الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
موروث عريق يلحظ المتتبع لتاريخ العمل التطوعي والخيري والإنساني في الحضارة العربية والإسلامية أن العمل الأهلي غير الحكومي لم يكن غريبًا عن المجتمعات العربية والإسلامية، فقد عرف العرب قبل الإسلام أشكالا مبّكّرة للتجمعات الأهلية غير الحكومية من خلال ظاهرة التجمع الخيري التي كانت تأخذ أشكالا متنوعة، فرأينا لديهم صوار متعددة للإحسان والرعاية، ومنها: رعاية اليتيم، إذ أقاموا بيوت الأيتام لكل من فقد والده أو توفي أو قُُتل في حرب، وكان أشهرها بيت أيتام غطفان. ومع مجيء الإسلام، أسس القرآن الكريم للعمل الإنساني والخيري في آيات عدة، وركز الإسلام على أن العمل الصالح والإحسان فيهما فائدة للذات وفائدة للناس. وفي ذلك يقول المولى عز وجل: «وََمََا تُُنفِِقُُوا ِمِن َخَيْْر فََلأنفُُس ِِكُُمْْ»، وكذلك: «م ََن ع ََم ِِل َصَالِِح ًًا ف ََلِِنََف ْْس ِِه ِِ»، ويقول تعالى: «لا خ ََيْْر ف ِِي ك ََثِِير م ِِن نََج ْْوََاهُُم إِِلامََن أََمََر بِِص ََدََقََة أََو مََعْْرُُوف أََو إِِص ْْلاح بََيْْن النََّاس وََمََن اْْر ع ََظ ِِيماًً»، ومن يََفْْعََل ذََلِِك ابْْتِِغََاء مََرْْضََاة اللََّه فََسََوْْف نُُؤْْتِِيه أََج الحديث الشريف: «اصنع المعروف مع أهله ومع غيرأهله، فإن أصبت أهله فهو أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله». فليس من الغرابة أن يمثل ما حققته الإمارات في مجال العمل التطوعي الذي يشكّّل أساس عمل منظمات المجتمع المدني، وعصب المجتمع نفسه، إنجا از نوعيا ًً، فقد توافرفيها العنصر البشري التََّواق بثقافته وإرثه الديني إلى التطوع، المتحفّّز بقيََمه وسلوكه للمشاركة في المسؤولية المجتمعية، خدمة
لمجتمعه أولاًً، ومساندة للإنسان في مجتمعات أخرى ثانياًً، ووجدت القيادة التي حملت الدولة إلى مسابقة الدول الكبرى والمتقدمة، فسبقتها في مد يد العون والمشاركة في إنقاذ المجتمعات البشرية دون تمييز، وكذلك حين التقت إرادة الدولة وعزائم مواطنيها على حب الخيروتحقيق التكافل، ونشر المساواة بين البشر. ولطالما ظل التضامن والتكافل الاجتماعي سمتين أصيلتين من سمات المجتمع الإماراتي، واستمرت الحكومة تعتزبحرصها على الالتزام بروح العطاء التي كر ََّسها المغفورله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - في المجتمع الإماراتي، فهي
فغدا للعمل التطوعي مواثيقه التي تحدد أداء العاملين وتوجههم في مجاله. وتصاعد الاهتمام العالمي بأخلاقيات العمل التطوعي، وصارهناك ما يعرف بميثاق الشرف الأخلاقي للمنظمات التطوعية أوللمتطوعين، وهونظام أومدونة لسلوك هذه المنظمات، تحدد وتوجه وترشد أداء هذه المنظمات في علاقتها بالفئات المستهدفة بعضها ببعض، وفي علاقتها بالحكومات والداعمين والرأي العام، وبما يتفق مع طبيعة المجتمع المدني غير الربحية والطوعية وذات النفع العام. ولأن المتطوعين هم عماد العمل ومصدر الحيوية، فقد أضحت الجهود تتجه نحو بناء ثقافة للتطوع، وتهيئة البيئة
لا تألو جهدا في توفير سبل الدعم والتشجيع كافة للعديد من مبادرات العمل التطوعي وبرامجه التي تنفذها مختلف الجهات الحكومية والخاصة، ولا تتباطأ أبدا في السعي إلى تهيئة جو ملائم للعمل التطوعي على المستويين المحلي والدولي. ميثاق شرف وثقافة للتطوع وفي ظل حالة الانفتاح المعرفي بين المجتمعات المختلفة، برزت للعمل التطوعي قيم، وأصبحت هناك حاجة ملحََّة لاكتساب أخلاقيات تحكم العمل التطوعي، حتى يكون بمنأى عن الشبهات، وحتى تتضح الفروق بينه وبين العمل الدعائي،
13
12
2024 سبتمبر 299 / العدد
التطو ُُّع في الإمارات.. من المفازعة القََبََلية إلى منظومة عصرية
Made with FlippingBook Ebook Creator