دراسة
هناك مجموعة من النصوص جاءت في الأمثال الشعبية برموز متعلقة بالمرأة، جعلت منها رم از لتعانق الأرض والقضايا الاجتماعية الكبرى، فالمرأة أخذت حي از كبي ار من هذه الأمثال سواء قد أعلت من منزلتها أو قللت من شأنها، ولا نستطيع القول إن المثل الشعبي قد ظلم المرأة، فهو ليس أكثر من مرآة تعكس تفكير المجتمع الذي خرج منه، لذلك كثي ار ما تأتي الأمثال متناقضة بتعا لاختلاف البيئات التي خرجت منها، وغالب ًا ما تنتقص هذه الأمثال من قيمة المرأة، إلا أنها قد تشيد بها في بعض الأحيان الأخرى وهذا ما يفسر هذه الازدواجية، فملاحظ بأن المدح محصور لفئة محددة من النساء، والذم ينطبق على جميع النساء، وبالتالي توظيف المأثورات الشعبية - لاسيما الأمثال الشعبية - تكشف عن المكانة التي تمتلكها المرأة في المجتمع، وعند تتبع الأمثال التي تطرقت إلى المرأة والتي تنوعت فيها الصفات والأدوار نجدها مختلفة في ماهيتها وغرضها والمجتمع الذي قيلت فيه؛ ففي هنغارية (انظر إلى المرأة وتزوج الابنة)، وفي الهند (لا تكف المرأة عن الكلام إلا لتبكي)، وفي إيطاليا (جمال السماء في نجومها وجمال المرأة في شعرها) والأمثلة كثيرة ومتعددة. تذكر إحدى الراويات أثناء حديثي معها بقولها: (كانت والدتي هي من تقوم بجميع أعمال المنزل، تستيقظ في الصباح الباكر وأنا وأخواتي نتبعها نتعلم منها كل ما نستطيع أن نتعلمه، وإذا
قمنا بعمل غير جيد أو أخطأنا كانت لا تحاسبني بل تسعى إلى توجيهنا بمثل أو حكمة، ودائما ما كانت بتدأ بقولها: «يقول متوصف» أو«على قولة راعي الوصف»، لأن قائل المثل مجهول الهوية، وقد وصل إلينا عن طريق كثرة تكراره على الألسنة في مواقف مشابهة، فالغرض من هذا أن نتعلم الاحترام والأخلاق والسنع، واحترام كبار السن، وتصحيح أي سلوك غير جيد،
المرأة والأمثال الشعبية: الإرث والتغي ّّـر مريم سلطان المزروعي يع ّّد التراث الثقافي من أقوى حوامل القيم والمبادئ في المجتمعات، إذ يعززمن قدرة المجتمع على الصمود أمام المؤثرات الخارجية. فالأمثال، سواء أكانت شعبية أم فصيحة، ليست مجرد كلمات بل هي حاملة للعديد من القيم والعادات والتقاليد التي تصل بسرعة إلى قلب السامع ووجدانه، ويمكن القول بأنها تعمل كضوابط للحفاظ على النظم الاجتماعية. وتمثل الأمثال موروثا حضاريا يجسد تجارب الأجداد، وفهم هذا الموروث هو خطوة أساسية للحفاظ على الهوية الثقافية في عصر العولمة. وتعكس الأمثال الحياة الاجتماعية عبر أشكال تعبيرية متعددة مثل الحكايات والأشعار والقصص، حيث تصف بشكل مباشر حالات واقعية تنسج النسيج المجتمعي من خلال علاقات الناس في مختلف الظروف. فالأمثال توصف بأنها أقوال موجزة بليغة ت ُُعب ّّرعن تجربة ما ومن ثم تناقلتها الأجيال، فهي تعتبرحكمة الشعوب ِِ، ومخزونا تراثيا عميقا متراكما فيه تجارب الشعوب وخبراتها بكل تنوعها وتناقضها، ما يجعلها تكشف عن ملامح المجتمع وأسلوب عيشه ومعتقداته ومعاييره وما تتناقله الألسنة فيه؛ فيذاع وينتشر ويصبح مثلا يرد ّّد ُُه الناس في كل موقف شبيه بالموقف الذي ورد فيه. وكل ثقافة نجد فيها الرموز، وهذه قد أبدعها المجتمع والأفراد في تشكيل وإعادة تشكيل الهوية الثقافية.
111 2024 سبتمبر 299 / العدد
110 المرأة والأمثال الشعبية: الإرث والتغيّّـر
Made with FlippingBook Ebook Creator