torath 299- Sep - 2024

حوار خاص

حدثينا عن أهم المعالم المجسدة للتراث التي تُُعبّّر عن الهوية التونسية؟ لعل الحديث عن تاريخ معالمنا وإرثنا وتراثنا لا يكفيه م ُُجلّّدات سنة حضارة كفيلة بأن تجعلنا 3000 لتفي حق تعداده. إن نتخيل ما تحمله تونس من إرث حضاري رصين كم ّّا وكيفا ولعلّّه وعلى سبيل الذكر لا الحصر نجد المدينة العتيقة في تونس التي قد حافظت إلى اليوم على تراث إنساني معماري حضري عربي وإسلامي فريد من نوعه يصون الذاكرة الشعبية والوطنية لتونس وللبلاد ويجسم أصالة مدينة ظهرت إلى الوجود منذ ثلاثة عشرقرنا ًً. حيث حافظت على الطابع الحضاري التونسي. 1979 هذا وقد ص ُُنفت المدينة العتيقة في تونس منذ عام لدى منظمة «اليونسكو» بصفتها تراثا ثقافيا للإنسانية. بنظرك كيف يمكن صيانة التراث المعماري؟ يشكّّل الوعي بقيمة التراث المعماري والعمراني أولى خطوات صيانته. إن الحاجة ملحة اليوم للتعرف على التراث وفهمه في مستوى الأنماط المعمارية ومكوناته الجمالية والفكرية من أجل صيانة ناجعة تأخذ في الاعتبار مختلف مكوناته الفكرية والثقافية والسوسيولوجية. كذلك على عاتق المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في الحفاظ على موروثنا المعماري، فاستدامة الصيانة لا تستقيم إلا بوعي وطني لضمان الاستمرارية. ما خصوصيات عمارة الواحة وكيفية صيانتها؟

منظر المدينة القديمة، هندسة معمارية تونسية تقليدية

وأحداثه، بينما الآثار (كعلم) هو البحث فيما تركه الإنسان من بقايا مادية. التراث ينشغل بالنتاج الثقافي والحضاري والفكري خلال التاريخ. شخصيا لست دارسة للتاريخ لأوثّّق، ولا عالمة في الآثار لأبحث فيه، لكني أعمل على التراث كمادة وأبحث في أثر الأثر شكلا ومبنى ومعاني... لعل الاهتمام بالتراث عموما لا ينحصر في تعريف واحد ولا يتقيّّد بتخص ّّص بعينه - في نظري أنا طبعا - سواء لتخصص الباحث أو نوع التراث، فالمجال البحثي هو الم ُُحد ّّد الأساس والأول لخط سير القراءة الاستقرائية. تخصصي الأول كان في الهندسة الداخلية ما بين جدران المباني وحدوده رسمها ا � يجعل عملي منحصر التخصص م ُُسبقا ًً. غير أن ضيق المساحة فتح باب القول لما لم تُُصفحه الجدران الصمّّاء وتقنيات الهندسة الصارمة لحيّّز م ُُشبع بالتفاصيل متمثّّلا في التراث الذي يكسو المبنى بصفة عامة والفضاء السكني بصفة مخصوصة، فتكون الرحلة التي نخوض. بالدخول لأعماق الفضاء السكني التقليدي والكشف عن ذاكرته المكتوبة أو المخزونة فإننا نكون قد اندمجنا فيه وتوص ّّلنا إلى عتبة الاقتدار بالتعامل وإياه وإعادة قراءته. للمكان لغات عديدة يقول بها اعترافا علنيا أو ربما هو متوار متست ّّر ويصرح علينا بما يريد لا ما نريد.. له مخيلة حاضرة مع

مخيلتنا. إنهما متجاوران - مخيلته ومخيلتنا - وكلاهما مبدع بانشغاله بالآخر... لعل أول ما يهمنا في هذه البيوت التي ننسبها على طراز العمارة التقليدية هو خضوعها للتقاليد إذ إن العمارة - التي تتأسس على تقاليد معمارية تخصها - يتاح لها أن بتني أسلوبا يميزها. وعندما يكون مصدر هذا التقليد نوايا المجتمع المحتكمة إلى فكر وعادات وقيم لها حضورها وتدخلها في سلوك الأفراد وتنظيم علاقاتهم الاجتماعية، كما هي الحال تكون صورة مقبولة ومنتمية إلى مجتمعها. للرؤية والفعل ا � شخصياًً، أعتبر الفضاء الداخلي حيز والممارسة: تتعدّّد القراءات بتعدّّد القرّّاء وبتاين مرجعياتهم، ما يسمح للفضاء الداخلي بأن يكون مخزونا تراكميا وثراء مصادريا لمرجعيات تُُراثية، إنثروبولوجية، ثقافية... وعليه، يستحيل السكن حاو ِِيا لدلالات لا م ُُتناهية، وهو ما يفسره زخم العطاء الدلالي الذي يمنحه الفضاء السكني كفضاء للتأويل قابل للتجديد في ك ُُل مرة تغي ّّرالقارئ أواختلف أسلوب القراءة أوحتى زاوية القراءة عينها... فتكون المحصلة في كل مرة جولة جديدة من التأويل بمسوغات أجدّّ. يرتفع نسق القراءة أسلوبا وممارسة كلما تعمقنا في العمل البحثي لننتقل من فضاء مغلق إلى فضاء مفتوح على المُُغيّّب.

إن قرى الواحة ومدنها في الجنوب التونسي هي متحف مفتوح وذاكرة حيةٌٌ، تشكّّل عمارتها أهمية كبرى من النواحي التراثية والثقافية والبيئية، ويمثل بقاؤها شاهدا على تفردها صناعة وممارسةًً؛ فهي حصيلة ما أنتجه الأسلاف في تفاعلهم مع المحيط الطبيعي، تتجسد فيه خبرة الماضي مجتمعة في مجال محدد ٍٍ. وكذلك هي دليل على قدرة التكيّّـف مع المعطيات الطبيعية الصعبة، فليس المعمار كامنا في الواحة كمعطى طبيعي سابق، بل نتاج عمل وخبرة؛ فالمعمار وليد الموقع، وخبرة السكان تتبلورمن خلال ملاحظة إمكانات المواد، وكسب المهارة. وتعتبر المكتسبات من مجموع الخبرات المتوارثة إرثا قيماًً، لذلك تنزع الجماعات إلى نقل الخبرة من جيل إلى جيل؛ إذ إن الأشكال التي تنشأ من عمليات العمل الجماعية تميل إلى الثبات، ولا تقبل التغيير بسهولة؛ وما أنتجه السلف ألزم به الخلف. لقد حاولنا من خلال دراسة هذا النمط من الإنتاج المعماري فهم خصوصيات السكن التقليدي في الجنوب التونسي عامة ًً، والفضاء الداخلي للسكن نفسه خاصةًً؛ فمساكن قرى الواحة ومدنها التقليدية طاقة تشكيلية كامنة في معمار مكشوف/

المدرج الروماني في الجم (تيسدروس)، تونس

119

118

2024 سبتمبر 299 / العدد

زينب قندوز غربال: تراث المدن العتيقة التونسية

Made with FlippingBook Ebook Creator