ــــــــــ ع م ـــــــــــــــــــــــــــــ ر ولا تنتف ــــــــــ ا ثـمـ ــــــــــــــــــــ لا بـهـ ه ــــــــــــــــــــــــــــــ ار المحيل ــــــــــ روات الــديــ ــــــــــــــــــــ ذال شـــ ــــــــــــــــــــ والانــ ا ــــــــــــــــــــ ن عشبه ــــــــــ ي مـ ــــــــــ ا ترتع ــــــــــــــــــــــــــــــ ت مــ ــــــــــــــــــــ و أنبت ــــــــــ لــ ويقول الشاعر مبارك العقيلي وقد أعطى الحق في الفخر
وفي المعنى ذاته تقول الشاعرة فتاة العرب: والـكـــــــــــــف لــــــــــــــي ينقطـــــــــــــع وش عـاد لانسانـــــــــــــي
الشعر النبطي صورة صادقة لعادات أهل البلاد
وأخلاقهم الأصيلة وتقاليدهم الرفيعة، نستطيع من خلاله التعرف على واقعهم وانتمائهم وهوية سلوكهم وثقافتهم، وهو بالتالي ترجمة لهذه العادات والتقاليد بما تحمله من جذور الأصالة حيث الفخر والكرم والانتماء
والاعتزاز فقط لأصحاب الفزعة والجود والكرم: اع ــــــــــــــــــــ ـر مبت ــــــــــــــــــــ ت للـفـخ ــــــــــــــــــــ لا م لقي ــــــــــــــــــــــ درت الــمــ
ي ــــــــــــــــــــ م الأفاع ــــــــــ ر س ـــــــــــــــ ث دون الفخ ــــــــــــــــــــ ن حي ــــــــــ مــ
اع ــــــــــــــــــــــــــــــ ال جم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ه للم ــــــــــ ا يـشـريـ ــــــــــ ر مــ ــــــــــ الــفــخــ
ي ــــــــــــــــــــ وم اجتماع ــــــــــــــــــــ اب ي ــــــــــ ن ه ــــــــــ ا ولا م ــــــــــــــــــــ حــاش
27
26
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة الإماراتية: بين الأصالة والقيم في التراث الشعبي
Page 1 Page 3-2 Page 5-4 Page 7-6 Page 9-8 Page 11-10 Page 13-12 Page 15-14 Page 17-16 Page 19-18 Page 21-20 Page 23-22 Page 25-24 Page 27-26 Page 29-28 Page 31-30 Page 33-32 Page 35-34 Page 37-36 Page 39-38 Page 41-40 Page 43-42 Page 45-44 Page 47-46 Page 49-48 Page 51-50 Page 53-52 Page 55-54 Page 57-56 Page 59-58 Page 61-60 Page 63-62 Page 65-64 Page 67-66 Page 69-68 Page 71-70 Page 73-72 Page 75-74 Page 77-76 Page 79-78 Page 81-80 Page 83-82 Page 85-84 Page 87-86 Page 89-88 Page 91-90 Page 93-92 Page 95-94 Page 97-96 Page 99-98 Page 101-100 Page 103-102 Page 105-104 Page 107-106 Page 109-108 Page 111-110 Page 113-112 Page 115-114 Page 117-116 Page 119-118 Page 121-120 Page 123-122 Page 125-124 Page 127-126 Page 129-128 Page 131-130 Page 132Made with FlippingBook Ebook Creator