ج ُُلََساء التراث
طبيعتها في مصر بعد أن عينه رئيسا للوزراء وقائدا للجيوش، فأحبه المصريون لما نشره من عدل وتنظيم. وتتناول القصة الثالثة والأخيرة شخصية صلاح الدين الأيوبي؛ ذلك الكردي الذي نجح في حماية مصرمن الصليبيين، وحكم مصر بعد القضاء على الفاطميين وعلى مذهبهم الشيعي. إنها رواية تُُرينا كيفيََّة وراثة أمة سياسية لأخرى ضمن الفضاء الإسلامي، حيث المعتقد والمذهب يرافقان السلطة والتصور البشري من ناحية التفسير الديني أولاًً، ومن صبْْغ الفعل السياسي، الس ُُّلطوي والتملكي بصبغة دينية ثانياًً، ثم الانتهاء بعد ذلك إلى صناعة منجز بشري فيه من الشر أو الخير ما يصاحب التعمير أو الخراب والتدمير ثالثا ًً. الأبطال الثلاثة، الصقلي والجمالي والأيوبي، كما تقول الكا بتة:
«لم يكونوا مصريين بالأساس، غير أنهم أثبتوا أن من يُُطلق عليه مص يرّّا عبر التاريخ ليس بالضرورة أن يكون مصري .. لقد ) 9( العرق، لأن مثلهم ك ُُثر اختاروا مصر لتكون وطنا لهم» كانوا جزءا من التاريخ السائد في عصرهم، وإن كانت حميتهم ومبررهم دينيََّيْْن إلا أنهم كانوا من أمم أخرى، ومنهم من غير العرب. وتواصل الروائية ريم بسيوني تفسيرها لصناعة التاريخ بما يََشي برفضها للمسألة العرقية وتحكمها في حركة التاريخ ومصير الأمم، حين تقول: «العِِرْْق فكرة أوروبية ظهرت في بدايات القرن الثامن عشرالميلادي، حيث كان الناس قبل تلك الفترة في منطقتنا العربية وغيرها من بقاع العالم، ينتقلون من مكان
ذلك لكانت اليوم - دون قصد - تُُبْْعدنا عن السياق التاريخي الراهن لمصر في بعدها الوطني، وفي أبعادها الأخرى القومية والدينية والعالمية. ولوفعلت ذلك أيضا لاس ْْتع ْْصت عليها معرفة «من هوالمصري؟» في كل عمر أرض الكنانة، وخاصة في الحقبة الإسلامية، وهو سؤال موجه لذات الكابتة أولاًً، ولكل المصريين بعد ذلك، ولََص ََع ُُب عليها السير في ركب الحضارة المعاصرة في راهنها حيث الانتصارإما لانتماء بالمولد وإما بالتعمير، وبالطبع هي لا تجزم بذلك، وإنما تتركه لفهم وإدراك القارئ وهو يتابع أبطال الروايات وشخوصها وهم يصنعون تاريخا يشترك فيه الخاص بالعام، ويطغى فيه حب الذات والسلطة ونهب الخيرات على القيم الجميلة التي تنتهي إلى زراعة الخير، حتى لو كانت أرضه بو ار أو جدباء. في «ثلاثيّّتها الثّّالثة» تكمل دكتورة ريم بسيوني ما بدأته من قبل في رواية «أولاد الناس.. ثلاثية المماليك» وفي رواية «القطائع.. ثلاثية ابن طولون»؛ وهي كما صرحت لجريدة «اليوم السابع»: تواصل التنقيب في جوانب الحياة في مصرفي ظل ممالك تركت ، ) 7( آثارها في التاريخ والسياسة والمعمار والحياة الاجتماعية» وذلك لأجل «أن تصحبنا في رحلة جديدة مملوءة بالرومانسية . ) 8( والحكايات التي تخلد حياة البشر في مصر» وفي هذا كلّّه، تتقص ََّى ريم بسيوني حقائق التاريخ، المسجل
منها والمروي، في سرديّّة تحمل أسلوبا جذابا يُُنْْسينا الظن، وي ُُزيل عنا الشك في الجانب المتخيل من هذا التاريخ، أو ي ُُلهينا في تفاعلنا مع القضايا والحوادث الكبرى عن أخرى صغرى تأتي عابرة، وإن كان لها تأثيرها على مجرى الأحداث، لكن في الغالب لا تشد إليه رحال الباحثين، حتى المهتمين بالتاريخ ِف ْْر الأدبي �ِّ منهم، فتغدو إليها ريم بسيوني، ثم تروح إلينا بهذا الس المكوّّن من ثلاث روايات، منفصلة من حيث موضوعاتها، ولكن متصلة بأخرى في سياق تسلسل أحداثها التاريخية. الصقلي.. والجمالي.. والأيوبي وبالعودة إلى رواية «الحلواني.. ثلاثيََّة الفاطميّّين» نجد أنفسنا في مواجهة، ليست حربا ولا عُُنْْفاًً، ولكنها أقرب إلى اللقاء الحميمي في مجال المعرفة، حيث التجلي المبهر لثلاث ًًا شخصيات أثرت في التاريخ المصري، وحققت حضوار عابر للأزمنة إلى أن وصل إلى أهل مصر اليوم. بتدأ الرواية بالقصة الأولى، التي تحكي عن جوهر الصقلي مؤسس القاهرة والقائد العسكري الكبيروأحفاده الذين تابعوا مسيرته بما صنعوا من حلوى تميزت بها الفترة الفاطمية في مصر. وتدور القصة الثانية حول شخصية بدر الجمالي القائد الأرمني والي عكا الذي استعان به المستنصر بالله الفاطمي في القضاء على آثار الشدة المستنصرية، وأعاد الحياة إلى
101
100
2024 سبتمبر 299 / العدد
قراءة في رواية «ريم بسيوني» «الحلواني.. ثُُلاثيََّة الفاطميِِّين».. سرد تاريخي مشوق برؤية عصرية
Made with FlippingBook Ebook Creator